ستون سنة على زلزال أكادير

ستون سنة على زلزال أكادير
د.المهدي شبو 28 فبراير 2020

 تحل  ليلة التاسع والعشرين من شهر فبراير الذكرى الستين لفاجعة زلزال أكادير الذي أتى على أغلب البنايات وخلف الآلاف من الضحايا والإصابات بين ساكنيها، ناهيك عن الخسائر المادية الجسيمة والتي حولت المدينة إلى حاضرة منكوبة.

ليلة 29 فبراير 1960، بينما كانت الساكنة المسلمة لأكادير تترقب سحور اليوم الثالث من رمضان، كانت الساكنتان اليهودية والأوربية تستريحان من عناء يوم حار ومشمش، من جانبهم أوى السُيّاح الأجانب الذين توزعوا على 18 وحدة فندقية - كانت كل البنية السياحية للمدينة – إلى غرفهم استعدادا للاستمتاع بيوم جديد على الرمال الذهبية في جو ربيعي اعتاد أن يُبكر على أكادير دون غيرها، قلة فقط كانت ساهرة خارج بيوتها إما مُسامرة في المقاهي تلعب الورق أو داخل صالات السينما المظلمة التي كانت حينها وسيلة الترفيه المتاحة.

قبيل منتصف الليل ببضع دقائق حلت الكارثة التي سمع دويها في جميع أرجاء المدينة، تداعت البنايات واستحالت أكواما ثم تصاعد غبار كثيف حجب الرؤيا، لم يكن يقطع سكون الليل سوى الأنين والصراخ الذي ينبعث بين الأنقاض.

في صبيحة اليوم الموالي استيقظ المغرب والعالم على نبأ الزلزال الذي دك حاضرة سوس الجميلة في واقعة شكلت بلا مراء أكبر كارثة طبيعية حلت بالمغرب في تاريخه الحديث.

ميامي الشمال الإفريقي التي حيرت الألباب:

يقال إن أكادير كادت أن تشعل شرارة الحرب العالمية الأولى ثلاث سنوات قبل اندلاعها، ففي فاتح يوليوز 1911 بعثت ألمانيا بارجتها الحربية بانتير إلى شواطئ المدينة مهددة بقصفها إن لم تنسحب فرنسا من المغرب، كادت أزمة عالمية أن تندلع لولا أن فرنسا استرضت ألمانيا بالكونغو.

تحكي الوثائق السرية الاسبانية، أن هتلر قايض فرانكو خلال الحرب العالمية الثانية على الدخول في الحرب إلى جانب ألمانيا، مقابل التخلي لها عن كامل منطقة نفوذ فرنسا المهزومة بالمغرب باستثناء مدينتين رأى هتلر أن تبقيا ترصعان تاج الرايخ الثالث هما موكادور وأكادير.

كان الفرنسيون أول من ثمن وجهة أكادير، فأسموها "ميامي شمال إفريقيا " تيمنا بأيقونة شواطئ فلوريدا على الضفة الغربية المقابلة من المحيط الأطلسي.

حبا الله أكادير بموقع استراتيجي هام، فهي تقع في خليج بحري، وتتمتع بمناخ شبه جاف يتميز بالاعتدال طوال العام بمعدل حرارة سنوية تقارب 18 درجة مئوية، ما يجعل مناخها مثاليا بدفئه شتاء واعتداله صيفا مع ميزة انخفاض الرطوبة وضعف قوة الريح.

يظل جو أكادير مشمسا طوال 300 يوم في السنة، ما يتيح إلى جانب المناخ المعتدل الاستمتاع بشاطئ يمتد على أكثر من أربع كيلومترات من الرمال الذهبية الناعمة المسيجة في جزء منها بغابة من أشجار الأوكالبتوس والصنوبر والطرفاء، ميزة أهلته ليصنف كثاني أجمل شاطئ رملي في العالم بعد شاطئ كوباكابانا بريو دي جانيرو في البرازيل.

بعد الحرب العالمية الثانية، نمت أكادير بشكل متسارع نتيجة الجذب السياحي، ولكن كذلك بفضل غنى شواطئها بالخيرات البحرية، فكان مينائها يرتب كثاني أنشط ميناء لصيد السردين في العالم؛ عامل ساهم في انتشار معامل التعليب التي تناسلت كالفطر لتشكل نواة صناعة تحويلية، تعززت أيضا بتعليب عصائر الفواكه التي كانت تستفيد من جودة الحوامض التي توفرها الضيعات المنتشرة على بعد 44 كيلومتر شرق المدينة.

في عقد الخمسينات بلغت أكادير أوج التمدن متأثرة بتنوعها الديمغرافي والثقافي، كان بها مضمار لسباق السيارات، وتُقام بها بطولة للتنس وسباق للدراجات، وكانت تعيش أياما حافلة كلها أعياد وأفراح، كانت تحتضن عيد البحر بأنشطته ومسابقاته المائية، وعيد السردين الذي يختم موسم الصيد بتنظيم من أرباب مصانع التعليب، وكذلك أعياد البرتقال التي أقيمت قبل سنتين من الزلزال بحضور الأمير مولاي الحسن، وعرفت إقامة كرنفال ومسابقة لاختيار ملكة جمال البرتقال.

تعيش بأكادير في تاريخ الحدث ساكنة أغلبيتهم مسلمون، يليهم المسيحيون ممن تبقوا من الأوربيين بعد الاستقلال، ثم المواطنون اليهود، يعيش الكل في وئام جعل أكادير إحدى الأماكن في العالم التي تجسد فيها التعايش السلمي بين الديانات السماوية الثلاث بشكل عز نظيره في أي مكان آخر.

نتيجة الجدب السياحي للمحطة البحرية وميناء الصيد النشيط، تضاعفت ساكنة أكادير بسرعة مهولة، لتصل حسب أول إحصاء رسمي للسكان والسكنى إلى 37744 نسمة، إلا أن التقديرات تتحدث عن رقم قارب 45000 نسمة بتاريخ الكارثة.

سيسمولوجيا زلزال أكادير:

تقع مدينة أكادير في منطقة ذات نشاط زلزالي مرتفع بحكم وقوعها تحث تأثير الحزام الزلزالي الألبي الذي يمتد من صخرة جبل طارق غربا إلى غاية إندونيسيا شرقا.

قبل هزة أكادير المدمرة وخلال القرن العشرين وحده، عرف الحزام الزلزالي الألبي أكثر من عشر زلازل مدمرة همت دول البرتغال؛ الجزائر؛ إيطاليا؛ اليونان؛ تركيا وإيران ثم أفغانستان.

تؤكد الدراسات الجيولوجية وقوع منطقة أكادير في أحد المحاور الزلزالية الرئيسية بالمغرب، والتي تمتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي (من أكادير في اتجاه وجدة).

لا تذكر المصادر التاريخية تعرض المدينة لزلازل مدمرة، اللهم ما سجلته مصادر غير قاطعة من تعرضها لزلزال مدمر في العام 1731.

استشعرت ساكنة أكادير قبل الهزة المدمرة، هزتين تحذيريتين، وقعت الأولى يوم 23 فبراير 1960 على الساعة 12.16، والثانية يوم 29 فبراير 1960 على الساعة 11.45 صباحا، وفيما كانت الهزة الأولى خفيفة لم يشعر بها بالكاد أحد، كانت الهزة الثانية معتبرة حركت بعض الأثاث من أمكنتها وأسقطت بعض الأشياء.

لم يكن المغاربة يعون جيدا ما يجري بمدينتهم، لكن بعض الأجانب ممن عايشوا تجارب زلزالية في اليونان وإيطاليا والجزائر أصيبوا بالهلع، وإلى اليوم توقظ كل هزة جديدة تقع بأكادير الأوجاع في الناجين، فيتوقعون حدوث الأسوأ، بل إن كثيرين منهم كانوا يبيتون خارج بيوتهم كما حدث في هزات بدايات الثمانينات حين تحول شاطئ البحر إلى مخيم مفتوح.

وقعت الهزة المدمرة بالضبط على الساعة 23.41.14 من ليلة 29 فبراير 1960 الموافق 02 رمضان 1379، واستغرقت ما بين 12 إلى 14 ثانية، تداعت البنايات على ساكنتها واستحالت أكواما من الأنقاض وتصاعد غبار كثيف حجب الرؤيا، انقطع التيار الكهربائي وتعطلت إمدادات الماء الشروب، كما انقطعت خطوط الهاتف ما جعل المدينة تفقد أي اتصال بالعالم الخارجي.

سجلت أغلب محطات الرصد العالمية الهزة التي قدرت قوتها ب 5.75 على سلم ريتشر، قوة جعلت زلزال أكادير يصنف ضمن الزلازل المعتدلة المفروض أن لا تخلف عادة خسائر جسيمة في الأرواح والممتلكات، إلا أن العكس هو الذي حدث بدمار وضع زلزال أكادير في خانة أشرس الزلازل التي شهدها القرن العشرين.

يرجع اختلال التناسب بين قوة الزلزال وخسائره إلى أربعة عوامل رئيسية هي:

أولا: وقوع مركز الزلزال في المنطقة المأهولة من المدينة، حينها لم يكن بأكادير مركز لقياس قوة الزلازل، وأقرب محطة تبعد بأكثر من 350 كيلومتر، مما تعذر معه التحديد الدقيق لمركز الزلزال، إلا أن الجيولوجيين وعلماء الزلازل الذين وقفوا بعين المكان، أجمعوا على تحديد مركز الزلزال في المنطقة التي شهدت دمارا شبه تام وامتدت من قصبة أكادير أوفلا مرورا بحي الصيادين بفونتي ثم حي تالبرجت النابض بالحركة وانتهاء بحي إحشاش الشعبي، واستطاع جون بيير روطي أحد أبرز متخصصي علم الزلازل أن يحدد بدقة قلب مركز الزلزال في كيلومتر شمال مدشر إحشاش، ومما يعزز هذا التغليب من الخبراء قرب المركز من البحر، ففد أحس أطقم السفن التي كانت قريبة على بُعد أميال قليلة من أكادير، برجات كأنما صدمت سفنهم أجساما صلبة.

ثانيا: تفسر جسامة الخسائر أيضا بضعف عمق بؤرة الزلزال التي أجمعت كل الدراسات التي أجريت بعين المكان أنها في حدود كيلومترين إلى ثلاث كيلومترات من قشرة الأرض، والمعلوم أنه كلما كانت بؤرة الهزة على عمق قليل كلما تسببت في أضرار هائلة على السطح سواء من حيث الأرواح والممتلكات.

ثالثا: البنية الجيولوجية للمنطقة؛ حيث تقع أكادير في نقطة اتصال جيولوجي بين سلسلة الأطلس الكبير وسهل سوس، وتتميز تربتها بأنها رخوة وتتعرض للهشاشة بفعل تآكل الصخور وذوبانها، وعادة ما تكون المنشآت المبنية على التربة الطرية الرخوة أكثر تأثرا بقوة الزلازل من تلك المبنية على تلال صخرية بثلاثة أضعاف.

رابعا: طبيعة البناء وتركيبة المواد المستعملة فيه، فإذا أخدنا بعين الاعتبار تشييد مدينة أكادير في منطقة تعرف نشاطا زلزاليا مرتفعا، فقد كان من المفروض اعتماد بناء مقاوم للزلازل، ويستدل المتخصصون بأن المناطق التي غابت فيها معايير البناء المقاوم للزلازل هي التي عرفت دمارا شبه تام، فيما أظهر بناء المدينة الجديدة التي شيدها الفرنسيون في العام 1947 مقاومة أكبر للزلزال بفضل اعتمادها بعض معايير مقاومة الزلازل حتى عن غير وعي من البناة.

تواترت عدة شهادات لعيان شهد أصحابها بأنهم شاهدوا ما يشبه كرة نار تخرج من عرض البحر لتنطفئ فوق القصبة؛ ظاهرة لم يجد لها المتخصصون تفسيرا علميا خصوصا أن مركز الزلزال لم يكن في عرض البحر ولم يصاحب بظواهر قد تدلل عليه من قبيل وقوع مد بحري مصحوب بأمواج عاتية أو نفوق الأسماك على الشاطئ، لذا ذهبت أغلب التفسيرات إلى إرجاع الظاهرة إلى التماسات الكهربائية التي أعقبت الهزة أو إلى ما قد يكون ظهر جراء حريق وقع في محل لبيع العقاقير بالمدينة الجديدة.

من جانب أخر لم تظهر أية عناصر تنبئ بتولد الزلزال عن نشاط بركاني، لتبقى هزة أكادير زلزالا تكوتنيا كلاسيكيا.

أدت الهزة المدمرة إلى دمار كبير أتى على ثلاثة أرباع المدينة، وتظهر النسب التقريبية معدل الدمار حسب أحياء المدينة: القصبة 100 % ؛ إحشاش 100 %؛ فونتي 100 % ؛ تالبرجت 90 % ؛ الحي الإداري 70 %؛ واجهة البحر60 %؛ المدينة الجديدة 50 إلى 60 %؛ الحي الصناعي 20 إلى 30 %؛ أنزا من 00 إلى 10 %، كما تعرضت عشر دواوير في الأحواز الجبلية الشمالية للمدينة لتدمير كبير خلف ما يقارب 300 قتيل.

الإنقاذ عملية لا تقل جسامة عن الزلزال ذاته

لا يتسع هذا الحيز لسرد حكايات الزلزال بفواجعها ومعجزاتها، فقد حبلت بها كتب الشهادات التي صدرت عن الفاجعة، وهي في الأخير مجرد تجارب إنسانية خاصة بأصحابها، إلا أن أبرز دروس الكارثة تبقى عملية الإنقاذ التي كانت صعبة ومريرة، لدرجة دفعت بعضا ممن عايشوها إلى تقديم مقترح للجمعية العامة للأمم المتحدة لإحداث منظمة دولية للإنقاذ من آفات الكوارث الطبيعية حتى لا تكرر مأساة أكادير.

في الدقائق القليلة اللاحقة للهزة، لم تستطع السلطات المحلية لأكادير، أن تبدي أي رد فعل سريع، فالخطوط الهاتفية كانت مقطوعة، عامل الإقليم محمد البوعمراني كان معزولا بإقامته مفجوعا بالضحايا في صفوف عائلته، أصيبت الثكنة العسكرية بفونتي بالدمار لتشل قدرات القوات المسلحة الملكية كما شلت قدرات الدرك الملكي، أما رجال الشرطة فقد كان أغلبهم في بيوتهم وقت الفاجعة يصارعون الأنقاض.

على بعد سبع كيلومترات من موقع الزلزال، وفي جنوب بنسركاو، تقع قاعدة عسكرية فرنسية مختلطة تضم قوات للبحرية وأخرى للطيران، كانت من آخر القواعد الفرنسية التي بقيت بالمغرب، وكأن قدرها أن تبقى لتقدم المساعدة والدعم لضحايا أكادير.

يجمع الكل على أن القاعدة البحر- جوية الفرنسية ببنسركاو أدت دورا بطوليا في عمليات الاتقاد خلال اللحظات الأولى للفاجعة وخلال الأيام اللاحقة، استُشعرت الهزة المدمرة بهذه القاعدة أيضا، وبعدما تبين بأن الأضرار التي لحقت بها طفيفة، استطاعت القاعدة أن تعيد تشغيل الكهرباء عبر مولداتها الاحتياطية، وخلال دقائق كان شاحناتها تقف على الأنقاض لتقدم المساعدة للمنكوبين، أمر قائد القاعدة توريت بتجهيز حظائر الطائرات لاستقبال الناجين، وبتشغيل الأفران لإعداد الطعام، واستنفر الأطباء والممرضين لاستقبال أولى موجات الجرحى والمعطوبين، ونسق مع عامل الإقليم في خلق دوريات من البحارة مساعدين بمن تبقى من عناصر الشرطة المغربية وذلك للسهر على الأمن ووقف أعمال النهب التي انطلقت في جنح الظلام، وفي مستوصف القاعدة قدمت أولى الإسعافات الأولية للضحايا، كما كانت آبار القاعدة المصدر الرئيسي للماء الصالح للشرب خلال الأيام الأولى من الفاجعة.

بعد ثلاث ساعات، انطلقت أولى طلائع الإنقاذ من مدن الدار البيضاء والرباط والصويرة وآسفي وتارودانت.

تعرض المستشفى الرئيسي محمد الخامس (ليوطي سابقا) لأضرار بليغة جعلته غير مؤهل لاستقبال الجرحى الذين ظلت إعدادهم في تزايد مستمر، ما فرض نقلهم إلى مستشفى تارودانت، لكن وأمام محدودية طاقته أصبحوا يوجهون جوا لمستشفيات مراكش ومكناس والرباط وخصوصا الدار البيضاء التي كان لمستشفاها ابن رشد النصيب الأكبر من الجرحى والمعطوبين.

صبيحة اليوم الموالي، حل الملك محمد الخامس بأكادير بمعية صاحبة السمو الملكي الأميرة للاعائشة رئيسة التعاون الوطني وعبد الله إبراهيم رئيس مجلس الوزراء، وفي عين المكان سيذهل العاهل المعروف برقته وحسه الإنساني بحجم الدمار الذي أصاب المدينة، وفي مساء ذات اليوم سيعلن من الرباط تكليف الأميرة للا عائشة بالسهر على جمع التبرعات وإسعاف المنكوبين؛ وتكليف ولي العهد الأمير مولاي الحسن قائد أركان القوات المسلحة الملكية بقيادة عمليات الإنقاذ.

أقام الأمير مولاي الحسن معسكره في حدائق رياض القائد الكسيمي بمدينة إنزكان على بعد 12 كيلومتر من موقع الزلزال، وأنشأ فريق عمل ضم بالخصوص الكولونيل محمد أوفقير عضو الديوان العسكري للملك؛ والكولونيل إدريس بنعمر المعين منسقا لجهود الإنقاذ؛ والدكتور محمد بنهيمة الكاتب العام لوزارة الصحة الذي أسندت إليه مهمة تنسيق عمليات الإسعاف الطبي؛ وبول كلو كبير مهندسي المندوبية الجهوية للأشغال العمومية مكلفا بتوجيه عمليات الإنقاذ، كما ضم الفريق تقنيين فرنسيين آخرين أبرزهم الدكتور سانتوتشي الخبير في علم الأوبئة.

اتسمت عمليات الإنقاذ في يومها الأول بالبطء؛ فماذا يمكن أن تنفع المطارق والمعاول في أطنان من الأنقاض متنوعة التكوين متباينة الصلابة ؟ أعطيت الأوامر لشركات الأشغال الكبرى بالمناطق القريبة لتوجيه جرافاتها وآلياتها الثقيلة إلى أكادير، ومن الدار البيضاء وجهت آليات الردم والحفر التي شحنت برا، لكن النقص ظل حادا في رافعات الأنقاض الحيوية في مثل هذه المواقف.

ضمت فرق الإنقاذ ما يربو على عشرة ألاف عنصر، أغلبهم من القوات العمومية المغربية وفي مقدمتها القوات المسلحة الملكية، يضاف إليها 1500 عنصر من جنود القاعدة العسكرية الفرنسية، والبحارة الهولنديين الذين كانوا في عرض البحر أو بالميناء وقت الكارثة، وأصدرت القيادة الأمريكية أوامرها لأفراد قواتها الجوية المتواجدين بقواعدها ب بنجرير والنواصر وبنسليمان للتوجه لأكادير للمساهمة في عمليات الإنقاذ، وفي اليوم التالي التحقت فرق من إسبانيا، وكانت هنالك مساهمة أقل لإيطاليا، بجانب مساهمة معتبرة لألمانيا الاتحادية بالمعدات والمواد الطبية، وتجند كثير من المدنيين للتطوع في عمليات الإنقاذ مدفوعين بالحس التضامني أو بالبحث عن قريب أو عزيز تحث الأنقاض.

في اليوم التالي أعطت وزارة البحرية الفرنسية أوامرها لقطعها القريبة بالمحيط الأطلسي للتوجه إلى أكادير للمشاركة في عمليات الإنقاذ، فتحرك الطراد كولبير وحاملات الطائرات لافييت من لا سابلماس، وكان لهما دور مشهود في عمليات الإنقاذ وإجلاء المصابين وساهما في تخفيف حجم الخسائر البشرية.

واصلت فرق الإنقاذ ليلها بنهارها، مشتغلة تحث أنوار المصابيح اليدوية وأضواء السيارات في صراع مرير ضد الساعة، فكلما مر الوقت، كلما تضاءل أمل العثور على ناجين تحث الأنقاض.

لال يوم الفاجعة والأيام التي أعقبتها، خيمت على أكادير حرارة مفرطة، تراوحت ما بين 30 و41 درجة مئوية في الظل في طقس مألوف في مثل هذه الكوارث يعرف بطقس الزلزال؛ مما عجل بمسلسل تحلل الجثث، وفي يوم الثالث الأربعاء 2 مارس عمت روائح كريهة أجواء المدينة، مما أندر بتفشي الأوبئة، وكان الخبراء بعين المكان يخشون من انتقال العدوى بعدة وسائط منها الذباب والفئران التي تعبث بالجثث، وبنات آوى التي كانت تدخل المدينة بالليل من القرى والغابات المجاورة مجتذبة برائحة الجثث، كانت احتمالات الكوليرا والطاعون ضعيفة لعدم تسجيل سوابق بالمدينة قبل الزلزال، إلا أن خبراء الأوبئة كانوا يخشون انتشار وبائين خطيرين هما؛ التيفوئيد ثم خاصة التيفوس الوبائي.

في غضون ذلك، كان جزء من الساكنة تدخل مناطق الأنقاض وتخرج منها؛ إما للبحث عن مفقودين أو محاصرين تحث الأنقاض، أو لاستعادة بعض الأغراض الشخصية، وبين الفئتين كان يندس لصوص الأنقاض الذين يتظاهرون بالتطوع للمساعدة في الاتقاد متحينين الفرص لنهب أغراض الموتى، كان تواجد هؤلاء المدنيين يعيق عمل فرق الإنقاذ، ولهذا السبب ولاحتمالات التعرض للأوبئة، أصدر الأمير مولاي الحسن أوامره بإجلاء جميع السكان، وضرب طوق حول المدينة قوامه 3500 جندي كانوا يمنعون ولوج المدينة إلا لعناصر الإنقاذ ومهنيي الصحة وأفراد القوات العمومية.

في البداية، تشكلت مخيمات عشوائية في الحدائق والأراضي العارية، إلا أن المنكوبين الذي بلغ مجموعهم أكثر من عشرين ألفا وطنوا في مخيمات منظمة تحث إشراف القوات العمومية والإدارة الترابية والهلال الأحمر المغربي، وتركزت هذه المخيمات في مناطق أنزا وأيت ملول وأمسرنات أما أبعدها فكان على بعد 25 كيلومتر من المدينة.

خلفت الفاجعة موجة تعاطف عالمية واسعة، مكنت من توفير كل ما يلزم لإسعاف المنكوبين من أموال ومواد غذائية وأغطية وأدوية ومعدات طبية، كما حل بالمغرب مئات الأطباء المدنيين والعسكريين للمساهمة في عمليات التطبيب، وسجل الإعلام الرسمي وصول مساعدات من فرنسا واسبانيا وإيطاليا والاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الاتحادية والنرويج و الدنمارك والصين وتركيا والجمهورية العربية المتحدة والعراق ولبنان وإيران وبلجيكا وهولندا وغينيا وتونس وأثيوبيا والسعودية ودولة الكويت وغيرها، واستطاعت المحطة الإذاعية البلجيكية الرسمية أن تسجل أكبر لفتة إنسانية من خلال برنامج إذاعي عبر خلاله 7000 متصل عن استعدادهم لاستضافة أطفال من أكادير لمدد متفاوتة، وعبرت 350 أسرة بلجيكية عن استعدادها لتبني أطفال من يتامى الزلزال بشكل نهائي.

مع مرور الوقت، أصبح التوجس كبيرا حول سلامة رجال الإنقاذ، في يوم الخميس 03 مارس، وعقب ندوة صحفية عقدها الأمير مولاي الحسن، تقرر اللجوء إلى الجرافات لتسريع عمليات استخراج الجثث التي تتحلل تحث الأنقاض.

قُسمت المدينة إلى قسمين، قسم لم يعد فيه أمل للوصول إلى أحياء، وقسم آخر كتالبرجت والحي الإداري والمدينة الجديدة لا تزال تسمع فيه استغاثات، فوجب توخي الحذر في التعامل مع الأنقاض حتى لا يصاب الأحياء.

منذ اليوم الأول طرحت معضلة دفن الموتى، وتأخرت أكثر من اللازم، نتيجة بطء عملية التعرف على الموتى واستصدار شواهد الوفاة، التي كان ينجزها ضباط الحالة المدنية المغاربة والموظفون القنصليون الأجانب بالنسبة لمواطنيهم، مما أدى إلى تحلل الجثث سيما مع ارتفاع درجات الحرارة، ونتيجة تزايد أعداد الموتى، لم يكن هنالك بد من اللجوء إلى الدفن في قبور جماعية تغلق بإحكام وترش بمادة كلوريد الجير اتقاء للأوبئة.

من الصعب جدا إعطاء الأرقام الحقيقية أو التقريبية لعدد الضحايا، تتحدث كل المصادر عن رقم تقريبي في حدود 15000 منهم ما يربو على 2000 أجنبي، لكن البعض يذهب إلى تحديدهم في 20000 وربما أكثر، والسبب أن كثير من الأسر قامت بدفن موتاها دون التصريح بهم، كما قام مجموعة من الأهالي بنقل موتاهم إلى مواطنهم الأصلية في القرى المجاورة قصد دفنهم هنالك، وطمرت أعداد كبيرة من الموتى تحث الأنقاض أغلبهم من مجهولي الهوية دون أن يتم إحصاؤهم أو حتى التصريح بفقدهم.

يوم الجمعة 04 مارس، سيتخذ بأوامر ملكية قرار وقف عمليات البحث نتيجة تضاؤل فرص العثور على أحياء تحث الأنقاض، وكان هذا القرار محكوما بالرغبة في الحفاظ على أرواح رجال الإنقاذ الذين عملوا طيلة اليومين الماضيين بكمامات في ظل انتشار الروائح الكريهة الناتجة عن تحلل الجثث، غير أنه وحتى لا يقطع أمل الناجين في العثور على دويهم المحاصرين تحث الأنقاض، أعلن أن الإنقاذ سيتواصل في البنايات التي يوجد أمل بالعثور فيها على أحياء.

ع إعلان توقف عمليات الإنقاذ، سرت أخبار حملتها قصاصة إخبارية لوكالة يونايتد بريس مفادها أن الحكومة المغربية طلبت من نظيرتها الأمريكية كمية من قنابل النابلم لقصف المدينة وإحراق الجثث تحث الأنقاض وهو الحل الجدري لوقف أي احتمال لانتشار الأوبئة في مثل هذه الحالات، إلا أن الحكومة نفت هذه الأخبار مذكرة بحرمة الموتى في الديانات السماوية الثلاث، لكن عمليات تطهير الأنقاض باتت ضرورية منعا لكارثة صحية وبيئية، لذلك وقع رش الأنقاض بمئات الأطنان من كلوريد الجير، وقامت شاحنات ظلت تجوب المدينة لأيام بنفث مبيد الحشرات الفتاك المعروف ب " ثنائي وثلاثي كلورو الإيثان" عبر خراطيم لتعقيم الأنقاض والقضاء على عوامل الأوبئة بعد أن وضعت المدينة تحث الحجر الصحي لمدة أربعين يوما.

يوم الأحد 06 مارس، سيحل الملك محمد الخامس مجددا بأكادير مصحوبا بأعضاء السلك الدبلوماسي المعتمد بالرباط، حيث سيقف على آخر المواقع التي لا تزال تعمل فيها فرق رفع الأنقاض، كما سيزور مخيمات منكوبي الزلزال، وأمام ممثلي أعضاء السلك الدبلوماسي والصحافة الدولية، سيعلن للعالم عزم المغرب على إعادة بناء المدينة الشهيدة بعبارة شهيرة خلدها المغاربة بنصب تذكاري ينتصب قبالة قصر بلدية أكادير بخط كوفي بديع في كتلة من الإسمنت المسلح من تصميم المهندس المعماري كلود فيرديكو، حقا " لئن حكمت الأقدار بخراب أكادير، فإن بنائها موكول إلى إرادتنا وإيماننا ".

مدينة الانبعاث

أثارت فاجعة أكادير، اهتمام الجيولوجيين وعلماء الزلازل، ووقف كثير منهم بعين المكان في زيارات ميدانية ؛ كان لها أبلغ الأثر في فهم ما جرى، وفي تقرير مصير أجزاء من المدينة، ومما طُلب من المتخصصين – بجانب دراسة زلزالية المنطقة – التقرير في جغرافيا إعادة إعمار المدينة.

أجمع كل من روبير أمبروغي (مهندس جيولوجي) وراي وليام كلوف ( خبير هندسة الزلازل والأستاذ في جامعة كاليفورنيا ببروكلي) وجون بيير روطي ( الأستاذ بجامعة ستراسبورغ ومدير المكتب المركزي الدولي لعلم الزلازل) على وجوب هجر البناء في منطقة الدمار شبة الشامل الواقعة بالشمال الغربي لواد تلضي لنشاطها الزلزالي المرتفع، وحكم عليها بأن تظل مناطق خضراء يمنع بها الإنشاء، أما المدينة الجديدة وواجهة البحر، فيمكن إعادة إعمارها مجددا شريطة اعتماد أنظمة بناء مقاومة للزلازل.

أما بخصوص موقع أكادير الجديدة، فقد أوصى الخبراء بأن من باب الحرص التراجع كيلومترين جنوب مركز الأضرار لبدء أشغال الأعمار، لكن لم يفتهم التنبيه بأن الزلزال لا يعاود الضرب في نفس المركز، وإنما المركز دائم التنقل في مختلف الاتجاهات الأمر الذي يوجب اعتماد معايير مقاومة للزلازل في البناء بالمدينة كلها.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">