المغرب وموريتانيا / العلاقات التاريخية و المصيرالمشترك

المغرب وموريتانيا /  العلاقات التاريخية و المصيرالمشترك
بقلم : ذ/ الحسين بكار السباعي* 02 يناير 2021

ان المنطق الكرونولوجي يقتضي الاعتراف بأن العلاقة بين المملكة المغرب و الدولة الموريتانية الشقيقة تعرف تطورات متسارعة ، ذات منطق إيجابي ، وكل هذا يستشف مما يعبر عنه قائد البلدين ، خصوصا وأن الظروف الإقليمية و الدولية الراهنة أصبحت تفرض التنسيق و التعاون لمواجهة التحديات الاقتصادية و الاجتماعية و الاستراتيجية المشتركة . إن  الروابط المشتركة بين البلدين لا يمكن إختزالها في  المعتقد الديني و الحضارية فقط ، بل إن البعد التاريخي في هذه العلاقة يحتم تغليب منطق الفطنة و التبصر الذي يشكل محور مهم في الخطابات الرسمية لجلالة الملك .
 فالعلاقة بين المغرب وموريتانيا علاقات تاريخية، قلما نجدها في دول العالم، فتاريخيا اسم موريتانيا جاء من مملكة موريتانيا الطنجية التي تأسست تحت حكم الرومان عام 42 م في شمال المغرب، في حين نجد أن الموريتانيين أول من اطلق الاسم الأجنبي (Marruecos) على المغرب، وهو الإسم الذي نجد له ارتباطا بمراكش التي أسسها المرابطون والذي يعني الملثون بحكم قدومهم من الجنوب عام 1069م.
لا يمكن للباحث في التاريخ أن لا يقف على الدور الكبير الذي لعبته قبائل بني حسان في القرن التاسع عشر، فقد تأسست امارات حسانية وتم تداول اللهجة الحسانية، كما أن  إمارة أترارزة لجأت إلى سلطان المغرب من اجل تدعيم تواجدها في الجنوب إلى نهر السينغال.
 على المستوى الروحي، يشير  الدكتور محمذن ولد المحبوبي على دور الحركات الصوفية في التبادلات العلمية والثقافية وعلى الأخص الشاذلية -التجانية –القادرية،  كما يؤكد بشيء من التدقيق على اوجه التواصل الثقافي والعلمي بين المغرب وبلاد شنقيط، واوجه التأثير المتبادل ارتباطا بحجم تقدير الشناقطة للعلماء والأعلام في  المملكة المغربية حيث كانوا قدوة ومثلا يحتذى، نضيف ايضا حرص الشناقطة على تجشم العناء لزيارة العلماء والمزارات هناك وذكر مؤلفاتهم والطرق الصوفية والكتب المغربية المعتمدة  لدى المحظرة في شنقيط...
في علاقات القرابة نجد أن زوجة السلطان مولاي إسماعيل وجدّة السلطان سيدي محمد هي السيدة أخناثة بنت بكار المغافري الشنقيطي وهي قادمة من أرض أترارزة موريتانيا.
في الفترة الكولونيالية، تتوطد العلاقات بين المغرب وجيرانه، فبعد تدعيمه للأمير عبد القادر، العديد من الباحثين يتجاهلون الدعم المغربي للمقاومة الموريتانية، والتي لا يجحدها إلا جاحد،  فالمغرب كان  يزود المقاومة  بالمال والسلاح عن طريق المقاوم الشيخ ماء العينين، المعين بظهائر شريفة، الدعم والتقارب بين المقاومتين المغربية والموريتانية اسفرت عن تنفيذ  عملية اغتيال كبولاني (كزافيي كبولاني،  Xavier Coppolaniأول حاكم فرنسي لموريتانيا. الذي قتل علي يد المقاوم سيدي ولد مولاي الزين يوم 12 مايو 1905 في معركة تيجكجة وسط موريتانيا. ايضا استشهاد الأمير سيدي أحمد ولد أحمد عيده الذي استشهد في طريق هجرته إلي المغرب سنة 1932م وقد استقبل المغرب عائلته وأولاده وأكرم وفادتهم على عادته.
سعى المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه إلى تجاوز الخلافات السياسية بين المغرب والشقيقة موريتانيا في وجه الحرب التي فرضتها عليها الجزائر وقدم الدعم الكامل، وفي هذا الصدد نجد أن القوات المغربية انتشرت في الأراضي الموريتانية من أجل دعمها ضد هجمات  البوليزاريو المدعومة للأسف من الشقيقة الشمالية الشرقية.
في كلام للرئيس الراحل المختار ولد داده حول الراحل الحسن الثاني يقول أنه بالرغم من خلافاتنا حول بعض القضايا، فقد كان سلوكه تجاهي لائقا تماما، وهو سلوك يتسم بالاعتبار والتقدير بل والاحترام لا سيما بعد بدء الحرب. فلم يحاول قط أن يستغل موقف قوته أو أن يظهر بمظهر متغطرس من شأنه أن يهيننا خلال هذه المرحلة التى واجهناها معا. وبكلمة واحدة كان حليفا وفيا يحترم التزاماته، كما يحترم شريكه الأضعف منه. إنه سلوك حري بالثناء والتقدير.
متم الإنقلاب العسكري صيف سنة 1978م في موريتانيا، طلب من القوات المغربية الإنسحاب فأستجابت للأمر، في الوقت الذي كان ممكنا أن يتدخل ويعيد الرئيس الحليف له إلي الحكم، فالقوات المغربية كانت على الأرض، والجيش الموريتاني في اضعف حالاته نتيجة هجمات القوات الجزائرية، هنا نشير أن الرئيس السابق محمد خونا قد أقر في مذكراته ان الجيش الجزائري هو من قضى على الحامية الموجودة في عين بن تيلي.
في مرحلة حكم  ولد هيدالة وانقطاع العلاقات الديبلوماسية سنة 1982م لم يتوقف المغرب عن استقبال الطلاب الموريتانيين وكان موقفه مشرفا ففصل بين موقف الحكومة الشاذ وموقف الشعب.
وحتى لا نطيل، فالعلاقات اليوم المتأرجحة بين الشذ والجذب لابد لها من ان تستحضر عمق العلاقات والتكامل بين الثقافة المغربية والموريتانية، عبر بوابة الصحراء، فبدل أن يكون التعاون تجسيدا لعمق العلاقات بمنطق رابح رابح، فإننا نجد بعض القوى الإقليمية تسعى جاهدة إلى تعكير صفو تلك العلاقات لأنها تعلم جيدا أن تعاونهما يجعل من الدولتين كتلة إقليمية لا يستهان بها في المنطقة من خلال التكامل الإقتصادي والثقافي والروحي بين المغرب و موريتانيا.
لقد ظل المغرب على الدوام حريصا على تعزيز انتقتاحه على عمقه الافريقي وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية منذ ان أقدمت الجزائر على تصعيد عدائيتها للمغرب وغلق الحدود الشرقية معه بيد ان هذا الانفتاح على الدول الإفريقية  رافقه رافقته حالة اللااستقرار مع الحارة موريتانيا خلال حقب متعددة .
ان رؤية المغرب للعلاقات مع دول افريقيا وموريتانيا تحديدا تنبع من ايمانه بالاندماج في علاقة رابح رابح خاصة وان مؤشرات الاقتصاد تتأرجح لهذه الدول بين مستويات غير مشجعة ترهن مقومات واشكالات التنمية ويصبو الى انتعاش الاستثمار وتحريك عجلة المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية التي تهم صلب قضايا الفقر والامية والهشاشة والفوارق الاجتماعية.
لا غرو ان الملف السياسي يشكل اليوم نقطة جذب للفاعلين السياسيين للمغرب ونظرائهم في العمق الافريقي والمحيط الاقليمي والدولي الذي يشهد تحديات مرتبطة بأمننة المحيط والجوار في ظل الوضع القائم حول مغربية الصحراء بحيث تضاعفت مجهودات المغرب في محاربة الارهاب ومواجهة الجماعة المسلحة وعصابات التهريب خاصة في المنطقة العازلة باتت مجالا خصبا لهذه العمليات التي انبرى لها المغرب من خلال جملة تحذيرات عبرت عنها الرباط للامم المتحدة اتخذتها في النهاية ميلشيات البوليساريو مرتعا للعمليات الارهابية والاتجار بالمساعدات الاناسنية المقدمة للاجئين بتندوف على التراب الجزائري، وحين نادى المغرب بتدخل الامم المتحدة لوقف العبث في منطقة الجدار العازل كان الرؤية المتبصرة تشهد اليوم على ما تنبأت به ويقع اليوم حين أقدمت ميشليات البوليساريو على حشذ عشرات المدنيين وتجييشهم من اجل خلق البلبلة والاستفزاز للحركة الطبيعية للاشحاص والبضائع من دول افريقيا واوروبا والمغرب. ان الوضع الراهن اضطر معه المغرب الى تحمل مسؤوليته تجاه مصالح شعبه وجيرانه خاصة موريتانيا التي عاشت ازمة اقتصادية خانقة نتيجة قطع الطريق لاسابيع قليلة، تدخل شجاع ومسؤول حافظ من خلاله المغرب على اتفاق وقف اطلاق النار الموقع 1991 ولأن الشرعية طبعت تحركات المغرب فليس غريبا ان يشهد هذا الزخم الهائل من الدعم العربي والافريقي والاوروبي اجماع شكل صدمة للبوليساريو وداعمتها الجزائر التي باتت معزولة دوليا امام تراجع الالة الدعائية الوهمية للبوليساريو والتحريض المقيت والعدواني  للجزائر على جارتها المغرب. 
ان الناظر للتاريخ ليجد ان ما يجمع المملكة المغربية والشقيقة مورتانيا أكثر مما يفرقهما جذور ضاربة في عمق التاريخ و روابط تاريخية وثقافية متينة من شأن استغلالها وتوظيفها أن يسهم في تحقيق التقارب وتسريع الاندماج في ما بينهما كما يمثل البلدان امتدادا إنسانيا واجتماعيا ومجالا حيويا لبعضهما البعض.
لقد عاشت الجارة الجنوبية تجربة قاسية تضررت منها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا جراء الحرب المستعرة مع جبهة البوليساريو ولولا وقوف المغرب الذي كان دوما سندا واشقيقا حقيقيا للاشقاء الموريتانيين هي وشائج قربى وأواصر لا حصر لها تربط الشعبين الشقيقين وتاريخ وإرث ثقافي مشترك حافل يمتد منذ هجرات القبائل من اليمن في زمن بعيد  في المجال الصحراوي والتي توحدت تحت حكم  دولة المرابطين اضف الى ذلك عناصر الهوية المشتركة والإرث الثقافي الذي يجمعهما على رأسه الثقافة الحسانية التي باتت تحظى بإقرار حفظها وصيانتها دستوريا في كلا البلدين بالإضافة إلى أصول القبائل والأسر المشتركة والامتدادات المجتمعية في المناطق الحدودية.
ان القواسم المشتركة بين المغرب وموريتانيا تطبعها قومات ثقافية تاريخية واجتماعية من شأن توظيفها سياسيا ودبلوماسيا أن يؤسس لعلاقة قوية بين البلدين ستعزز من فرص البناء الاقتصادي البلدين وتحقيق التنمية في كلا البلدين عبر تحقيق تكامل ثنائي واستثمار مشترك للعناصر المادية والمعنوية التي تميز كل بلد على حدى.
إن مضي المغرب و موريتانيا قدما نحو تعزيز علاقاتهما على مختلف الواجهات سيسمح لتشجيع الإستثمار ، و إرساء شراكة مثينة وواعدة بين الجانبين ، سواء على المستوى الإقليمي و الدولي  .
و نافل القول إن ارساء التعاون و الشراكة بين البلدين له أهمية إستراتيجية كبرى ، بالنظر إلى ما يسفر عنه ذلك من مكاسب مهمة للجانبين ، تدعم تحقيق اقلاع تنموي داخل العمق الإفريقي ، بصورة تضيق الخناق على الوهم المحتجز بتندوف ، لكن ما نراه في الختام أن الأمر يحتاج الى انخراط عدد من الفعاليات المجتمعية ، لأنه يمكن المجتمع المدني أن يساهم بشكل كبير في توفير المناخ الإيجابي لكسب هذا الرهان ، من خلال تشبيك العلاقات بين قنواته داخل البلدين ، و تعزيز التواصل بين الشعبين . كما لا تخفى الأهمية التي يمكن أن يستأثر بها الإعلام على مستوى الانخراط البناء في تعزيز هذا التقارب ، و التحسيس بأهمية التعاون و التنسيق بين البلدي في مختلف المجالات ، و نفس الأمر ينطبق على الأحزاب السياسية التي يمكن أن تستحضر هذا الرهان ضمن مراعاتها و أولوياتها .
*محام وباحث في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">