كلميم / الحد من فيضانات الإقليم رهين بمعالجة علمية لمنبع واد ام العشار

كلميم / الحد من فيضانات الإقليم رهين بمعالجة علمية لمنبع واد ام العشار
✍: سعيد فغراوي* 07 يناير 2026

تقع مدينة كلميم في السافلة وبالقرب من سهل فيضي، عند التقاطع بين عدة أودية. يحيط بها من الشرق الأودية والشعاب المتدفقة من جبل تيرت، ومن الشمال واد أمان أوشن، ومن الغرب واد أم لعشار، بينما من الجنوب نجد واد صياد الذي يمثل تهديدا للمباني الجديدة التي أُقيمت على مجراه الأكبر، بالإضافة إلى الضيعات العصرية المنتشرة في المنطقة. وهذا الموقع يجعل المدينة عرضة لخطر الفيضانات. على مر تاريخها حيث شهدت كلميم العديد من الفيضانات الكبيرة في أعوام 1967، 1995، 2003، 1985، و2014.

بعد الفيضانات التي حدثت في عام 1967، بدأت الدراسات لتأمين مدينة كلميم من هذه الظواهر، وعقب فيضانات عام 1985، تم إنشاء جدار ترابي لحماية المدينة، خاصة من جهة الشمال والغرب، وهذا الجدار يتكون من ستة جدران غير متصلة، يمتد من مدخل المدينة شمالا حتى قنطرة الطريق المؤدية لطانطان.

وبعد الفيضانات التي وقعت في 2010، والتي تسببت في أضرار مادية كبيرة، تم تنفيذ عدة مشاريع تشمل إنشاء قنوات أسفل جبل تيرت لحماية أحياء تيرت والفيلا والرجاء والطريق المدارية من الشعاب المتدفقة من الجبل. كما تم بناء حاجز على واد أمان أوشن، بالإضافة إلى قناة لتحويل مياهه نحو واد أم لعشار، وتغطية هذه القناة. تم أيضا إنشاء حاجز وقائي على طول 500 متر لحماية الواحة الرياضية من فيضانات واد أسيف أزرو، الذي يشكل أيضا تهديدا لأحياء النوادر والفلاحة.

هذه التدخلات ساهمت في حماية الجهة الشرقية والجنوبية من المدينة من الفيضانات التي شهدتها كلميم في عام 2014. ومع ذلك، فإن الامتطاح الفيضي لواد أم لعشار في 28 نوفمبر 2014 وروافده، وخاصة واد تالمعدرت، أدى إلى خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، حيث سجلت 34 حالة وفاة و6 مفقودين، وتدمير 30 قنطرة و30 طريقا، وانهيار 5000 منزل، واقتلاع الأشجار المثمرة، خصوصا النخيل، وانجراف الأراضي الزراعية على ضفاف الأودية، وهلاك الماشية، وتشير التقديرات إلى خسائر بلغت حوالي ست مليارات درهم في مجموع أقاليم الجنوب المغربي.

بعد الفيضانات الأخيرة، تم إنشاء مجموعة من الجدران الإسمنتية لحماية الأحياء التي تعرضت للغمر بمياه واد أم لعشار، بما في ذلك الأحياء على الضفة اليمنى مثل حي النسيم، حي الزيتون، حي تركز، حي الكرامز، وحي أمحيريش، بالإضافة إلى حي النخيلات على الضفة اليسرى. كما أن المشاكل المتعلقة بالمنشآت الفنية المنجزة على هذا الوادي، مثل قنطرة المطار، قنطرة سيدي افني، وقنطرة     طانطان، ساهمت في زيادة الخسائر، حيث إن هذه المنشآت تسمح فقط بمرور تدفق يبلغ 150 م³/ث، وهو ما يعادل التدفق السنوي.

وللتقليل من مخاطر الفيضانات، من الضروري إجراء دراسة تقنية شاملة بشأن ظاهرة الفيضانات، بدلا من الاعتماد على حلول سطحية قد لا تكون فعالة على المدى الطويل. وينبغي أن نبدأ بفهم الشبكة الهيدروغرافية لحوض واد أم لعشار، حيث تتكون المسيلات المائية والجداول الصغيرة التي تتجه نحو المسيلات الكبرى بمستويات متنوعة.

وعندما تتلاقى المسيلات من نفس المرتبة (المرتبة الأولى)، تشكل مجرى مائيا من المرتبة الثانية، وبالمثل، فإن تلاقى وديان من المرتبة الثانية يؤدي إلى تكوين مجرى مائي من المرتبة الثالثة، وهكذا حتى نصل إلى المصب الرئيسي للواد. إن فهم هذه الديناميكيات يعد خطوة حاسمة لتطوير حلول فعالة ومستدامة لمواجهة الفيضانات.

ينتمي حوض أم لعشار إلى الأطلس الصغير الغربي، ويقع غرب مدينة كلميم بين خط طول 10.03 وخط عرض 28.59، يحده من الشرق حوض أمان أوشن، ومن الغرب حوض اباينو، ومن الشمال حوض تالمعدرت، بينما يحده من الجنوب حوض واد صياد. كما يفصل جبل تيرت بين حوضي واد صياد وواد أم العشار.

يبلغ طول واد أم لعشار 62 كلم. ومجموع أعداد المجاري المائية 16855 مجرى، بطول إجمالي قدره 2344 كلم، ويدل ارتفاع عدد رتب حوض أم لعشار على تصريف أكبر وسرعة جريان كبيرة. أهم روافده تتواجد بالسهل ومن أهمها أودية تاملعذرت، تيمتيالن، توتلين وتيكتان في سافلة دوار توتلين، التابع للجماعة الترابية اباينو.

وينبع من هضاب الأخصاص، ويتجه مجراه من الشمال إلى الجنوب، وتقدَر مساحة حوض أم لعشار ب 930 كلم²، وهي مساحة متواضعة مقارنة بحوض واد صياد الذي تبلغ مساحته 3175 كلم²، وحوض واد واركنون الذي يصل إلى 2250 كلم². تشكل هذه الأحواض الثلاثة المنطقية وروافد لواد أساكا الذي يصب في المحيط، ويبدأ من ارتفاع 1150 مترا عبر واد تكركوست وينتهي عند 250 مترا،

كما تلعب الانحدارات دورا هاما في تنظيم سرعة جريان المياه السطحية، وذلك من خلال سرعة تصريف المياه والسلوك الهيدرولوجي للأودية. فكلما كانت الانحدارات مرتفعة، كلما قل وقت بقاء المياه على السطح. بالمقابل إذا كانت نسبة الانحدار ضعيفة، ازدادت نسبة بقائه على السطح، وبالتالي ارتفاع نسبة تسربه إلى الباطن.

الانحدارات داخل حوض أم العشار تتوزع كالآتي: الانحدارات التي تقل عن 5 في المائة  تشمل أساسا وسط الحوض وسافلته وتشغل مساحات شاسعة، و الانحدارات التي تتراوح بين 5 و 15 في المائة   تشغل مساحات متفرقة، وتنتشر بالشمال الغربي والشرقي ووسط الحوض، والانحدارات التي تتراوح بين 15 و 30 في المائة، تشمل مساحات مهمة بعالية الحوض بالشمال الغربي والشرقي، و الانحدارات أكثر من 30 في المائة فتشغل مساحة مهمة خصوصا بشرق وغرب الحوض، وهكذا نستنتج أن الحوض يعرف انحدارات قوية، تساعد إلى جانب شكله الهندسي الشبه الدائري على تركز السيل وحدوث الفيضانات.

أما توزيع الارتفاعات، فيتم على الشكل التالي: الارتفاعات ذات 400 متر فتشغل 50 كلم وتشكل  7 في المائة من مساحة الحوض، الارتفاعات التي تبلغ بين 400 و 600 متر تغطي حوالي 341 كلم من مساحة الحوض وتشكل 39 في المائة من مساحته، والارتفاعات بين 601 و 800 متر فتشكل 240 كلم من مساحة الحوض وتغطي حوالي 28 في المائة من مساحة الحوض، الارتفاعات بين 801 و 1000 متر ، فتشكل 137 كلم من مساحة الحوض وتغطي 16% من مساحة الحوض أخيرا نجد الارتفاعات بين 1001 و 1200 متر والتي تشكل 87 كلم من مساحة الحوض وتغطي 10 في المائة من مساحته.

ويتشكل مجال حوض أم لعشار من مجموعة من الارتفاعات ذات مقاييس مختلفة، ينتج عنها تسريع قوة جريان الوادي وكذلك الرفع من حجم التساقطات المطرية، ويجتاز الواد سهل يتسع ب 7 كلم ويتواجد بين جبل تيرت وكتلة سيدي افني له اتجاه شمال شرق - جنوب غرب ويلتقي بواد صياد جنوب مدينة كلميم، بعد أن مر منها حيث يجزئها إلى قسمين شرقي وغربي.

ومن حيث التصريف المائي، تتميز الشبكة الهيدروغرافية بكثرة المسيلات والأودية الثانوية واد تاملعذرت، واد انتكتان، واد إد داود... إلى أخره، الوافدة على واد أم لعشار. هذه الأودية يغلب عليها الطابع الموسمي والجاف. لكن جريانها عنيف في فترة الأمطار الغزيرة

وعلى اعتبار أن حوض واد ام لعشار لا يتوفر على محطة هيدرولوجية لقياس صبيبه، فإن تحليل المعطيات يتركز على محطتي اساكا وتغجيجت على التوالي بالنسبة لوادي اساكا وصياد.

ومن خلال تفحص معطيات قيم صبيب واد صياد بتغجيجت خلال الفترة الممتدة بين 1981 و 2005 مثال، نجد فروقات واضحة ما بين القيم الدنيا التي تصل إلى 10 لتر/الثانية خلال أعوام ،1992 2000 و 2005 والقيم القصوى التي تصل إلى 762 لتر/الثانية عام ،1985وهى حصيلة مائية تتجاوز بشكل كبير المتوسط السنوي 61.6 لتر/الثانية.

نفس التباين يلاحظ من خلال دراسة الصبيب الشهري الذي يتميز بوجود قيم قصوى 762 ل/ث تتجاوز بكثير القيم الدنيا 0 ل/ث، بل وحتى المتوسطات الشهرية القصوى 61.6 ل/ث.

أما بالنسبة للمحطة الهيدرولوجية اساكا، فنجد فروقات واضحة ما بين القيم الدنيا التي تصل إلى 0.5 ل/ث سنة 2000، والقيم القصوى التي تصل 745.8 ل/ث سنة 2002، وهي حصيلة مائية تتجاوز بشكل كبير المتوسط السنوي الاقصى159.6 ل/ث.

 نفس التباين يلاحظ من خلال دراسة الصبيب الشهري الذي يتميز يقيم قصوى 745.8 ل/ث تتجاوز بكثير القيم الدنيا 0.3 ل/ث.

 في يوم 7 يناير 1985 عرف إقليم كلميم فيضانات عنيفة ناتجة عن فيضان واد أم لعشار حيث سجلت 33 ملم بكلميم و65 ملم ببويزكارن خلال 53 دقيقة فقط، وبصبيب وصل إلى 1000 م مكعب /ث، وكذلك ارتبط فيضان 28 نونبر 2014 بالعواصف الرعدية القوية التي عرفها إقليم كلميم، والمصحوبة بإمطار قوية، حيث سجلت تساقطات استثنائية بلغت أكثر من 200 ملم في ظرف 12 ساعة بكل من تغجيجت ب 208 ملم، اساكا ب 233 ملم، كلميم ب 260 ملم وبويزكارن ب 183 ملم.

نتج عن هذه التساقطات المطرية الاستثنائية، إمتطاحات فيضيه قوية تتميز بصبيب لحظي مهم لواد اساكا بلغ 345 م/ث يوم 28 نونبر 2014 و974 م مكعب /ث، كصبيب أقصى ليلة 29 نونبر 2014، بينما تم تسجيل معدلات اقل من ذلك بكثير في الصبيب خلال السنوات الماضية.

ولا ترتبط ظاهرة الفيضانات بالعوامل الطبيعية، بل تشمل أيضا الأنشطة التي يقوم بها الانسان، حيث ان الساكنة والانشطة التي تقوم بها، تساهم في تسريع ظهور مثل هذه الظواهر الهيدرولوجية، وفيما يتعلق بالحوض، فهو يمتد على تراب مدينتي بويزكارن وكلميم، والجماعة القروية لاباينو. هذه المدن تقع في الدير بالنسبة لبويزكارن والسافلة بالنسبة لكلميم حيث انبساط السطح وخصوبة التربة. داخل هذا المجال نميز بين مجالات تتميز بكثافة عالية ككلميم وبويزكارن ومجال له كثافة ضعيفة يشمل اباينو.

هذا النمو راجع بالخصوص إلى الهجرة من آيت بوفولن نحو بويزكارن، وكذلك الهجرة من العالم القروي نحو مدينة كلميم، نتيجة أزمة الجفاف التي شهدها خلال سنوات الثمانينات من القرن الماضي، نتج عنه توسع عمراني عشوائي على ضفاف أودية ام لعشار، اسیف ازرو، وامان اوشن.

أما عن الأنشطة المرافقة لهذه التركزات، فهي فلاحية مرتبطة بالأراضي الفلاحية ببويزكارن واباينو، إضافة إلى تربية الماشية حيث القرب من هضاب الأخصاص ومن الأركان.

أما مدينة كلميم فهي تعرف تركز الأنشطة الإدارية والتجارية والخدماتية. أما الجانب الفلاحي، فنجده بالجنوب حيث تنتشر عدة ضيعات عصرية فلاحية، تستغل خصوبة التربة المكونة من الطين والطمي والفرشة المائية القريبة من السطح.

ان أي حل مقترح لمشكلة الفيضانات في إقليم كلميم، إذا لم يأخذ في الاعتبار هذه الجوانب المهمة، لن يكون فعالا، ويبقى هذا الحل جزئيا ومؤقتا، مما يهدد مستقبل الإقليم، خاصة في ظل النمو السكاني المتزايد والازدهار الاقتصادي.

*صحفي متدرب



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا