من استعراض القوة إلى حسابات الشرعية: إعادة تشكّل الموقف الإفريقي من نزاع الصحراء

من استعراض القوة إلى حسابات الشرعية: إعادة تشكّل الموقف الإفريقي من نزاع الصحراء
بقلم: عبد اللطيف الصافي 10 أبريل 2026

لم يعد قرار مالي سحب اعترافها بما يُعرف بـ“الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية” خطوة معزولة في سياق نزاع الصحراء المغربية، بل بات يُقرأ كحلقة ضمن مسار متدرّج يعكس تحوّلًا أعمق في المقاربة الإفريقية لهذا الملف. وتزداد دلالة هذا القرار حين يُوضع في سياقه الزمني، المتزامن مع استعراضات عسكرية لجبهة البوليساريو قرب تندوف، ومناورات جزائرية حديثة، بالتوازي مع بروز مواقف داعمة للمقترح المغربي، كما هو حال كينيا.

في هذا التقاطع بين التصعيد الميداني والتحولات الدبلوماسية، تتكشف مفارقة لافتة: فبينما تراهن بعض الأطراف على إبراز القوة كوسيلة لإعادة فرض الحضور، تميل دول إفريقية متزايدة إلى إعادة تقييم مواقفها وفق منطق مغاير، قوامه الاستقرار والبراغماتية. ذلك أن الرسائل العسكرية، بدل أن تعزز الموقع التفاوضي، باتت تُستقبل في عدد من العواصم الإفريقية باعتبارها عنصر توتر إضافي في بيئة إقليمية هشة.

بالنسبة لدول الساحل، وفي مقدمتها مالي، لم يعد ممكناً الفصل بين النزاعات الإقليمية ومخاطر عدم الاستقرار العابر للحدود. ومن ثمّ، فإن مظاهر العسكرة خارج إطار الدولة تُقابل بحذر متزايد، بل تُدرج ضمن عوامل القلق. في هذا الإطار، يمكن فهم سحب الاعتراف ليس فقط كتعبير عن موقف سياسي، بل كترجمة لتحول في ترتيب الأولويات، حيث تتقدم اعتبارات الأمن والتنمية على حساب الاصطفافات الإيديولوجية التي طبعت مرحلة سابقة.

في المقابل، يجد المغرب في هذه التحولات أرضية مواتية لتعزيز طرحه القائم على مبادرة الحكم الذاتي، التي يقدمها كحل واقعي وقابل للتطبيق. وقد ساهمت دينامية دبلوماسية نشطة، مدعومة بحضور اقتصادي متنامٍ داخل القارة، في توسيع دائرة التأييد لهذا المقترح. ويكتسب الموقف الكيني أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى وزن نيروبي الإقليمي، ما يمنح هذا التوجه بعدًا يتجاوز الإطار الظرفي إلى مؤشر على إعادة تموقع داخل شرق إفريقيا.

أما داخل الاتحاد الإفريقي، فرغم أن عضوية “الجمهورية الصحراوية” لا تتأثر مباشرة بقرارات السحب الفردية، فإن تراكم هذه المواقف يُحدث تحولًا تدريجيًا في موازين التأثير. فمع تقلص دائرة الدعم التقليدي، مقابل تنامي الحضور المغربي، يبرز احتمال انتقال النقاش من مستوى الاصطفاف السياسي إلى مستوى مساءلة جدوى هذا الوضع داخل المنظمة على المدى البعيد.

في الجهة الأخرى، تواجه جبهة البوليساريو تحديًا مركبًا، يتجلى في اتساع الفجوة بين خطاب ميداني يقوم على إظهار القوة، ومسار دبلوماسي يتطلب تراكمًا في الاعتراف والشرعية. ومع تراجع هذا الرصيد، يصبح من الصعب الحفاظ على نفس مستوى الحضور الدولي، ما قد يفرض مراجعات في الاستراتيجية المعتمدة.

في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن تحول نوعي في المقاربة الإفريقية لنزاع الصحراء: من منطق تضخيم القوة إلى منطق تدبير المصالح. وفي ظل هذا التحول، يبدو أن الكفة تميل تدريجيًا نحو الحلول السياسية الواقعية، التي تجد في مبادرة الحكم الذاتي أحد أبرز تجلياتها، مقابل تراجع جاذبية الخيارات التصعيدية في بيئة إقليمية تبحث عن الاستقرار أكثر من أي وقت مضى.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا