من يمثلون الشعب... ومن يمثلون على الشعب
في الخطاب السياسي المتداول، كثيراً ما تُستعمل مفاهيم التمثيل والنيابة والدفاع عن مصالح المواطنين وكأنها حقائق بديهية لا تحتاج إلى مساءلة. غير أن التجربة السياسية تكشف أن هناك فرقاً جوهرياً بين من يمارس التمثيل باعتباره مسؤولية تجاه الشعب ومصالحه، وبين من يحوله إلى مجرد أداء استعراضي يهدف إلى كسب المواقع والنفوذ. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين من يمثلون الشعب فعلاً، ومن يمثلون عليه.
في الحياة السياسية لا يكفي أن يصل الشخص إلى موقع التمثيل الانتخابي حتى يصبح ممثلاً حقيقياً للشعب. فهناك فرق كبير بين من يحمل هموم الناس إلى المؤسسات، وبين من يحمل المؤسسات إلى خدمة مصالحه الخاصة. وبين من يمارس السياسة باعتبارها التزاماً ومسؤولية، ومن يمارسها باعتبارها مسرحاً للأدوار والخطابات والشعارات.
يمثل الشعب أولئك الذين يظلون قريبين من المواطنين قبل الانتخابات وبعدها، والذين يعتبرون الثقة الشعبية تكليفاً لا امتيازاً، ويقيسون نجاحهم بما يحققونه من مصالح عامة لا بما يراكمونه من نفوذ شخصي. هم من ينصتون أكثر مما يتحدثون، ويعملون أكثر مما يعدون، ويعتبرون النقد حقاً للمواطن لا تهديداً لمكانتهم.
أما الذين يمثلون على الشعب فهم أولئك الذين يتقنون فنون الظهور أكثر من فنون التدبير، ويجيدون صناعة الصورة أكثر من صناعة الحلول. يظهرون في المواسم السياسية كما تظهر المنتجات في الحملات الإشهارية، يتحدثون باسم الفقراء دون أن يعيشوا قضاياهم، ويرفعون شعارات الإصلاح بينما ينخرطون في إعادة إنتاج الاختلالات نفسها التي يدّعون محاربتها.
يمثل الشعب من يربط شرعيته بخدمة الصالح العام، بينما يمثل على الشعب من يربط شرعيته بالولاءات والشبكات والمصالح. الأول يرى في المواطن شريكاً في القرار، والثاني يراه مجرد رقم انتخابي أو وسيلة للوصول إلى المواقع. الأول يراكم الثقة، والثاني يراكم المظاهر.
ولعل أخطر ما في الأمر أن التمثيل على الشعب لا يقوم دائماً على الكذب الصريح، بل كثيراً ما يقوم على إتقان أداء دور السياسي؛ لغة نضالية عند الحاجة، وخطاب اجتماعي عند الضرورة، وقرب مصطنع من المواطنين في المواسم الانتخابية، ثم اختفاء تدريجي عندما تنتهي الحاجة إلى أصواتهم.
كما أن هذا النمط من الممارسة لا يقتصر على الأفراد، بل قد يتحول إلى ثقافة سياسية قائمة على صناعة الانطباعات وتدبير الولاءات أكثر من تدبير الشأن العام. وهنا تصبح السياسة مجالاً للتسويق السياسي بدل أن تكون مجالاً للتنافس حول البرامج والرؤى والحلول.
لهذا فإن التمييز بين من يمثلون الشعب ومن يمثلون على الشعب لا يتم من خلال الخطب أو الصور أو عدد المتابعين، بل من خلال الأثر الملموس في حياة الناس، ومن خلال المواقف عند لحظات الاختبار. فالسياسة في النهاية ليست ما يقوله السياسي عن نفسه، بل ما يتركه من أثر في المجتمع.
وإذا كانت الديمقراطية تمنح الجميع حق الترشح، فإنها تمنح المواطنين أيضاً حق مساءلة من يدّعون تمثيلهم، وحق التمييز بين ممثل للإرادة الشعبية ومؤدٍ لدور الممثل السياسي. فالفرق بينهما قد يبدو ضئيلاً في مواسم الانتخابات، لكنه يصبح واضحاً عندما تبدأ مرحلة الإنجاز والمحاسبة وتحمل المسؤولية. فهناك من يمثل الشعب، وهناك من يكتفي بالتمثيل عليه.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس