بين حرية المواطن وهيبة الدولة: حدود التدخل ومسؤولية الانضباط
تعيش الدول المعاصرة على إيقاع توازن دقيق بين سلطة القرار السيادي وحق المواطن في إبداء الرأي. فالدولة، باعتبارها كيانا قانونيا وسياسيا، تتولى تدبير العلاقات الدولية، وإبرام المعاهدات، واتخاذ القرارات الاستراتيجية التي قد لا تكون كل معطياتها متاحة للرأي العام. وفي المقابل، ينتمي المواطن إلى هذا الكيان، يتأثر بقراراته، ويشعر أحيانا برغبة في مناقشتها أو الاعتراض عليها. فإلى أي حد يحق للأفراد التدخل في شؤون تعتبر من صميم اختصاص الدولة؟ وأين تنتهي حرية التعبير وتبدأ ضرورة احترام النظام العام؟
هل تدخل المواطنين في القضايا الدولية والسيادية، كمسألة التطبيع أو إبرام المعاهدات، يعد ممارسة مشروعة لحرية الرأي، أم خروجا عن حدود الاختصاص الفردي؟ وكيف يمكن للدولة أن تحافظ على هيبتها دون المساس بالحقوق التي يكفلها القانون؟
الدولة الحديثة ليست مجرد جهاز إداري، بل هي شخصية معنوية تمثل الشعب في الداخل والخارج، وتمارس صلاحياتها وفق ما ينص عليه الدستور والقوانين. في المغرب مثلا، يحدد دستور المملكة المغربية اختصاصات واضحة للمؤسسات، وينيط تدبير العلاقات الخارجية بالسلطات الدستورية المختصة، وعلى رأسها المؤسسة الملكية والحكومة.
العلاقات الدولية بطبيعتها تقوم على السرية أحيانا، وعلى حسابات استراتيجية معقدة، قد تتجاوز الفهم المباشر للمواطن العادي. فقرار إقامة علاقة دبلوماسية أو توقيع اتفاقية ليس مجرد موقف عاطفي، بل يرتبط بأمن الدولة، واقتصادها، وموقعها في التوازنات الإقليمية والدولية. لذلك فإن الدولة أدرى بمصالحها العليا، وتتحمل مسؤولية تبعات قراراتها أمام التاريخ وأمام مؤسساتها.
غير أن هذا لا يعني إقصاء المواطن من المجال العام. فالدساتير الحديثة تكفل حرية التعبير، وتسمح بالنقاش العمومي في إطار القانون. لكن الفرق كبير بين التعبير المنظم والمسؤول، وبين الدعوة إلى الفوضى أو التحريض أو تنظيم تجمهرات دون ترخيص، بما قد يمس النظام العام أو يعرض الممتلكات والأرواح للخطر.
إن منع التظاهرات غير المرخصة أو معاقبة من يخالف القوانين التنظيمية ليس تضييقا على الحرية، بل تطبيق لمبدأ سيادة القانون. فالدولة، حتى وهي تفتح المجال للرأي المخالف، ملزمة بحماية الاستقرار، ومنع أي سلوك قد يُستغل للإضرار بالمصلحة الوطنية أو استغلال الشارع لتحقيق أجندات خارجية.
ومن هنا تظهر ضرورة التمييز بين مستويين:
مستوى الرأي والنقاش، وهو حق مكفول.
ومستوى الفعل الميداني غير القانوني، وهو خاضع للضبط والمساءلة.
فالفضول السياسي، إن لم يضبط بوعي قانوني، قد يتحول إلى اندفاع عاطفي يخلط بين المصلحة الخاصة والمصلحة العليا للدولة. والمواطنة الرشيدة لا تعني الانسياق خلف كل دعوة، بل تعني فهم السياق، والاحتكام إلى المؤسسات، واحترام المساطر القانونية.
ليست القضية في أن تتخذ الدولة قرارا يعجب الجميع أو لا يعجبهم، بل في كيفية إدارة الاختلاف داخل إطار القانون. فالدولة القوية هي التي تحمي سيادتها وتطبق قوانينها بعدل، والمواطن الواعي هو الذي يميز بين حقه في التعبير وواجبه في احترام النظام العام. وبين الحرية والانضباط خيط دقيق، لا يحفظه إلا الوعي والمسؤولية المشتركة.







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس