وأسفاه على آسفي
أودت الفيضانات التي اجتاحت مدينة اسفي جراء التهاطلات المطرية التي لم تتعد 37 ملمترا، حسب بلاغ مديرية الارصاد الجوية، بحياة 37 شخصا، هلكوا غرقا بالسيول التي خلفت أيضا خسائر مادية كبيرة، ما كشف هشاشة البنيات التحتية لأعرق مدينة في المملكة، وفضحت زيف ادعاءات الابواق المطبلة للمسؤولين إداريا، والجهات المنتخبة التي اغتنت وتورمت ارصدتها البنكية من المال العام دون ان يكون لها وقع على حاضرة المحيط وساكنتها التي تعاني الفقر المدقع وكل أصناف التهميش.
كشفت امطار الخير التي ظل فلاحو وكسابة منطقة عبدة وجزء من قبائل الشياظمة يترقبونها بشوق مفعم بالتضرع والدعاء بنزول الغيث، بعد سنوات عجاف،- كشفت - الواقع الأليم لمدينة الفخار وفن العيطة، وأكدت بما لا يدع مجالا للشك ، ان المغرب يسير بسرعتين كما ورد في خطاب ملك البلاد ، وان لاعدالة مجالية في سياسة حكومة اخنوش ، حيث تنعم مناطق من المغرب المحظوظ بفائق العناية وكبير الاهتمام ، تبرمج لها المشاريع وتخصص لها الأموال بالملايير، في الوقت التي تبقى فيه مناطق أخرى منسية ومنبوذة من البرامج التنموية، وآسفي نموذجا حيا لذلك ، حيث تكفيها الغازات السامات وغبار الأتربة ودخان المعامل الكيماوية. وكأني بها مجرد رقعة أرضية قدرها ان تكون مصدرا للثروة، ومطرحا لنفاياتها.
جاءت المأساة التي عاشتها مدينة اسفي نهاية الأسبوع الأخير، جراء الفيضانات لتشكل صحوة متأخرة كشفت الحقائق المُرّة في التفاوتات المجالية، وأكدت ان البلاد بالفعل مقسمة الى قسمين، مغرب نافع ينعم بالأولويات في البرامج التنموية ويستأثر بكل الامتيازات، واخر هامشي لا وجود له في مذكرة المسؤولين الا كسواعد بشرية للإنتاج لتعزيز مداخيل الخزينة العامة، وأصوات انتخابية تفرز شريحة من الخلق تؤثت فضاء ات المجالس لترسيخ صورة الديمقراطية المفترى عليها.
تراجيدية المأساة التي عاشتها مدينة اسفي فضاء وساكنة جاءت لتدق ناقوس الإنذار المبكر على ضرورة إعادة النظر في السياسة التي تنهجها الحكومة في التعامل مع المواطنين بمختلف شرائحهم ومناطقهم، فالمنطق والعدالة والديمقراطية يقتضي الا يقتصر الاهتمام على مدن المركز، واغفال باقي المناطق التي تشكل الراس المال الحقيقي للبلاد.
"لا مقارنة مع وجود الفارق " كما يقول علماء الفقه، وهذه المقولة تسري على ما تعرفه عاصمة المملكة وعاصمة المحيط مثلا ، حيث الاختلاف صارخًا وواضحا بالعين المجردة، الأولى تعتبر نموذجا يُحتذى به في الحوكمة الرشيدة والتخطيط الأمثل والرؤية المستقبلية الثاقبة لاستمرارية المشاريع ، وجودة التنفيذ في رعاية المساحات العامة عالية الجودة، والصيانة الدائمة لشبكات الصرف الصحي، وسلاسة التنقل، فيما الثانية تعرف الإهمال وتقصير الإدارة الترابية المجالس المنتخبة في أداء مهامها وواجباتها، وكان الانسان المسفيوي مواطن من درجة دونية، ويشهد على ذلك تحول شوارع المدينة واحياءها بقطرات مطرية معتدلة إلى سيول جارفة، حيث غمرت المياه المنازل، وتوقفت الحياة وانقلبت رأساً على عقب في دقائق، وتحولت الافراح بنزول الغيث الى مأساة إنسانية أودت بحياة البشر وجرفت الشجر والحجر.
مأساة اسفي تساءل ضمير المسؤولين، اداريين ومنتخبين، ان كان فعلا لهم ضمير، اين الوفاء بالقسم، وأين الوعود المعسولة التي روجتموها في الحملات الانتخابية لنيل شرف تمثيل الساكنة وخدمة المدينة، وتطالب السلطات القضائية بفتح تحقيقات نزيهة وشفافة تترتب عنها الجزاءات، لينال كل مقصر نصيبه من العقاب المستحق، وإعطاء المثل لمن سولت له نفسه الاستفراد بضرع البقرة الحلوب، واستغلال المال العام، للاغتناء الفاحش مقابل التقصير في أداء المهام.
لقد ان الأوان لإعادة النظر في طرق تدبير مدينة من حجم حاضرة المحيط ذات المجد التليد والسؤدد الباذخ، وذلك من خلال تطبيق أساليب فعّالة، ورؤية مستقبلية وتخطيط واقعي، يحترم الخصائص الفريدة لأقدم مدينة في تاريخ المغرب.







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس