الإعلام والدروس المستخلصة من جائحة كورونا

 الإعلام والدروس المستخلصة من جائحة كورونا
سكوبريس / السعدية لهنود 28 يناير 2021

كشفت أزمة كورونا الثقوب التي تعتري جسد العمل الإعلامي الذي رسخ أولويات تجعل السياسي يتصدر المجال الاقتصادي والاجتماعي والصحي، وترى أن التحديات التي واجهتها البشرية في صراعها المستدام للحفاظ على استمرارية الحياة، من خلال مكافحة الأمراض وتجنب الأوبئة والجوائح، تستحق جهدا تواصليا إعلاميا أكثر فعالية، تجنبا لتكرار المآسي الناتجة عن الاستهانة بالمعرفة الإنسانية المتراكمة.
وشكلت أزمة كورونا اختبارا لوسائل الإعلام العالمية، بازدياد إهتمام الجمهور بالأخبار المتعلقة بجائحة كوفيد19، كما سعى الإعلام الدولي و الرأي العام إلى كسب ثقة المتلقي والمحافظة عليها.
و دخلت شبكات التواصل الاجتماعي  على خط المنافسة  مع وسائل الاعلام المكتوبة و الالكترونية التي كانت تهيمن على المجال الإعلامي، وقد بينت دراسة أنه لا يزال نصف الأميركيين يثقون بوسائل الإعلام التقليدية، بينما تثق نسبة أقل بكثير بشبكات التواصل الاجتماعي.
وبانتشار كم مهول من الأخبار الزائفة والمغلوطة منذ ظهور فيروس كورونا، استطاعت الصحافة التقليدية استرجاع ثقة قراءها نسبيا، وبهذا يمكن أن تشكل هذه الأزمة فرصة لوسائل الإعلام لاستعادة ثقة قراءها، كما أنها أيضا فرصة للقراء لإختيار المنابر الإعلامية الجديرة بالثقة لاتصافها بالنزاهة والمصداقية.
تبين لنا أنه لم يتأخر الوقت لإستعادة ثقة الناس في العلوم والسلطات العامة ووسائل الإعلام، كما أنها لحظة حاسمة ومهمة لوسائل الإعلام لتثبت أنها السلطة الرابعة وتضع خدمة الجمهور في المرتبة الأولى بمعلومات جديرة بالثقة عبر انتقائها وتقديمها في قالب مبسط ومثير للاهتمام، كما أنه في إطار الوضع الصحي الطارئ الذي فرضه الانتشار الكبير لوباء كورونا، يلزم توفير أنباء جديرة بالثقة ودقيقة وتقديم تحليلات إضافية وخدمات إخبارية وشهادات حية لحالات أصيبت بالفيروس و تعايشت معه، واستطاعت ان تتحداه وتستعيد عافيتها.
ومن الملاحظ أن عددا كبيرا من وسائل الإعلام تباطأت في العمل في بداية الأزمة لشح المعلومات الصحيحة، وفضلت التريث من أجل الإستقصاء و التأكد من المعطيات المنتشرة على شكل بلاغات وبيانات، لتخرج الجهات المسؤولة لتكذيبها و التوعد بمتابعة كل من تسول له نفسه نشر إدعاءات و مغالطات تهول من وقع الجائحة على الإقتصاد الوطني و الأوضاع الاجتماعية للمواطنين وتقوض الأمن والاستقرار النفسي.
إلى ذلك تأثرت الصحف الورقية الموقوفة من الصدور درءا لانتشار الفيروس عبر تناقلها و توزيعها لتصل في نهاية المطاف للقاريء، ويمكن أن تؤدي هذه الأزمة إلى تسريع المرحلة الانتقالية التي تشهد موت الصحف الورقية، إلا أن وسائل الإعلام التي تعتبر جديرة بالثقة استفادت عبر مضاعفة عدد إشتراكاتها الرقمية.
الوقاية خير من العلاج، منطلق كان يجب التركيز عليه في تدبير الازمات و الأوبئة، حيث تم رصد أن جل وسائل الاعلام تتهافت على نقل الخبر و الفوز بالسبق الصحفي بدل أن تلعب دورا هاما يتجلى في التوعية و التحسيس و توجيه اهتمامها بالبرامج والأخبار التي تتناول صحة الإنسان باعتبارها أساس كافة الأنشطة، لأن ترتيب الأولويات لم يشمل العناية بالصحة وتثقيف الإنسان حتى يحافظ على نعمة الصحة والعافية وينطلق منها إلى تحقيق التطور والتنمية المستدامة، وتثقيف المتلقي بكافة الأمور الصحية ويكون مستعدا للتعاطي مع أية أزمة صحية.
كما لوحظ أن التغطية الاعلامية لأزمة كوفيد 19 يطغى عليها الجانب الكمي والتناول التثقيفي، ويتم رصد الظاهرة مثلها مثل كافة الأحداث التي تتصدر الأجندة الإعلامية، وهي تغطية تلفت النظر إلى إهمال الإعلام لتوعية البشرية وإرشادها لتجنب المخاطر التي تحدق بها، وعلى رأسها المخاطر الصحية. وقد تولدت مفارقة كبرى تتعلق بإعلام الأزمات فيما يخص النظرية والتطبيق.
 فعلى المستوى النظري، يمكن تعريف إعلام الأزمة بأنه "الممارسة الإعلامية الملازمة لتخليق الأزمة، والهادفة إلى الحيلولة دون تفشيها، من خلال نشر الرسائل الإعلامية الهادفة إلى التثقيف والتوعية بمخاطرها وشرح السيناريوهات الكفيلة بتفاديها". بينما تبدو الممارسة الفعلية لإعلام الأزمات في شكل "تغطية صحافية مواكبة للأزمات ومراحل تطورها وآثارها على الجهات المستهدفة". 
كما أن الإعلام الصحي الفعال ليس مجرد أخبار عن اكتشافات دوائية أو نجاحات في اختراع أجهزة طبية أو نقلات نوعية في مجال الجراحة، بل هو اشتغال يومي مستدام في التوعية والتثقيف الصحيين والتربية الصحية القائمة على الترشيد الى التغذية الصحية  وحسن التعامل مع البيئة للحفاظ عليها وطرق تأهيل الجسد واستخدامه في الأنشطة المختلفة، فضلًا عن التخلي عن العادات الضارة بالجسد والنفس والمجتمع.
التركيز على التغطية الشاملة والمستمرة للجائحة باعتبارها حدثا لا مثيل له يمر به العالم والإعلام المعاصر،اعتماد حالة الطوارئ الإعلامية التي تسخر كافة إمكانيات المقاولة الاعلامية لتغطية الجائحة انطلاقا من أقسام الإعداد والفيديوغرافيك والمونتاج الى الإخراج، الى التحرير الصحفي وكذلك توفير البيانات الرقمية الدالة وتوظيفها في التساؤل والتحاور ، وإتاحتها أيضا كبيانات خام سهلة التلقي، ولا نهمل التركيز على الجانب الإنساني المتعلق بظروف العاملين في المجال الصحي، وتقديمهم كمحاربين في الجبهة الأمامية مدافعين عن صحة الانسان وعافيته، والمشاعر التي تعتري من فقدوا ذويهم أو من تعافوا من المرض، والحالة النفسية التي يعيشها الناس جراء الخوف من الجائحة أو البقاء الإجباري في المنازل مما يترتب عنه فقدان فرص  توفير العيش ويالتالي انتشار البطالة  ، الاهتمام بتصريحات المسؤولين والتعامل معها بجدية ومقارنتها  بتصريحات الخبراء والعلماء والمتخصصين في المجال، الاهتمام بالآثار الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية للجائحة وتوقعات مستقبل العالم من حيث الأنظمة السياسية والعلاقات الدولية والتنمية والاقتصاد.
تتطلب التغطية الإخبارية الفعالة للأزمات، أن تكون مستدامة مستمرة وهذا يلزم التوعية بمخاطر الأزمة و الاستعداد لمواجهتها، لتتجنب البشرية تبعات وويلات تفشي الأمراض التي تستطيع أن تهزم الأنظمة الصحية الوطنية والدولية. و يجب ان تكون الأمراض العدو الذي يوحد الجميع في سبيل مكافحته ومحاربته بالعلم والإعلام الجاد والنزيه وبكافة أشكال التواصل، ومن الملاحظ هيمنة شبكات التواصل الاجتماعي على اهتمامات المتواصلين من حيث النشر والتلقي والتفاعل، لذا على وسائل الإعلام التقليدية أن تستغل هذه الشبكات في نشر محتوى إعلامي صحي محترف يتلاءم مع الخصائص التواصلية لهذه الشبكات، الاهتمام بالتكوين الإعلامي المختص في المجال الصحي في المعاهد والكليات الإعلامية الاستثمار في التكوين المستمر للإعلاميين في الإعلام الصحي، وإنشاء أقسام الإعلام الصحي.
هذا، وخلاصة القولـ إن الوباء الذي اجتاح العالم بأسره اجتاح بدوره وسائل الإعلام وأرغمها على تغيير أجندتها عندما رأت كيف أن فيروس كورونا يلحق الخسائر بالحكومات والمؤسسات والاقتصادات والأفراد، فأصبحت الأخبار والتقارير تتدفق دون إستراتيجية تواصلية مستدامة تبنى على إدراك عميق لأهمية التواصل، كما يجب على وسائل الإعلام المعاصرة أن تأخذ العبرة من تجربة تغطيتها لجائحة فيروس كورونا، وتعيد النظر في فهمها وتعاطيها مع الإعلام الصحي حتى لا تتكرر مثل هذه الجائحة في عصر تدعي فيه البشرية أنها خطت خطوات متقدمة في النمو والتطور بينما يصعب عليها الاستعداد لمخاطر تهددها منذ القدم، وتكرر أخطاءها التواصلية. 

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا

الأكثر قراءة

إشهار

src="https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js">