انتشار ظاهرة التراشق بالحجارة بين القاصرين تكشف اختلالات تربوية واجتماعية عميقة

انتشار ظاهرة التراشق بالحجارة بين القاصرين تكشف اختلالات تربوية واجتماعية عميقة
*سعيد فغراوي 13 أكتوبر 2025

تعيش مختلف مدن المغرب، من الشمال إلى الجنوب، على وقع ظاهرة مقلقة تتمثل في تزايد حوادث التراشق بالحجارة بين القاصرين، وهي سلوكيات تتنامى بشكل لافت في عدد من الأحياء الحضرية وشبه الحضرية، مهددةً أمن المواطنين وسلامة ممتلكاتهم، ومثيرةً في الآن ذاته تساؤلات عميقة حول الأسباب التربوية والاجتماعية التي تقف وراءها

وفي هذا السياق، رصدت مجموعة من المنابر الإعلامية الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة عدة وقائع مشابهة بين تلاميذ بعدد من المدن المغربية، ما يؤكد اتساع رقعة هذه الظاهرة وخطورتها المتزايدة.

ففي مدينة سطات، استنفرت مصالح الدرك الملكي عناصرها بتعليمات من الوكيل العام للملك، عقب حادث مأساوي أودى بحياة تلميذ إثر إصابته بجرح غائر في الرأس، نتيجة تراشق بالحجارة بين مجموعة من التلاميذ بمركز سيدي محمد بن رحال، نواحي المدينة. وتشير المعطيات الأولية إلى أن الحادث اندلع عقب سوء تفاهم بين تلاميذ ينحدر أغلبهم من دواري أولاد سعيد بن علي والصواكة، بعد مغادرتهم الثانوية التأهيلية البحتري، ليتحول الخلاف إلى مواجهة دامية.

ورغم أن التلميذ المصاب تلقى إسعافات أولية بمركز صحي محلي، إلا أن حالته ساءت لاحقاً ليفارق الحياة متأثرا بإصابته، ما استدعى توقيف عشرة تلاميذ ووضعهم رهن تدبير الحراسة النظرية، بينهم قاصران تحت المراقبة القضائية، في انتظار نتائج البحث القضائي الذي تشرف عليه النيابة العامة المختصة.

ولم يقتصر الأمر على سطات، إذ شهدت مدينة تيفلت بدورها موجة من حوادث التراشق بالحجارة بين شباب وأطفال أحياء مختلفة. وقد باشرت مصالح الأمن حملات ميدانية واسعة، شملت عمليات مراقبة وترصد دقيقة، انتهت بتوقيف 16 شخصاً من القاصرين والبالغين، بعضهم ضبطت بحوزته أدوات يدوية مخصصة للرشق. وتم الاحتفاظ بالبالغين رهن الحراسة النظرية، فيما وُضع القاصرون تحت المراقبة الحفظية إلى حين تقديمهم أمام العدالة.

وفي مكناس، تتواصل الظاهرة في عدد من الأحياء الشعبية، حيث بات التراشق بالحجارة بين القاصرين مشهداً متكررا وسط الشوارع العامة.

 أما في العيون، فقد تمكنت المصالح الأمنية بالمنطقة الثانية من توقيف 18 قاصرا تتراوح أعمارهم بين 10 و17 سنة، بعد تورطهم في أعمال رشق بالحجارة تسببت في أضرار مادية لممتلكات الغير، وهو ما دفع السلطات إلى تعزيز حضورها الأمني وتكثيف الجهود التحسيسية مع أولياء الأمور لتجنب تكرار هذه السلوكيات.

وفي كلميم، لم تسلم المدينة من الظاهرة ذاتها، إذ شنت المصالح الأمنية عمليات ميدانية مكثفة استهدفت الأحياء التي شهدت أعمال تراشق بالحجارة بين القاصرين. وأسفرت التحريات عن توقيف عدد من المتورطين الذين تمت إحالتهم على النيابة العامة المختصة، في وقت شددت فيه المصالح الأمنية على استمرار تتبعها الدقيق لهذه السلوكيات الخطيرة التي تهدد الأمن العام.

ويرى عدد من المتتبعين أن هذه الحوادث ليست سوى جزء من مشهد أوسع يعكس أزمة تربوية عميقة، تتداخل فيها مسؤولية الأسرة والمدرسة والجمعيات التربوية التي فشلت في أداء أدوارها. فالأطفال الذين يمارسون الرشق بالحجارة غالبا ما يجهلون خطورة تصرفاتهم، بسبب غياب التوعية والتأطير، في ظل تراجع منظومة القيم، وضعف التربية، وتنامي التأثير السلبي للهواتف الذكية ومواقع التواصل.

ويرجع البعض الآخر انتشار هذه الظاهرة إلى تأثيرات نفسية عميقة يعيشها الأطفال نتيجة مشاهد العنف والحروب التي تبثها وسائل الإعلام، خصوصا صور الحرب في غزة، التي ترسخ في أذهانهم صورة القتال والمواجهة كوسيلة للتعبير عن الغضب أو القوة.

 ويرى هؤلاء أن الأطفال يتقمصون لا شعوريا مشاهد الصراع التي يتعرضون لها بشكل يومي، ما يعيد إنتاج سلوكيات عدوانية في محيطهم المحلي

في المقابل، يربط محللون اجتماعيون هذه الظاهرة بتآكل النسيج القيمي داخل المجتمع، معتبرين أن التراشق بالحجارة وغياب الاحترام بين الأطفال والكبار على السواء هو نتيجة مباشرة لتدهور المنظومة التعليمية وضعف الدور التربوي للأسرة.

 ويؤكد هؤلاء أن “اللبسالة”، كما يسميها البعض، هي عرض من أعراض انحلال ثقافي أعمق، حيث أصبحت الهواتف الذكية والجلسات الجماعية مكان المدرسة والبيت، وغاب حضور الأب والأم كمرجع تربوي وسلوكي.

ومن زاوية أكثر تحليلية، يرى بعض الباحثين أن هذه الظاهرة تعكس نمطا من أنماط التخلف الاجتماعي الذي لم يدرس بعد في عمقه الإنساني والنفسي. فالمجتمع المتخلف، بحسب هذا التصور، لا يفرز فقط ضعفا في التنمية الاقتصادية، بل ينتج أيضاً اختلالا في بنية الإنسان ذاته، في طريقة تفكيره وسلوكه وتفاعله مع محيطه. وتجاهل هذه الأبعاد في برامج التنمية والتربية جعل كثيرا من المشاريع الإصلاحية سطحية وغير قادرة على تغيير جوهر الإنسان المغربي.

لقد انطلقت عدة سياسات وبرامج تنموية وتربوية بمظاهر براقة ومصطلحات حداثية، لكنها فشلت في النفاذ إلى عمق الأزمة، لأن العنصر البشري لم يكن محور الاهتمام الحقيقي. فالتنمية ليست في إقامة البنايات أو تجهيز الفضاءات فقط، بل في تغيير الإنسان نفسه، في رؤيته للعنف، وفي إدراكه لقيمة الحياة، ولواجب الاحترام المتبادل بين أبناء المجتمع الواحد.

وفي النهاية، فإن ظاهرة التراشق بالحجارة، وإن بدت سلوكا عابرا من قِبل أطفال أو مراهقين، إلا أنها في جوهرها ناقوس خطر، ينبه إلى أزمة أخلاقية وتربوية تتطلب تضافر الجهود بين الأسرة والمدرسة والمجتمع المدني، وبلورة رؤية وطنية تضع الإنسان والتربية والقيم في قلب مشروع التنمية، قبل أن تتحول الحجارة من لعبة عابرة إلى مرآة لخلل عميق في تربية الأجيال.

*صحفي متدرب



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا