القضية الفلسطينية من فشل مبادرات التسوية الى محاولات التصفية

القضية الفلسطينية من فشل مبادرات التسوية الى محاولات التصفية
انغير بوبكر* 06 أكتوبر 2020

قضية الشعب الفلسطيني ، قضية شعب ،احتلت ارضه و، شرد اهله و اغتصبت حقوقه ، هي قضية انسانية عادلة لشعب مظلوم ، تكالبت عليه قوى الغرب والشرق من اجل طمس حقوقه واجتثاث وجوده.
نضال الشعب الفلسطيني من اجل تحقيق مطالبه العادلة ، نضال مشروع ينسجم مع جميع الشرائع السماوية والارضية ، اذ ان حق تقرير مصير الشعوب ومنه حق الشعب الفلسطيني هو مبدأ اساسي ينسجم مع بنود العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 و يتفق تماما مع مبادئ القانون الدولي ، ويتناغم مع قرارات الشرعية الدولية ومقررات وتوصيات الجمعية العامة للامم المتحدة واعلانها حول مبادئ القانون الدولي لعام 1970 الذي جاء فيه :
 لجميع الشعوب الحق في تحديد وضعها السياسي وانجاز تطورها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بحرية وبدون تدخل خارجي .
 تحريم اخضاع الشعوب للسيطرة الاجنبية والاستغلال بما فيه استخدام الاشكال المختلفة للسيطرة الكولونيالية . وللشعوب المستعمرة الحق في استخدام كل القوى والوسائل بما فيه الكفاح المسلح في الكفاح من اجل استقلالها.
رغم قرارات الشرعية الدولية الكثيرة الخاصة بالقضية الفلسطينية ورغم مرور عقود من الاضطهاد والظلم والطغيان الذي يمارسه الاحتلال الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني ، بقي الشعب الفلسطيني محروما من تقرير مصيره السياسي والاقتصادي واستمرت سياسة قضم الاراضي الفلسطينية وسياسة الاستيطان الاسرائيلية في أوجها ويقبع في السجون الاسرائيلية الالاف من الاسرى الفلسطينيين من مختلف الاعمار ويتعرض الشعب الفلسطيني لحصار اقتصادي وانساني وعقاب جماعي امام انظار مجتمع دولي عاجز عن اقرار ميثاق الامم المتحدة وترجمة اعلانات الامم المتحدة على ارض الواقع ، بل ان جميع قرارات الامم المتحدة تصطدم بنظام اسرائيلي عمل كل ما في وسعه من اجل تعطيل الحق الفلسطيني في الوجود . بل ان الشعب الفلسطيني تحاك ضده المؤامرات الواحدة تلو الاخرى في اطار نظام دولي مختل وغير منصف للفقراء والمستضعفين يقول الدكتور والمحامي السوري مصطفى امين :"وللحقيقة والتاريخ ان الشعب الفلسطيني ،منذ اكثر من ثمانين عاما يخوض معركة الحرية والكرامة وحقه في تقرير مصيره ،فبعد خروج الجيوش البريطانية من فلسطين ،انتقل هذا الشعب لخوض المعركة الوطنية ضد الغزاة الجدد الصهاينة ،وخاصة ضد العصابات الصهيونية الفاشستية امثال "شترين" و "الهاكانا" و "الارغون" وغيرها التي ارتكبت ابشع المجازر بحق المواطنيين الفلسطينيين ،ومازالت مجازر "قبية" و "دير ياسين" وغيرها تشهد على ذلك..ومايزال هذا الشعب الصامد يقف شامخا في ساحة المعركة يقدم كل يوم المزيد من الشهداء من خيرة أبنائه وماتزال المؤامرات تحاك ضده من الاعداء وما يزال الصمت يخيم على نضاله المشروع من " الاشقاء".")) ، لذلك استمر النضال الفلسطيني وحيد محاصرا مقموعا في اطار اختلال موازين القوى لصالح اسرائيل والقوى المساندة لها دوليا ، كما ان الحركة السياسية الفلسطينية نفسها مسؤولة تاريخيا بأخطائها عن تفويت فرص حقيقية لتحصين حقوق الشعب الفلسطيني . يقول الدكتور نافع الحسن سنة 1982 مايلي : "ولقد حرم شعب فلسطين حتى الان من تقرير مصيره وذلك بسبب وقوفه وحيدا امام اعنف هجوم امبريالي صهيوني تعرض له (واسهم فيه الوضع العربي المتردي ) وكذلك بسبب اخفاق محاولات حل القضية الفلسطينية باقامة دولة ديموقراطية في فلسطين نظرا لرفض القيادة الفلسطينية انذاك –الهيئة العربية العليا –لهذا الحل من جهة واصطدامه بالمشروع الصهيوني او برنامج (بلتيمور نيويورك) عام 1942 الهادف الى تهويد فلسطين واقامة دولة صهيونية فيها وكذلك رفض قرار التقسيم عام 1947 من قبل القيادة الفلسطينية ذاتها .كما ان احد اسباب فشل الحركة الوطنية الفلسطينية انذاك تكمن في عجز الشيوعيين العرب واليهود عن فهم المسالة الفلسطينية والتي تتلخص بكون فلسطين تتعرض لعملية استيطان صهيوني اجنبي تحت رعاية الانتداب البريطاني .)
الشعب الفلسطيني في نظري المتواضع كان ضحية لتضافر ثلاث ظروف سلبية عرقلت تحقيق حلمه في التحرر والاستقلال :
1- الدعم الأمريكي والأوروبي السافر لاسرائيل عسكريا و استخباراتيا وسياسيا . هذا الدعم جعل اسرائيل في منائ عن العدالة الدولية وتستمر في بناء قدراتها العسكرية النووية وقمع الفلسطينيين و نهج سياسة استيطانية كبيرة في مأمن من المراقبة الدولية مما جعلها تستفرد بالقوة والتسلح بالمنطقة كما ان سيطرة اليمين الاسرائيلي والامريكي على مقاليد السلطة في اسرائيل و امريكا يقوض اي جهود لحل القضية الفلسطينية حلا عادلا منصفا وفقا قرارات الشرعية الدولية ، لذلك قال نتنياهو رئيس الحكومة الاسرائيلية في اكثر من مرة بان القوة العسكرية والتفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقةجعل اسرائيل في مامن من تهديدات الجيران . كما ان الشعارات الانتخابية المرفوعة اليوم بالولايات المتحدة الامريكية في التنافس الانتخابي بين جون باين ودونالد ترامب فيها تنافس حول من يدعم اكثر اسرائيل ، وان تكن امريكا تدعم بشكل لا مشروط اسرائيل –قامت الولايات المتحدة الامريكية باجهار حق الفيتو في مجلس الامن دعما لاسرائيل اكثر من 80 مرة - فان اوروبا اقل حماسا في الدفاع عن اسرائيل وان باختلاف بلد اوروبي عن الاخر . واتفق مع المفكر السوري جورج طرابيشي في تمييزه بين الدعم الامريكي اللامشروط لاسرائيل والدعم الاوروبي لفلسطين الذي بدأ يتذبذب لظروف تاريخية وتغييرات بشرية في الخريطة الديموغرافية الاوروبية ليس المجال الان لمناقشة ذلك :"وبمعنى من المعاني يمكن القول ان اوروبا تدلل اليوم على بداية رغبة في ان تكفر للفلسطينيين كما كفرت بالامس للاسرائيليين .فهي لا تريد ان يرهقها شعور جديد بالتبكيت ،ولا سيما انها على وشك بناء مصير أوروبي موحد بالاحالة الى منظومة بعينها من القيم الحضارية .ولكن السؤال : هل هي قادرة فعلا على التكفير ؟ فاروروبا حين قطعت وعد بلفور عام 1917 ثم اعطته صيغة تنفيذية مع قرار التقسيم عام 1947 كانت لا تزال قوة اولى في العالم .ولكنها اليوم قوة ثانية او ثالثة وارادتها غير قابلة –حتى لو توحدت- لان تكون مستقلة تمام الاتستقلال عن الادراة الامريكية)).
2- الانقسام الفلسطيني منذ البدايات الاولى للنضال الفلسطيني وتوزع ولاءات الفصائل الفلسطينية على دول عديدة وذات استراتيجيات سياسية مختلفة ومتنوعة في علاقاتها بالقضية الفلسطينية مما افقد العديد من الفصائل الفلسطينية استقلالها السياسي ،فمنها من يستغل ايرانيا والاخر يستثمر سوريا والطامة الكبرى ان النظام السوري فرض على الفلسطينيين قتال الشعب السوري اثناء انتفاضته ضد نظام بشار الاسد مما عمق من الجرح الفلسطيني واذكي الفرقة بين الفصائل الفلسطينية التي تتخذ دمشق مقرا لها فيما بعض الفصائل الاخرى ترزح تحت نير الخليجيين والمصريين .. تعدد ولاءات وارتباطات الفصائل الفلسطينية خارجيا يؤثر على قراراتها داخليا وعلى وحدة الصف الفلسطيني مما عمق من ازمة الجسم الفلسطيني المقاوم مما مهد لاختراقه من طرف الاسرائيليين والامريكان و اتجه الفلسطينيون الى المؤتمرات الدولية كمدريد 1991 و اوسلو 1993 مشردمين متنازعين متفرقين . وسهل الانقسام الفلسطيني على اسرائيل وحلفائها الانقضاض على جميع المكتسبات الجزئية المحققة في المؤتمرات الدولية واسقط اوسلو وتعطل مشروع قيام دولة فلسطينية وعادت اسرائيل الى عادتها القديمة اي القتل والدمار واستهداف الساكنة الفلسطينية وتهجير الفلسطينيين من بيوتهم ، لذلك يجب القيام ب :" مراجعة شاملة ومعمقة تتناول مختلف جوانب تجربة اوسلو ،بناء السلطة والمجتمع ،بناء الجبهة الوطنية لمواجهة الاحتلال وصوغ برنامجها الذي يتضمن الهدف والوسائل والمراحل ،الخ الى ذلك يفترض ان تكون النخب الفلسطينية قد اكتسبت معرفة افضل باسرائيل مجتمعا وقوى سياسية واجتماعية وتركيبا سكانيا الخ ، يساعد على بناء التصور الشامل لمهمات المرحلة المقبلة .)) ،ولاعادة الانسجام للذات الداخلية الفلسطينية وتجاوز واقع الشتات والتشرذم والاقتتال الداخلي احيانا لابد من دمقرطة المشهد الفلسطيني واعطاء نموذج دولة فتية قادرة على الحياة ومبشرة بحياة افضل للفلسطينيين ، لن يكون ذلك الا :" ب-
*السلطة الوطنية القائمة على الانتخابات الحرة النزيهة بمختلف تشكيلاتها المجالس البلدية، المجلس التشريعي، الحكومة، الرئيس، ضرورة حتمية –
*القضاء المستقل ،قوى الامن التي تخضع للسلطة السياسية الجهاز الاداري وهيئات الرقابة التي لا تخضع لهيمنة السلطة السياسية ضرورة حتمية
*-مؤسسات المجتمع المدني الحريات العامة سلامة التنظيم الحزبي والنقابي والاتحادات المهنية ضرورة حتمية
*–بناء الجبهة الوطنية لمقاومة الاحتلال وبرنامجها الملزم لمختلف قواها . وفي هذا المجال لا بد من تحديد الهدف ووسائل تحقيقه ،ودراسة العلاقة بالسلطة ،انواع السلاح و ظروف استخدامه .العمليات الفدائية ضد المدنيين وجدواها
* .التعامل مع المجتمع الإسرائيلي وقوى السلام فيه. اشكال مشاركة الشتات الفلسطيني بما يملك من قدرات وطاقات في الصراع .اشكال مشاركة العالم العربي –شعوبا وحكومات-في الصراع الخ
*- عدم تحميل الاقلية الفلسطينية العربية في اسرائيل اعباء سياسية ونضالية مرتجلةومتسرعة لا تنسجم مع المصلحة العليا للقضية الفلسطينية .والتزام السلطة الفلسطينية ومختلف القوى السياسية والايديولوجية في المجتمع الفلسطيني بعدم دفع ابناء هذه الاقلية الى انتحار مبكر لا جدوى منه. ))
3- استغلال الانظمة العربية المستبدة في اغلبها للقضية الفلسطينية وللصراع مع اسرائيل في توازنات داخلية واغلبها لتعطيل المسارات الديموقراطية في هذه البلدان ،لذلك نرى النظام الاسرائيلي يبني ديموقراطيةداخلية يسوقها للعالم على انها الديموقراطية الوحيدة في المنطقة فيما تستمر انظمة عربية مستبدة في ممارسة الارهاب والطغيان ضد شعوبها ، فالنظام السوري الذي يقصف يوميا من الطائرات الاسرائيلية لا يستطيع الرد او ردع الاعتداءات الاسرائيلية وبدلا من ذلك يتجه نحو قمع شعبه وفرض حالة الطوارئ ومنع كل التحركات الشعبية ومظاهر الحياة العامة ، كما ان ايران التي تدعي حماية الشعب الفلسطيني لا تتوانى في احتلال عدد من العواصم بالمنطقة واشعال النيران تحت اقدام كل مطالبي الاصلاح في لبنان وسوريا والعراق ، فالمجازر التي ارتكبتها ايران في العراق وسوريا ولبنان لا تقل بشاعة عن جرائم اسرائيل ضد الفلسطينين .
ان الاستغلال الخادع للقضية الفلسطينية من طرف انظمة ديكتاتورية في المنطقة مدعومة امريكيا اثر ذلك سلبا على الوعي الشعبي الجماهيري الذي سئم ومل من وعود حاكميه بتحرير فلسطين او على الاقل نصرة الشعب الفلسطيني والوقوف ديبلوماسيا وسياسيا الى جانب الحق الفلسطيني في المحافل الدولية واصبحت الشعوب منغمسة في قضاياها الداخلية ومنكفئة على نفسها ، واصبح الاهتمام بقضية فلسطين يتراجع يوم بعد يوم بفعل اليأس من قيام نظام دولي واقليمي متوازن يمكن ان يعيد للفلسطينين وللشعوب الاخرى المضطهدة حقوقها المشروعة .

في سبيل الختم :
واهم من سيعتقد بان معاناة الشعب الفلسطيني ستنتهي بعيدا عن موازين القوى السياسية والعسكرية التي يفرضها صراع الاطراف المتصارعة وواهم اكثر من يعتقد بان تصفية القضية الفلسطينية امر وارد و ممكن في ظل وجود شعب فلسطيني يناضل يوميا بكل الوسائل المتاحة امامه ، لكن يبقى على الشعب الفلسطيني ان يربح رهانات الوحدة الفلسطينية والدمقرطة داخليا و تحدي ايصال صوت مظلوميته الى الشعوب والقوى المؤثرة في العالم وخاصة في العالم الغربي الذي يسيطر عليه الاعلام الاسرائيلي الى حد كبير . قد يعتقد البعض مخطئا ان تطبيع بعض الدول الخليجية او حتى جميع الدول العربية والاسلامية سينهي القضية الفلسطينية وسينهي الصراع الشرق اوسطي الذي دام طويلا، الاكيد انه بنضال الشعب الفلسطيني و بعدالة قضيته وبشفافية ونزاهة مؤسساته السياسية سيبقى الشعب الفلسطيني مناضل مكافح حتى تحقيق دولته المستقلة في ظل موازين قوى لصالح قضايا تحرر الشعوب.
* كاتب وباحث مغربي مهتم بشؤون الديموقراطيةوحقوق الانسان


 

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">