حديث المهجر على هامش كورونا... شارع سانت كاترين ..منذ زمن

حديث المهجر على هامش كورونا... شارع سانت كاترين  ..منذ زمن
مونريال ـ كندا / ذ . الحافظ الزابور 21 مايو 2020

على هامش كورونا
شارع سانت كاترين  ..منذ زمن 

كأن الحركة لم تدب أبدا...
شارع كنت ادكه كل نهاية اسبوع..يعجبني التجوال فيه من أوله إلى آخره..في فصل الشتاء أو الصيف ..شتاء أعرج على مقهى  "ستار باكس" يسارا لما يقذفني المترو ... 20 درجة تحت الصفر اقل شئ ... اسارع الخطى ..اعرف اين مكاني دائما  ... اختار ما وراء الزجاج المطل على الشارع مباشرة ..هذا اذا ما ترك المكان فارغا ..الطلبة يشغلون  هذه الأمكنة عادة ..ينكبون على "اللابطوط " فينقطعون عن عالمهم الخارجي والداخلي . لكن أجواء  المقهى تظل هي هي ..لا يهم الطلبة  اي شئ سوى "التذاكر " الافتراضي " وتحصيل الدروس . بخلاف انا ..لم  يعد تهمني الدروس ...شبعت دروس الحياة ..هي اكثرهم نضجا وابتلاء .. اهم شئ ظل  لدي هو  شم رائحة القهوة المنبعث من آلات الضخ الضخمة الموضوعة على  الكونطوار ..استلقي بجسدي النحيف على الكرسي الواقف ...لابد من الدرج حتى امتطيه ..لاستوي مقابل الشارع الفسيح وابدأ بتتبع الأجساد الملفوفة ..الغضة والرقيقة..الصقيع قاتل ..تتشقق الايدي والشوارب ..الكل يسارع للاختفاء والاختباء...لولا الاكفف..لمنعنا من أيدينا..بل لظللنا بلا ايد ...رائحة القهوة تزيدني نشوة وابتهاجا ..اتصورني واحدا ..مجبولا على شرب فناجين القهوة ..لكن "استرباكس" عادة ماتخيب املي.. وظني كثيرا.... لمايتعلق الامر بحاستي الشم والذوق  ..واكره ما اكره لما تصب  لي القهوة في "غراف من الكرطون " لااستسيغ النظر اليه والاحتفال به لأول وهلة  ..  ..مع ذلك.. أضعه بجانبي دون تلذذ..بين رمشة وأخرى ارشف..وارتشف ..مرغما حتى اشفي غليلي من أجواء  الفضاء لاغير  ...ليتني استل سيجارة . ليكتمل الطقس ..آنذاك يمكنني ان اعوض ..الا أن كل شئ أصبح ممنوعا ..القوانين ضيقت الخناق على كل الاختيارات " الشهوية" ..اشرب واتتبع خطو المارين..ويمر شريط الذكريات..يجوب بي ..شوارع "ديجون " في الثمانينات ..مدينة صغيرة قريبة من مدينة "ليون " الفناجين هناك من "عاج" مرصع..أتذكر  رائحة القهوة ..أظنها من "إثيوبيا " اصل الحب البهي ..له لون بني غامق ...المقهى كان اسمها .." كافي كريك " نسبة إلى بلاد "،الالومب " القصية عني الآن ...شتان بين الرائحتين ..اما التذوق فحدث  ..
كان هذا في فصل الشتاء ..انها عادتي كل نهاية اسبوع ..ولا انسى... وانا  في زحمة الموسيقى الباردة  والصمت المريب سوى وشوشات هنا وهناك...وبين تعرق خفيف . احيانا مغر ..لروائح   أجساد اناث وذكور من أقوام من كل بقاع الأرض.. وصوت آلات القهوة الفحيح .. لا انسى...  وأنا اخط خواطر متعجلة عنت فورا ..   أو بيت من الشعر منكسر..  أو بضع سطور عن تاريخ يومياتي "المعجة"   ..وقد يحدث كثيرا أن امزق الكل من على  "ورقة شاشة الايفون " وأبصم على كلمة " ابوندوني " ..وفي بعض الأوقات..ارسل التدوينة إلى الفضاء ..وارتاح..كأ ن ثقلا لن يزل الا بالتقاسم ..ثم ابدأ في الرشف..الطلبة والطالبات بجانبي ..غير آبهين بحضوري ولا مستغربين... عدا أن يهمهم حضور شخص زائر /زائل ...
وفي الصيف كذلك.. أول ما أبدأ به التجوال رمي الخطو على  طول الشارع كفرس جامح لن يهدأ له بال الا بقطع المسافات الطويلة   ..يعجبني التجوال وانا اتزاحم مع المناكب..كل مرة اختار "دكان ماركة " الج الدكان ..اقوم باستطلاع افقي وعمودي للالبسة والوجوه ..كأنني "لاراف" قليلا ما اقتني ..لم تعد تهمني الماركات ..خزنتي فيها ما يكفي..كنت افكر دائما ..ما الذي ستزيدني الماركة جاه أو وجاهة ..مادام القماش ستر وكفى ..اعتقد الآن ..انني من الاحسن أن تخلى عن " التباهي" .. حتى لا أسحق ما راكمته من تجارب " الحكم "   ..لم اعد اكترث ..بل أصبحت أشعر أن رفع الماركة على صدري أو ظهري ..هو" استحمار" غير مقصود مني ..لكنه أصبح مقصودا الآن ..لما تأكدت أن من يخيطون هذه الأقمشة هم "فقراء محرومين مغبونين " بدأت أكره الماركات . فاللف في الدكاكين لم يعد إلا عادة لتزجية الوقت وكسر الروتين لا اكثر من ذلك  ..وليس حبا في تبضع غير مجد ..هناك اجدى منه ..في الصيف دائما ..مايغريني اكثر في شارع سانت كاترين..فسحة النافورات وهي ترش الماء من انابيبها يمنة ويسرة..كلعبة تلهي الاطفال وتريح اولياء امورهم ..لا انسى المثلجات ..آه المثلجات الملونة ..حتى قبل ان الحق الدكان ...يبدأ اللعاب يسيل ..كأنها "بردا وسلاما " على صدر الهبته حرارة شمس لا هبة...متناقضات موريال لا تنتهي فهي عادة ما تبدأ بصقيع قاتل وشمس حارقة ..ويستمر "السكل " بهذه الثنائيات إلى ما لا نهاية..هي تظل ونحن نمر  ..اشفي غليلي من " المثلجات...كأنني أنتقم لليالي الشتاء العجاف..رغم أن ندف الثلج  مشتتة في كل الأمكنة بمذاق " مملح "  غريب كانها قصع "مطهاة " مرمية على قارعات الطريق ..."مذاقات" ندف الصيف المصنعة أبهى.  توابلها "سرية " ومخزنة ..مثلها مثل  "توابل " الكوكا   ...
كلما ضاق بي التعب استقل كرسيا من خشب ..ملقى على قارعة الطريق . وابدأ بلحس المثلج بطريقة "ايروتيكية " غريبة وقد يحدث أن العقه وكل ذلك بطرف لساني .. لا أعلم لماذا..يتبادر إلى ذهني..خيلاءنساء او عاشقات ..هل هو ضرب من جنون الشهوة ..؟؟؟..أشعر بعدها براحة غامرة ومغمورة..والقي بالورق المقوى في سلة الزبالة..وانزل إلى قلب سانت كاترين السفلي .. وابدأ في التسوق لا لأشتري أو أقتني ....التحت كماالفوق سيان نفس "الاقيسة والنظرات .....قليلا ما يلزمني... انني هنا لأ حمل بضاعة على كتفي ..او أشغل اصابعي ....مللت "السوق " من أجل التبضع فقط ..  ... أسأل عن الاثمنة ونوع الأقمشة. .. واحيانا اتملى دون أن انبس ببنت شفة...قد يحدث أن أن أتناول سندويتشا..سريعا من البطاطا والموتارد..آه "لفريت ". ..عفريت من فكر في "قلي " البطاطا على هذه الشاكلة ..وتنتهي الرحلة عندها وأستقل الميترو مباشرة من تحت دهاليز "سانت كاترين " دون الصعود إلى الأعلى ..وفي منتصف الطريق السككي أعرج على "ببليوتيكانترناسيونال " هناك اقضي ما تبقى من وقت الظهيرة ... وانا أتجول بين دفتي كتاب اختاره من الرفوف عشوائيا ..تعجبني الفلسفة ..عادة ما تحرك لدي أسئلة لاجوبة كنت اجهلها..فضاء آخر من فضاءات تجوالي لكنه مرغوب ومقصود ..لكل له وجهة واهتمام ..فضاء "المكتبة " العملاقة ..كنصب ...شبيه بصمت القبور ...الصمت يعم ..لا انزعج من هذا التحول المفاجئ ..من ضجيج الشارع إلى سكون المكتبات ..مع ذلك يظل الضجيج ضجيجا وان اختلفت المهارات ..ضجيج الحرف اشد ...؟؟؟ 
هل للحرف وقع إلى درجة يستوي  الناس جرائه . و في غفلة منهم ...
كان كل ذلك يجري باختزال شديد .. دون "منبه " او تخطيط ..يجري كل عام تقريبا دون توقف أو تلكؤ..الا هذا العام ...!!!؟؟؟؟

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">