زمن العتمة ...

زمن العتمة ...
بقلم: عبد العزيز كوكاس 10 فبراير 2026

لست أدري كيف أُحس كلما استعصت عليّ الكتابة، صورة كاتب يحار أمام بياض الصفحة بلقطة رجل يسير وسط صحراء من ثلج يمتد إلى مالا نهاية دون أن يعثر على بغيته. لماذا هذه الحيرة حول الكتابة؟ هل جفت ينابيع اللغة؟ هل فرغت الساحة المغربية من المواضيع المثيرة لشهية الكتابة؟ وأقول لك عزيزي القارئ: لا لم تجف الموضوعات ولا حليب الكلمات تجمّد في حلمة الذاكرة، ولكن لأننا افتقدنا جميعا المعنى في كل شيء: في الكتابة، في الأشياء المحيطة بنا، في علاقاتنا الإنسانية وفي ثقتنا بالوجود. وما أصعب أن نفقد المعنى
في إحدى حلقات “الحقيقة الضائعة”، كتب الزميل الراحل مصطفى العلوي بحزن شديد وبحرقة بادية للعيان: “إن زمن الكتابة قد ولّى”، وهي النغمة الحزينة نفسها التي كان الحكيم عبد الجبار السحيمي قد كتب بها إحدى مقالاته على صدر الصفحة الأولى من يومية “العلم” بعد الهجوم الذي تعرض له مقاله المعنون بـ”أما أنا، فلن أحْلق لحيتي”، إذا لم تخني الذاكرة التي لا تصلح إلا للنسيان! حيث كتب: “لا تحاول أن تكتب.. فالكتابة في بعض أزمان الهستيريا محفوفة بالمخاطر”.
راودني الحزن عن نفسي لأنني في العديد من المواقف أصبحت أصاب بخيبة الكتابة، حتى ولو كان الأمر يتعلق بالبوح الممكن لا بالبوح المستحيل، خوفا من أن تترجم محاكم التفتيش مقالك في غير ما تريد، وتُحمل الكلمات شفرات سرية لمحاكمتك، أو ألا تجد قارئا إمبراطوريا يعي أبعاد ما تكتب ويجد المعنى الذي يصبو إليه بحرقة العشاق، أو يأتي معلقون لا يقرؤون حتى العنوان بشكل سليم ليبدؤوا في نشرك وتشريحك على مائدة ثرثرتهم الفارغة، هل للكتابة اليوم معنى حقا؟ ففي زمن التردي والغموض دائما يسود الأدعياء الذين يلوون عنق كلماتك ليحملوها المعنى اليتيم الذي لم تقصده، أين المعنى في كل ما يحيط بنا ويعبرنا من كلام وصور ومشاهد وحكايات ووقائع وأحاديث…؟
كان أرسطو يقول: “حين تتكاثف الرداءة تتحول إلى قوة” تمتلك سلطة الحقيقة بوسائل غير شرعية، وكم امتلأت أجواؤنا بالرداءة في كل المجالات، من التعليم إلى الثقافة فالصحافة والسياسة! وخلا المعنى الذي كنا نسعى للإمساك به بفرحة أطفال يطاردون الفراشات.
إننا نعيش زمنا ملتبسا بامتياز، هل هو زمن العتمة حيث توقع كل المفاجآت السعيدة وغير السعيدة؟ هل هو زمن الخواء الفكري والإيديولوجي حيث يسود تبدل سوداوي لقيم وبنيات ومواقف وأفكار مجتمع بكامله؟ وفي كل زمن ملتبس تسود الهستيريا ويكثر تشابه البقر على الناس، وتصبح الحقيقة عزلاء، والناطق بها مغامرا غرّا، لذا يتحول بقوة الأشياء إلى متهم مدان إلى أن تثبت براءته. ولأن الكتابة انتصار لسلطة الحقيقة، فهي في زمن التردي والغموض تغدو غريبة في موطنها كما الرسل محاطة بألف سهم مسموم وبعيون بندقية!
في زمن الالتباس يصبح التافه من الأحداث، كما الأشخاص، محورا للتفكير الاستراتيجي، ويغشى الضباب الأعين ويحجب عنها رؤية الأسئلة الحقيقية، بحيث يكثر الدَّجالون ولاعبو فرق الصف الثالث والرابع، والمغتصبون لأحلام غيرهم، والمصابون بانكسارات أول منعطف الطريق نحو الحياة، والفاشلون الذين يُحوّلون الهزائم إلى انتصارات من وهم أو خشب! والأخطر هو أن نفتقد المعنى في الوجود. هل علينا تعلم التفكير بألم حتى حين نفتقد المعنى؟
أتذكر وأنا أعيش في بحر تلك الاستعارات الباذخة للدَّارجة، كيف كانت تُعَيِّرني جدتي كلما لم أقدم على عمل جيد أو جديد بشكل سليم: “حيَّد، ما بقات فيك مْعَاينة” (مْعَايْنَة.. تصغير لكلمة المعنى)، وبإشراق صوفي كان جدي، مثل الحكواتي، يقول لي: “ذُوق المعنى!”؛ حاسة الذوق أول اتصال للإنسان بالعالم غير الملموس! وجمع المعنى: المعاني وهي ما للإنسان من الصفات المحمودة؛ حيث نقول فلان حَسَنُ المعاني. أليس ما نفتقده اليوم هو غياب المعنى في الوجود، في السياسة، في الاقتصاد وفي التعليم كما في الثقافة؟
شباب تائهون في المقاهي المنتشرة كالفطر يجترّون اليومي الباهت، أطفال أصبحوا يكنون في قعر هواتفهم المحمولة وفي عالمهم الافتراضي، مفصولين عن معنى الإقامة في الوجود بمتعه وآلامه، موظفون يعيشون على الفصام وهم منقسمون في دروب الحياة بين “الِميتْرو” البناء و"ليترو" الشراب، نساء منكسرات في أحلامهن مُعنّفات بالرمز والقوة في هوياتهن، أطفال لم يعودوا قادرين على الضحك أو على اشتهاء لذائد المستقبل، فاعلون سياسيون سطحيون وسذج بلا طَعم ولا ذوق مثل وجبة بائتة، إلا من رحم ربك، نُخب تفتقد خطاباتها وتحليلاتها لبذرة الرؤيا التي تخلق الفكرة وتدعم الحلم، أضحوا خبراء وتقنيون يقتلون كل بهجة العالم المختصر لديه في حواسيبهم البلدية وأرقامهم الباردة بلا أفق ولا حلم. التافهون العابرون في تاريخ عابر يتسيدون في كل شيء
حالة التشابه والتماهي بين صباحاتنا ومساءاتنا، بين حكوماتنا القديمة وحكوماتنا الجديدة، صور شاشاتنا بهتت من الرداءة المتراكمة، كتابات مثقفينا لم تعد تثر شهية القراءة في الجمهور الذي لا يعجبه العجب العجاب، والجيد منها أصبح يتيما عن أهله، صحفنا أصبحت مملوءة بسواد القلب أكثر من سواد المداد، حد القرف. إنه زمن الالتباس بامتياز، حيث يغيب المعنى فيما يظل الفراغ والتفاهة محافظين على سكونهما بشكل مطمئن!
فاللهم ألطف بنا فيما جرت به المقادير، وجنّب وجودنا هذا الفراغ المهول في المعنى الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى الهباء، فحتى الطبيعة تخشى الفراغ.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا