التوقعات الانتخابية بكلميم وخطاب الحسم المسبق

التوقعات الانتخابية بكلميم وخطاب الحسم المسبق
بقلم: عبد اللطيف الصافي 01 يونيو 2026

مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة، نشر الدكتور أونغير بوبكر، الفاعل الجمعوي المعروف بجهة كلميم وادنون، تدوينة أثارت نقاشاً سياسياً يستحق التوقف عنده. فقد انطلقت التدوينة من مناسبة سياسية تتمثل في الزيارة المرتقبة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران إلى الجهة، متسائلة عن مدى قدرة هذه الزيارة على ترميم شعبية الحزب وإمكانية حصوله على مقعد برلماني في الانتخابات المقبلة.

غير أن ما يلفت الانتباه في التدوينة ليس فقط التساؤل حول مستقبل حزب العدالة والتنمية، بل أيضاً العبارة التي وردت فيها والتي تشير إلى أن "التوقعات الانتخابية" تفيد بأن مقاعد الجهة أصبحت شبه محسومة لصالح أحزاب التحالف الحكومي، بالترتيب: التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع احتمال أن يحقق حزب العدالة والتنمية مفاجأة محدودة في بعض المقاعد النسائية.

في الظاهر يبدو الأمر مجرد قراءة سياسية للمشهد الانتخابي. لكن عند التمعن في مضمون الخطاب، تبرز مفارقة تستحق النقاش. فمن جهة، تدعو التدوينة إلى تعزيز المشاركة السياسية للشباب والنساء، وتحذر من العدمية والسلبية والعزوف، وتؤكد أن التنافس الحقيقي هو السبيل إلى تجويد السياسات العمومية وإنعاش الحياة السياسية الجهوية. ومن جهة أخرى، تقدم صورة توحي بأن النتائج الأساسية للانتخابات أصبحت معروفة سلفاً وأن الخريطة الانتخابية تكاد تكون مرسومة قبل سنة من موعد الاقتراع.

هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يمكن إقناع المواطنين بجدوى المشاركة المكثفة في انتخابات يُقال لهم في الوقت نفسه إن نتائجها شبه محسومة؟

إن الديمقراطية لا تقوم فقط على الدعوة إلى التصويت، بل تقوم أيضاً على الإيمان بأن صوت المواطن قادر على إحداث الفرق. أما حين يتم تداول فرضية الحسم المسبق باعتبارها حقيقة سياسية شبه نهائية، فإن ذلك قد يؤدي، ولو دون قصد، إلى إضعاف الحافز على المشاركة وإلى تكريس الشعور بأن المنافسة الانتخابية مجرد إجراء شكلي لا أكثر.

الأكثر أهمية أن التدوينة نفسها تلامس أحد أعطاب المشهد السياسي الجهوي حين تتحدث عن "التصحر الكبير الذي أصاب النخب السياسية وحتى المالية"، وعن استمرار هيمنة ثنائية القبيلة والمال وعجز الجهة عن إفراز بدائل جديدة وتجديد نخبها. وهي ملاحظات وجيهة تستحق النقاش. غير أن هذا التشخيص يقود منطقياً إلى نتيجة مغايرة: فإذا كانت الجهة تعاني فعلاً من أزمة نخب ومن ضعف في تجديد العرض السياسي، فإن الحاجة تصبح أكبر إلى فتح أفق المنافسة والاحتمالات، لا إلى الإيحاء بأن موازين القوى قد حُسمت نهائياً لصالح أطراف بعينها.

فالسياسة ليست علماً للتنبؤ القطعي، بل مجال للصراع الديمقراطي المفتوح. وما يبدو اليوم ثابتاً قد يتغير غداً بفعل التحالفات، والتحولات الاجتماعية، وطبيعة المرشحين، ومستوى التعبئة الميدانية، ونسبة المشاركة، وتفاعل المواطنين مع القضايا المحلية والوطنية. لذلك فإن أي حديث عن حسم المقاعد قبل انطلاق الحملة الانتخابية وغياب مؤشرات علمية موثقة يظل أقرب إلى بناء سردية سياسية منه إلى تقديم حقيقة انتخابية مؤكدة.

ثم إن السؤال المتعلق بزيارة بنكيران للجهة يكتسب بدوره أهمية خاصة. فسواء اتفقنا أو اختلفنا مع الرجل أو مع حزبه، فإن مجرد طرح سؤال تأثير حضوره السياسي يفترض ضمنياً أن المشهد الانتخابي ما يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة. فلو كانت النتائج محسومة بالفعل، لما كان هناك معنى للنقاش حول قدرة أي حزب على استعادة موقعه أو تحقيق اختراق انتخابي.

لذلك تبدو الحاجة اليوم أكبر إلى ترسيخ ثقافة سياسية تقوم على التنافس المفتوح لا على اليقينيات المسبقة، وعلى تشجيع المواطنين على المشاركة باعتبارها وسيلة للتأثير الحقيقي لا مجرد واجب مدني رمزي. فالدعوة إلى المشاركة تكتسب قوتها من الإيمان بأن الانتخابات يمكن أن تغير موازين القوى، لا من افتراض أن تلك الموازين قد تقررت سلفاً.

لقد أصاب الدكتور بوبكر أونغير حين اعتبر أن الديمقراطية لا تُمنح من السماء وأن الأوطان تُبنى بمشاركة أبنائها. لكن هذا المبدأ نفسه يقتضي الحذر من كل خطاب يوحي، بشكل مباشر أو غير مباشر، بأن صناديق الاقتراع ليست سوى محطة لإعلان نتائج سبق حسمها في المخيال السياسي قبل أن يحسمها الناخبون على أرض الواقع.

فإذا كانت جهة كلميم وادنون بحاجة إلى تجديد نخبها وإحياء ديناميتها السياسية، فإن أول خطوة في هذا الاتجاه هي الحفاظ على الإيمان بأن المنافسة ما تزال ممكنة، وأن صناديق الاقتراع لم تقل كلمتها بعد. فالديمقراطية تبدأ حين يُنظر إلى المستقبل باعتباره مفتوحاً على الاحتمالات، لا حين يُقدَّم باعتباره قدراً سياسياً مكتوباً سلفاً.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا