فيضانات القصر الكبير.. اختبار للقدرة الوطنية على مواجهة التغير المناخي
تشهد مدينة القصر الكبير، التابعة للنفوذ الاداري لإقليم العرائش شمال غرب المغرب، أزمة فيضانات تاريخية غير مسبوقة منذ أسابيع. أدت الأمطار الغزيرة والمستمرة – التي تجاوزت في بعض المناطق 150 ملم في يوم واحد – إلى ارتفاع منسوب نهر اللوكوس إلى مستويات خطرة، مما دفع السلطات إلى إجلاء غالبية السكان تحسباً لكارثة محتملة.
ووفقاً للمعطيات الرسمية والتقارير الميدانية حتى 5 يوم أمس الخميس فبراير 2026، تم إجلاء أكثر من 110 من أصل حوالي 120-130 ألف نسمة يقطنون المدينة، مع نقل معظمهم إلى مدن مجاورة مثل طنجة، تطوان، الفنيدق، والعرائش، أو إلى مراكز إيواء مؤقتة في مدارس ومؤسسات عمومية. وقد تحولت المدينة إلى "مدينة أشباح" شبه معزولة، مع إغلاق معظم المداخل، قطع بعض الطرق الرئيسية، حيث غمرت المياه أحياء منخفضة عديدة مثل عزبي الرفاعي، المرينة، والمناطق المجاورة لوادي اللوكوس، وتحولت الشوارع إلى بحيرات مفتوحة ومجاري سيول.
السبب الرئيسي لهذا الوضع الدرامي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـسد وادي المخازن، سادس أكبر السدود في المغرب بسعة تصميمية تصل إلى حوالي 700-800 مليون متر مكعب. سجل السد واردات مائية استثنائية خلال الموسم الهيدرولوجي 2025-2026 (من سبتمبر إلى فبراير)، بلغت نحو 973-988 مليون متر مكعب، مما رفع نسبة الملء إلى مستويات قياسية تجاوزت 140-146 في المائة من السعة الآمنة في بعض اللحظات. اضطرت معها السلطات المعنية إلى تصريف كميات كبيرة من المياه (تجاوزت 1000-1100 متر مكعب في الثانية في ذروة العملية) لتخفيف الضغط على المنشأة وضمان سلامتها.
ورغم تأكيد وزارة التجهيز والماء سلامة السد وعدم وجود أي اختلالات هيكلية، إلا أن هذا التصريف الوقائي ساهم في ارتفاع منسوب النهر أسفل السد، مما زاد من حدة الفيضان في المناطق المنخفضة داخل المدينة التي تقع في سهل فيضي طبيعي تاريخياً عرضة للسيول.
في مواجهة هذه الأزمة، برزت الاستجابة الوطنية كمثال يُحتذى به في الكفاءة والتنسيق. تم تفعيل حالة التأهب القصوى بمشاركة شاملة للقوات المسلحة الملكية، الوقاية المدنية، الدرك الملكي، الأمن الوطني، والقوات المساعدة، بالإضافة إلى السلطات الإقليمية والمحلية. جاءت هذه التعبئة استجابة مباشرة للتعليمات الملكية للملك محمد السادس، التي أكدت أن حماية الأرواح البشرية تبقى الأولوية المطلقة، مع التركيز على الإجلاء الاستباقي، توفير الإيواء، والدعم اللوجستي. مما ساهم في تجنب خسائر بشرية كبيرة حتى الآن (لم تسجل حالياً وفيات مباشرة مرتبطة بالفيضانات في المدينة)، رغم الظروف القاسية. كما أثارت حملة تضامن وطني واسعة، حيث سارعت المدن المجاورة والجمعيات والمواطنون إلى تقديم المساعدات الغذائية، الطبية، والإيوائية، مما عكس تماسك المجتمع المغربي في مواجهة الكوارث.
يأتي هذا الوضع الطارئ في سياق انتعاش مائي وطني ملحوظ بعد سنوات من الجفاف الشديد والإجهاد المائي. ارتفعت معها نسبة ملء السدود الوطنية إلى 64.1-64.15 في المائة إلى غاية 5 فبراير 2026، مقارنة بنسب منخفضة جداً في السنوات السابقة (حوالي 27-30 في المائة في نفس الفترة من 2025). تجاوز الحجم الإجمالي المخزن 10.7 مليار متر مكعب، بارتفاع يناهز 130 في المائة مقارنة بالعام الماضي، بفضل 26 فترة مطرية غزيرة متتالية. سجلت أحواض الشمال (سبو، اللوكوس، أبي رقراق، تانسيفت) نسباً مرتفعة جداً (تجاوزت 77-95 في المائة في بعضها)، بينما بقيت أحواض الجنوب والشرق أقل نسبياً (مثل أم الربيع ودرعة-واد نون بحوالي 30-35 في المائة). هذا التحول الإيجابي يمثل فرصة ذهبية للبلاد بعد سنوات من القلق المائي.
من المتوقع أن يكون لهذا الانتعاش أثر عميق على الموسم الفلاحي والأمن الغذائي. بعد جفاف أثر سلباً على الإنتاج الزراعي ورفع تكاليف الاستيراد، وستساهم المياه الوفيرة في تعزيز الري للمحاصيل الربيعية والصيفية، خاصة في المناطق الشمالية والغربية. كما يُتوقع ارتفاع إنتاج الحبوب (القمح والشعير)، الخضروات، والفواكه، مما يدعم الاكتفاء الذاتي نسبياً ويقلل الضغط على ميزان المدفوعات. الى جانب استفادة الفلاحين الصغار والمتوسطين من استقرار أسعار الأعلاف والمياه، مما يعزز الدخل القروي ويحد من الهجرة القروية. على المدى المتوسط، وسيفتح هذا الموسم الباب أمام توسيع المساحات المروية وتحسين الإنتاجية عبر تقنيات الري الحديثة.
رغم نجاح عمليات الإجلاء الاستباقية في تجنب الخسائر البشرية المباشرة، فإن الأزمة ألقت بظلالها الثقيلة على السكان والاقتصاد المحلي.، حيث تحولت مدينة القصر الكبير إلى منطقة شبه مهجورة، مع توقف شبه كامل للأنشطة التجارية والخدماتية، وتضرر آلاف المنازل والمحلات والمزارع المجاورة. يواجه النازحون – الذين يتجاوز عددهم 100 ألف شخص – تحديات الإيواء المؤقت، الرعاية الصحية، والحفاظ على الاستقرار النفسي للأطفال والعائلات.، في الوقت نفسه، بدأت حملات التضامن الشعبي والرسمي تتكثف، مع مساهمات من المدن المجاورة والجمعيات في توفير المواد الغذائية والأغطية والأدوية، إلا أن الخسائر المادية المتوقعة تتطلب تقييماً سريعاً وخطة تعويض عاجلة من صندوق التضامن ضد الكوارث الطبيعية، مع إعلان المنطقة "منكوبة" لتسهيل الدعم الحكومي الشامل. هذه الأزمة تذكرنا أيضاً بأهمية تعزيز التواصل المؤسساتي الشفاف خلال الكوارث، لمواجهة الإشاعات وتطمين الساكنة.
على الصعيد الاستراتيجي، تؤكد الأزمة أهمية سياسة بناء السدود الكبرى وربط الأحواض المائية كحل أساسي لمواجهة التغير المناخي الذي يتسم بتطرف الظواهر (جفاف طويل يعقبه فيضانات شديدة). يمتلك المغرب أكثر من 150 سداً كبيراً، ساهمت في تأمين المياه الشربية، الري، والطاقة الكهرومائية. سد وادي المخازن، المنجز في السبعينيات، أثبت دوره في احتجاز الفيضانات، لكنه يواجه تحدي الامتلاء السريع في مواسم ممطرة استثنائية، ويتطلب الأمر تعزيز هذه السياسة من خلال: تطوير أنظمة التحذير المبكر والرصد الجوي الدقيق، تحسين شبكات الصرف والقنوات في المناطق الفيضية، مراجعة التخطيط الحضري لتجنب البناء في المناطق المنخفضة، واستكمال مشاريع الربط بين الأحواض (مثل نقل المياه من الشمال إلى الجنوب). كما يبرز الحاجة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتدريب السكان على مواجهة الكوارث.
هذا، وتمثل فيضانات القصر الكبير تحدياً كبيراً، لكنها في الوقت نفسه تؤكد نجاح الاستجابة الوطنية السريعة والمنسقة، بفضل التعليمات الملكية الحكيمة والتعبئة الشاملة، وهذا الانتعاش المائي الحالي يبشر بمستقبل أكثر أماناً مائياً وغذائياً، شريطة مواصلة الاستثمار في البنية التحتية، التكيف مع التغير المناخي، ووضع خطط طويلة الأمد للحد من المخاطر. تبقى حماية الأرواح والممتلكات الأولوية، مع النظر بتفاؤل إلى الفرص التي يمنحها هذا الموسم الاستثنائي للمغرب ككل.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس