كش جنرال!

كش جنرال!
أبو إكرام المغربي 11 ديسمبر 2020

لم يكن الراحل الحسن الثاني يمل من تكرار المقولة التالية: حينما يقيضك الله أمور الشعب، عليك أن تضع نفسك في مقعد ربان الطائرة. فهو لما يريد الهبوط، يبدأ التخطيط قبل مدْرج المطار  بعشرات الكيلومترات.
محمد السادس حينما جلس على العرش كان يدرك هذا الأمر تماما. كان ملف الصحراء ساخنا بين يديه، وكان يعرف أن حله لن يكون الا بالسبل الدبلوماسية.
حتى عام 2015 لم يترك العاهل المغربي أي خطاب رسمي دون أن يتوجه إلى الجزائر  داعيا إلى فتح الحدود البرية، وإطلاق بناء صرح المغرب الكبير. وكان الرد الجزائري دائما هو الصمت الرسمي، والحديث المكرر لدى مسؤوليها في التصريحات الجانبية عن أن فتح الحدود "يجب أن يكون ضمن مقاربة شمولية" للقضايا العالقة بين البلدين. وحين يُسألون عن تفاصيل هذه "القضايا العالقة" يبدأون في اللف والدوران.
كان الملك حريصا على تسجيل مواقف للتاريخ، لكي يعرف الباحثون والأجيال اللاحقة أن المغرب لم يكف عن مد يده نحو الجارة الشرقية، بينما كانت هذه الأخيرة منتشية بالفائض الهائل من أموال النفط والغاز، غير مبالية بفتح الحدود مع المملكة، وماضية في دبلوماسية "دك كل ما حرثه المغرب" على الصعيد الدولي، سواء في مساعيه لجلب الاستثمارات، أو حل مشكلة الصحراء.
سيدرك المغرب بعد هذه الفترة أن أحسن وسيلة للدفاع هي الهجوم. وهكذا سنرى في السنوات الأخيرة نهجا دبلوماسيا جديدا. قويا في لهجته، مقتحما لقلاع ظلت الجزائر تعتبرها مجالا خاصا لنفوذها، فقام الملك بجولات مطولة في إفريقيا حاملا خطاب التعاون جنوب جنوب، وشراكات "رابح-رابح". رأينا الدبلوماسية المغربية تتوغل في أمريكا اللاتينية مسقطة الاعترافات بجمهورية تندوف الواحد تلو الآخر. رأينا الدولة المغربية تزمجر في وجه الحلفاء التقليديين كفرنسا، ولاحقا إسبانيا ، حين بدأت بعض الدوائر  في المستعمرين السابقين تتحرش بالمصالح المغربية ومحاولة التدخل السافر فيها "على سبيل المثال محاولة تحريك دعوى ضد عبد اللطيف الحموشي والتطاول على المرحوم الجنرال بناني أثناء وجودهما بشكل متفرق في الأراضي الفرنسية".
ستأتي عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي ليدخل مربعا كانت الجزائر تصول فيه وتجول. لم تكن هذه الخطوات اعتباطية، بل كانت نتيجة تخطيط طويل المدى. تحمل فيه المغرب كله الكثير من الإهانات وعانى من جملة من المضايقات "تذكروا جيدا حرب الجزائر الشعواء على انشاء مصنع رونو نيسان في طنجة، وكيف صرفت حكومة الجار الشرقي مئات الملايين من الدولارات، حسب اعتراف الوزير الأول المسجون، عبدالمالك سلال، لتحطيم هذا المشروع ونقله بدل ذلك إلى الجزائر".
لم يكتف الجيران بهذا، بل تمكنوا من التغلغل في الولايات المتحدة، وجندوا بملايين البترول والغاز منظمة كنيدي لحقوق الإنسان التي استطاعت في مواقف عدة أن تؤثر على صناع القرار الأمريكي ليقتربوا من طرح الجزائر بخصوص الصحراء.
ولم يكتف عسكر الجزائر بذلك، بل حركوا كراكيزهم في مخيمات تندوف منذ عام 2014 لعرقلة حركة الشاحنات والعربات كلما اقترب موعد نظر الجمعية العامة للأمم المتحدة في مهمة بعثة المينورسو.
تذكروا كيف تعامل وزير الخارجية الجزائري السابق، عبدالقادر مساهل، مع محادثات طاولة جنيف حول الصحراء، حين قال ساخرا "جئنا هنا باش نقصّْروا". وتذكروا جيدا تصريحه المسموم عن استخدام المغرب للخطوط الملكية في وجهاتها الإفريقية لنقل المخدرات وغسيل الأموال!.
ونحن إذ ننبش في الذاكرة، لن ننسى تكرار سعيد شنقريحة بأن المغرب "بلد عدو" منذ أن كان قائدا للناحية العسكرية الثالثة بتندوف وبشار. أما الرئيس عبد المجيد تبون فقد جعل معاداة المغرب جوادا من كرطون يمتطي صهوته، ليؤكد لمن أتوا به إلى قصر المرادية بأنه على عهد بومدين وورثته باق.
 في ظل كل هذا كان المغرب منهمكا في تطبيق الدبلوماسية الرسمية والاقتصادية والروحية تحضيرا لليوم الموعود. 
اليوم الموعود حل. أمريكا التي كانت تهددنا أصبحت في صفنا، وعلمها سيرفرف خفاقا في سماء الداخلة. والدول العربية القوية والفاعلة أصبحت في صفنا. غالبية الدول الإفريقية أصبحت في صفنا أو على الأقل خرجت من صف الخصم الكلاسيكي.
طريق الاستثمار والمبادلات التجارية مع إفريقيا أصبح سالكا، وإلى أجل بعيد المدى، بعد طرد عصابة الگرگرات في رمشة عين.
كونوا على يقين من أن الجدار الدفاعي مؤمّن أكثر من أي وقت مضى، وأكثر مما يظن الخصوم. فهو مراقب برا وجوا على مدار الساعك. وأن الاتفاقية الدفاعية مع الولايات المتحدة ترعب الخصم الكلاسيكي، الذي رغم سخائه في الإنفاق العسكري الروسي، يظل منقوص الكفاءة والاستقلالية والتخطيط البعيد المدى.
الجزائر بدون رئيس حاليا، وبدون برلمان، ولم تعتمد بعد دستورها الجديد غير الشرعي، وشعبها لا زال حراكه قائما يبحث عن دولة مدنية لا عسكرية. أما خزائن الفورة النفطية فقد فرغت، لتضطر معها جماعة المرادية إما للانضباط لإملاءات صندوق النقد الدولي، أو الشروع في أكل لحمها.
سيحاولون التحريض أكثر على المغرب. سيقولون إن "المخزن خان" لما قرر استئناف الاتصالات مع إسرائيل. سيقىلون إنهم لن يقبلوا بالأمر الواقع بصحرائنا الحبيبة. وسيستفزون المغرب هنا وهناك، وربما تتهور إحدى وحداتهم العسكرية مع ميليشيات البوليساريو بمحاولة التدخل شرق الحزام الدفاعي بالصحراء . لكن كل هذا سيكون مجرد شطحات ديك ذبح نفسه بنفسه.
التاريخ يغمض الطرف في بعض الأحيان، لكنه لا ينسى. والخرائط التي صنعت بمطبخ الإليزي في زمن الجنرال شارل ديغول، ستتلاشى حتما بعد توقف عائداتها المضمونة في ملحق اتفاقيات إيفيون.
إن ينصركم الله فلا غالب لكم.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">