إصدار أدبي جديد لمسعودة بوبكر: "غزة.. يوميّات نبض مكلوم"…. قوة الكتابة في زمن الإبادة
في هذا الزمن الصعب الذي تتعرى فيه القيم الإنسانية أمام آلة القتل، لم يعد دور المثقف منحصرا أو موقوفا على إنتاج النصوص، إنما بات عليه أن يكون صاحب موقف، يقاس بما يكتبه وبما يفعله علنا. فالثقافة، حين تنفصل عن الضمير والوجدان، تتحول إلى بلاغة لفظية، والمثقف الحقيقي عليه أن يظل منحازا للإنسان وقضاياه، رافضا أن يمنح القتلة شرعية رمزية أو أن يزين مشهد الاحتلال بأي مبرر كان، ديني أو تاريخي أو سياحي.
إن بين من يجعل الكلمة شهادة على الألم، ومن يعبر إلى الأرض المحتلة ليلتقط صورا تمنح الاحتلال مظهرا طبيعيا، تتحدد تلك المسافة الفاصلة بين الكتابة بوصفها مسؤولية وموقفا، والكتابة بوصفها على حد تعبير الروائي عبد العزيز الراشدي صيغة: للدخول في الكادر الأدبي أو الثقافي "صحة"، أو ممارسة أشبه بروتني اليومي.
ولعل أكثر ما يكشف وزن المثقف على مر التاريخ، هو امتحان اللحظات الكبرى. ففي زمن الإبادة لا تستقيم المساواة بين الضحية والجلاد، ولا يكون الحياد سوى صورة أخرى من صور الانحياز إلى القوة. لذلك يظل الفعل الثقافي الحقيقي وفاء للقضايا الإنسانية العادلة، بينما يفقد معناه كل خطاب يشرعن للتطبيع الرمزي أو يختزل مدينة القدس، بما تمثله من قضية شعب وتاريخ وحقوق، في مجرد محطة لالتقاط الصور أو استحضار بعدها الديني مع تجاهل واقع الاحتلال الذي يطوقها.
في هذا السياق، صدر للكاتبة التونسية مسعودة بوبكر كتابها الجديد "غزة يوميّات نبض مكلوم"، ليؤكد أن النص الأدبي لا يزال قادرا على أداء وظيفته الأخلاقية والإنسانية في التعبير عن الموقف إلى جانب وظيفته الجمالية، وأن الكتابة يمكن أن تكون فعل مقاومة للطمس والنسيان، وشهادة تحفظ تفاصيل المأساة في مواجهة محاولات اختزالها في أرقام وإحصاءات.
وفي تقديمه للكتاب، يذهب الأكاديمي والناقد التونسي فتحي فارس إلى أن الكتابة "الآن وهنا" أصبحت عبئا ومسؤولية في زمن الإبادة، حيث يغدو الصمت نفسه سؤالا أخلاقيا. ويرى أن مسعودة بوبكر تكتب من قلب الغصة، لا من هامش الأحداث، وأن يومياتها ولدت من قلق وجودي وأسئلة موجعة حول جدوى الكتابة أمام حجم الألم، لكنها تنتهي إلى الإيمان بأن التدوين ضرورة حتى لا ينتصر النسيان.
ويعتبر فارس أن مؤلف "غزة يوميّات نبض مكلوم" ليست مجرد نصوص وجدانية عن غزة، بل هي كتابة من داخل الانكسار الإنساني، تتحول فيها اللغة إلى مساحة إسعاف للذات وشهادة للأجيال القادمة، حيث يتداخل التوثيق بالأدب، وتصبح الكلمة وسيلة لإنقاذ المعنى من تحت الركام، وحفظ أسماء الضحايا وتفاصيل حياتهم الصغيرة التي تحاول الحرب محوها.
ويبرز هذا التقديم أن مؤلف مسعودة بوبكر يسعى إلى مراكمة الإحساس الإنساني بفظاعة وشناعة الحدث وجسامته أكثر مما يراكم الوقائع، فالألم فيه جماعي، والكتابة مواجهة له وليست هروبا منه، وهي كذلك صيغة لرفض تحويل المأساة إلى خبر عابر. وهي، في الآن نفسه، فعل مقاومة رمزية للسردية التي تسعى إلى طمس الحقيقة والتاريخ، وانحياز صريح إلى الإنسان الفلسطيني المقهور بالاحتلال.
ويتوقف فارس المتخصص في كتابة الذات في الرواية كذلك على البناء الجمالي للنص، مؤكدا أن يوميات مسعودة بوبكر تقف عند تقاطع أدب الشهادة واليوميات الأدبية وأدب الحرب، بلغة تتدفق بحرارة الحدث، بعيدة عن الزخرف البلاغي، وقريبة من نبض اللحظة، حيث تتحول التفاصيل اليومية إلى وثائق إنسانية تحفظ ذاكرة الإبادة وتقاوم برودة الأخبار وسرعة النسيان.
ويمتد مؤلف مسعودة على تسعة وأربعين يوما من الكتابة المتواصلة، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المعنى، وللتأكيد أن الكلمة وإن لم توقف آلة الحرب، فإنها تستطيع أن تحفظ الحقيقة بتوثيقها، وتمنح الضحايا صوتا وحضورا دائما في الذاكرة الإنسانية.
بهذا المعنى يقدم مؤلف المبدعة التونسية مسعودة بوبكر "غزة يوميّات نبض مكلوم" نفسه بوصفه أكثر من إصدار أدبي جديد؛ إنه موقف ووثيقة وشهادة ثقافية تنتمي إلى أدب المقاومة الإنسانية، وتعيد التذكير بأن المثقف لا يعرف بالصور وبما يعلنه من شعارات، وإنما بما يختاره وينخرط فيه من مواقف حين يعلو الموج أو يصبح الصمت سائدا، وحين تصبح الكلمة آخر ما تبقى للدفاع عن الإنسان.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس