حين تكتب القصيدة ظلّها: في جمالية الحوار الشعري بديوان رابعة الأثافي

حين تكتب القصيدة ظلّها: في جمالية الحوار الشعري بديوان رابعة الأثافي
فاطمة الزهراء محفوظ 17 أبريل 2026

يشتغل ديوان "رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين" الصادر حديثا عن منشورات النورس، على ثيمات كبرى: الوطن، الجرح، الحب، الذاكرة، والانكسار، لكن خصوصيته لا تكمن في هذه الموضوعات بقدر ما تكمن في طريقة قولها. فالوطن هنا ارتعاشة لغوية، كما يوحي عنوان القسم الأول “بعض حروف لوطن، رعشة انكسارات”، حيث يتحول الانتماء إلى سؤال مفتوح، ويغدو البوح شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية.

يقترح ديوان الشاعر المغربي عبد الرحمان بوطيب والشاعرة السورية روضة الدخيل تجربة لا تكتفي بكتابة الشعر، بل تعيد مساءلة بنيته العميقة، من خلال حوارٍ جماليّ نادر بين صوتين شعريين: الشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب والشاعرة السورية روضة الدخيل. إننا أمام عمل لا يُقرأ بوصفه تجاورًا لنصين، بل بوصفه تخلّقًا شعريًا مزدوجًا، حيث تتجاوب القصيدة مع صداها، ويُعاد إنتاج المعنى في مرآة الآخر.

منذ العنوان، تنكشف فلسفة الديوان: "خفق جناحين" كإعلان عن وحدة في الاختلاف، عن قصيدة لا تطير إلا بجناحين متقابلين، يتنازعان ويتكاملان في آن. هذه الثنائية لا تُنتج انقسامًا، بقدر ما تُفضي إلى شكل من التواشج الإبداعي، حيث يتحول النص إلى فضاء حواري مفتوح، تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع أفق الآخر، وتتحرر اللغة من أحاديتها.

يقوم البناء الداخلي للديوان على فكرة “النص والعطفة”، حيث يكتب بوطيب النص الأول، لتأتي الدخيل بعطفةٍ لا تعيد القول، بل تفككه وتعيد تشكيله. إنها ليست معارضة بالمعنى الكلاسيكي، بل كتابة موازية، تقيم علاقة شدّ وجذب مع النص الأصلي، فتارةً تنحاز إليه، وتارةً تنقلب عليه، وفي الحالتين تفتح إمكانات تأويلية جديدة. هذا ما يتجلى في بنية ديوان "رابعة الأثافي: خفق جناحين.. قصيدة بصوتين" التي تقوم على تعاقب النصوص والعطفات بشكل منتظم، مما يمنح القارئ تجربة قراءة دينامية، قائمة على الترقب وإعادة النظر.

لغويًا، ينهل النص من معين الشعرية العربية الحديثة، ويزاوج بين التكثيف والإيحاء، وبين الشفافية والالتباس. أما في العطفات، فتظهر لغة أخرى، أكثر مراوغة، تميل إلى تفكيك يقين النص الأول، وتزرع فيه احتمالات الشك والاختلاف. وهنا تتجلى قوة الديوان: في قدرته على خلق توتر خلاّق بين صوتين، لا يلغي أحدهما الآخر، بل يمنحه أفقًا إضافيًا.

يمكن القول إن هذا العمل يندرج ضمن تجارب “الكتابة المشتركة”، لكنه يتجاوزها من حيث العمق، لأنه لا يكتفي بالتقاسم الشكلي، بل يؤسس لشراكة جمالية وفكرية، تعيد الاعتبار لفكرة الحوار داخل النص الشعري. إنه ديوان يضع القارئ أمام مسؤولية مضاعفة: أن يقرأ، وأن يُقارن، وأن يُعيد بناء المعنى بين نصين، لا يكتمل أحدهما دون الآخر.

"رابعة الأثافي" نص مفتوح، يزداد ثراءً مع كل عودة إليه، لأنه يراهن على قارئ يقظ، قادر على التقاط الفروق الدقيقة بين الصوتين، وعلى الإنصات لما تقوله القصيدة وما تخفيه أيضًا.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا