مشروع رجل دولة يُصاغ على المقاس
رقى القائد الأعلى ورئيس اركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية الملك محمد السادس، ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن الى رتبة عميد " كولونيل ماجور ".
وشوهد ولي العهد، يوم أمس الخميس 31 يوليوز المنتهي، وهو يسير الى جانب والده الملك محمد السادس، في استعراض عسكري، خلال حفل أداء القسم للضباط المتخرجين هذه السنة من مختلف الكليات والمعاهد العسكرية والشبه عسكرية، وهو يمتشق الزي العسكري مرصع بكتفيات تحمل رتبة عميد للقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، ما يؤكد ترقيته ضمن المستحقين من باقي افراد الجيش الملكي.
وكان ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن قد حصل مؤخرا على شهادة الماجستير في تخصص العلاقات الدولية، من كلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية بمدينة بن جرير، فرع سلا.
ويشكل هذا التتويج الأكاديمي محطة بارزة في المسار العلمي، الذي اختار عن وعي هذا التخصص الاستراتيجي بالنظر إلى أهميته في فهم وتحليل التحولات الجيوسياسية العالمية، وما يرتبط به من قضايا الحوكمة والسياسات العامة، ذات الصلة المباشرة بمهام القيادة والمسؤولية المستقبلية.
وتُعد كلية الحكامة من أبرز المؤسسات الجامعية في المغرب، حيث تجمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والانفتاح على الإشكاليات المعاصرة في مجالات الاقتصاد، العلاقات الدولية، والسياسات العمومية. ويعرف عن هذه الكلية انفتاحها على النماذج التعليمية العالمية، واعتمادها على مناهج حديثة وتفاعلية في التدريس والبحث العلمي.
وقد استكمل ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، دراسته التي استمرت على مدى أربع سنوات داخل هذه المؤسسة الجامعية، حيث تابع برنامجه الأكاديمي بشكل منتظم، واجتاز بنجاح مختلف المراحل النظرية والتطبيقية، إلى أن حصل على شهادته الأكاديمية.
ويُعد هذا الإنجاز العلمي تأكيداً جديداً على العناية التي يوليها الملك محمد السادس لقضية التعليم وتكوين الأجيال الصاعدة، وفي طليعتهم ولي العهد، من خلال تشجيع التفوق العلمي والانفتاح على مختلف حقول المعرفة، بما يعزز من كفاءات الشباب المغربي في خدمة الوطن ومواجهة التحديات المستقبلية.
هذا الحدث يكرّس رؤية ملكية متواصلة تراهن على التعليم كرافعة أساسية لبناء مغرب الغد، ويجسد نموذجاً يحتذى به في الجمع بين المسؤولية الوطنية والتكوين الأكاديمي العميق.
وما دام الشيء بالشيء يذكر، فقد نشرت" Africa Intelligence " تقريرًا مفصلا عن كيفية اعداد ولي العهد لخلافة والده بعد عمر طويل، في إطار صناعة ملك الغد، حيث أوردت ان صاحب السمو الملكي مولاي الحسن يخضع لتأطير دقيق، مستلهم من النموذج الأمريكي، ويُشرف عليه اثنان من أبرز مهندسي السلطة الناعمة في المغرب: مصطفى التراب وكريم العيناوي.
الأمر لا يتعلق بمجرد إعداد أمير شاب لتولي العرش؛ بل هو عملية هندسة سياسية ونفسية محسوبة بدقة متناهية لرجل سيُدفع في قلب مرحلة شديدة التعقيد، فولي العهد، في هذا السياق، لم يعد مجرد "ابن الملك"، بل مشروع رجل دولة يُصاغ على المقاس، بعناية، وفق دفتر تحمّلات غير معلن.
مصطفى التراب، المدير العام لـ OCP، ليس مجرد تكنوقراط، فالرجل يحمل دكتوراه من MIT، أحد أعمق معاقل النفوذ العلمي والتكنولوجي الأمريكي، وهو نتاج مزدوج لتكوين فرنسي
دقيق (Ponts et Chaussées) وعقلانية أمريكية خلاقة، ومنذ سنوات، أصبح التراب أكثر من مجرد رجل أعمال، بل رمز لإعادة تشكيل البنية التحتية الذهنية للنظام، بمعادلات اقتصادية-سياسية عابرة للحدود.
أما كريم العيناوي، فهو النسخة الأكاديمية الهادئة لما يمكن تسميته بـ "الدبلوماسية الفكرية". اقتصادي تمرّس في بنك المغرب والبنك الدولي، ويتولى اليوم رئاسة Policy Center for the New South، وهو مركز تفكير صُمّم ليكون ذراعًا ناعمة للنفوذ المغربي في الجنوب العالمي.
العيناوي هو أيضًا عضو في اللجنة الثلاثية (Trilateral Commission)، تلك الشبكة العابرة للأوطان التي لا يُستدعى إليها إلا من رُسم له دور يتجاوز حدود الجغرافيا.
تعد هذه المؤسسة، أكبر المؤسسات غير الرسمية في صياغة السياسات العالمية، من الجيوبوليتيك والاقتصاد، إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ومرورًا بالأمن والعقيدة العسكرية، وحضور اسم مغربي داخلها ليس تفصيلاً... بل إشارة.، وإشارة قوية جدا.
ما نراه ليس مجرد إعداد كلاسيكي لوريث عرش، بل تهيئة دقيقة لرجل سيكون في قلب مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة المغربية.
كل المؤشرات تدل على أن الأمير مولاي الحسن يُصاغ بعناية ليكون رجل دولة حيث يتم تشكيله ليكون محور توازنات داخلية وإقليمية معقدة، في زمن تتغير فيه معالم السلطة، وتتشابك فيه الملفات الأمنية، الجيوسياسية، والاقتصادية بشكل غير مسبوق.
اختيار أسماء مثل مصطفى التراب وكريم العيناوي ليس اعتباطيًا، بل يكشف عن نية واضحة في صناعة رجل دولة بمواصفات كبيرة، تجمع بين المعرفة التقنية، الحس الاستراتيجي، والقدرة على مخاطبة النخب الدولية بنفس لغتهم وأدواتهم، والامر هنا لا يتعلق بتأطير أكاديمي أو مؤسساتي فحسب، بل عن هندسة هادئة، بعيدة عن الأضواء، تجهّز الأمير ليكون "واجهة مؤسساتية" قوية ومرنة في آن، قادرة على احتواء الصدمات المقبلة، داخليًا وخارجيًا، فنحن أمام لحظة تُبنى فيها شخصية مفصلية... لرجل سيُدفع في عمق لعبة الكبار.
الى ذلك، وخلاصة للقول، فالأمير الشاب لا يُعدّ فقط لوراثة العرش، بل يُعاد تشكيله، ذهنًا ووعيًا، على مقاس مشروع أكبر، مشروع لا يُعِد رجلًا للعرش فقط، بل يزرع العرش داخل رجلٍ تم تشكيله ليليق بزمن قادم، قد لا يشبه شيئًا مما عرفناه.







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس