وسائل التواصل الاجتماعي من وعد التحرر إلى هندسة الوعي

وسائل التواصل الاجتماعي من وعد التحرر إلى هندسة الوعي
كتب عبد العزيز كوكاس 23 يوليو 2026

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من أدوات تقنية نستخدمها لإرسال الرسائل ونشر الصور وتبادل الأخبار، إلى بيئة كاملة نعيش داخلها، ونبني عبرها علاقاتنا، ونشكّل صورتنا عن أنفسنا وعن العالم. لقد تحولت من وسائط محايدة، كما بدت في بداياتها، إلى مؤسسات خفية لتوجيه الانتباه، وترتيب الأولويات والمساهمة في صناعة الرأي العام وتحديد ما يستحق أن نراه وما ينبغي أن يظل بعيدًا عن مجال رؤيتنا.

كان عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان قد تنبأ، قبل ظهور الإنترنت بشكله الراهن، بأن وسائل الاتصال ستجعل العالم أشبه بـ"قرية كونية". لكن ما لم يكن ممكنًا استشرافه بكل وضوح هو أن هذه القرية لن تكون فضاءً متساويًا ومفتوحًا بالضرورة، وستدار من وراء واجهاتها البراقة بواسطة شركات عملاقة تمتلك البيانات والخوارزميات، وتعرف عن سكانها أحيانًا أكثر مما يعرفونه عن أنفسهم. لقد أصبح الإنسان متصلًا بالعالم كله، لكنه لم يصبح، بالضرورة، أكثر قدرة على فهمه، وأصبح محاطًا بالمعلومات، لكنه ليس أكثر معرفة، وصار قادرًا على التعبير في كل لحظة، من دون أن يعني ذلك أن صوته مسموع أو أن إرادته حرة.

تكمن المفارقة الكبرى في أن وسائل التواصل الاجتماعي تمنحنا إحساسًا قويًا بالاختيار، في الوقت الذي تضيق فيه، بصورة غير مرئية، مجال اختياراتنا. نحن نعتقد أننا نفتح هواتفنا لنرى العالم، بينما نرى في الحقيقة عالمًا انتقته لنا أنظمة حسابية دقيقة، انطلاقًا من تاريخ بحثنا، ومواقعنا الجغرافية، والأشخاص الذين نتفاعل معهم، والمدة التي نتوقف خلالها أمام صورة أو مقطع فيديو، بل وحتى المنشورات التي نقرأها من دون أن نضغط على زر الإعجاب.

كيف تستخدمنا وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تعيد تشكيل انتباهنا وذاكرتنا ورغباتنا ومواقفنا السياسية والاجتماعية؟

نظام التوصية: المعرفة كتنبؤ بالسلوك

أمام التدفق الهائل للمعلومات، أصبح من المستحيل أن يشاهد المستخدم كل ما ينشر على الإنترنت. لذلك ظهرت أنظمة التوصية بوصفها حلًا تقنيًا لمشكلة «التخمة المعلوماتية». وظيفتها المعلنة هي تصفية المحتوى وترتيبه، حتى يحصل كل مستخدم على المادة الأقرب إلى اهتماماته. غير أن هذه الوظيفة البسيطة ظاهريًا تخفي وراءها تحولا عميقًا: فالمنصة لم تعد تنتظر ما يطلبه المستخدم، وإنما تسعى إلى توقع ما قد يرغب فيه قبل أن يعبّر عنه. تُبنى حول كل مستخدم هوية رقمية موازية، تتكون من آلاف المؤشرات الصغيرة: السن، الموقع، اللغة، الميول الاستهلاكية، الاهتمامات الفكرية، نوعية الموسيقى والأفلام، والمواقف السياسية، ساعات النشاط، والأصدقاء، والأماكن التي يزورها، والوجوه التي يفضلها، وحتى الانفعالات التي تستوقفه... لا تحتاج منصة التواصل الاجتماعي إلى أن يسجل المستخدم كل ذلك في ملفه الشخصي.. فسلوكه اليومي كفيل بالكشف عنه. وفي الاقتصاد الرقمي، يُعدّ النقر معلومة، ويصبح التردد قبل النقر معلومة، ومدة المشاهدة معلومة، والعودة إلى المنشور معلومة، والمرور السريع عليه معلومة أيضًا.

لهذا، حين يبحث المرء عن ساعة أو عطر أو وجهة سفر، يجد نفسه في اليوم التالي محاصرًا بإعلانات مشابهة. وحين يشاهد مقطعًا غاضبًا أو مثيرًا، تبدأ المنصة في اقتراح مقاطع أكثر غضبًا وإثارة. ليست المسألة مصادفة تقنية، وإنما نتيجة لنظام يتعلم باستمرار من السلوك، ثم يعيد تقديم العالم في صورة يرجّح أنها ستضمن بقاء المستخدم أطول مدة ممكنة أمام الشاشة.

تعمل المنصات الرقمية في إطار ما يسمى "اقتصاد الانتباه". والخدمة التي تبدو مجانية ليست مجانية فعلًا، لأن المستخدم يدفع ثمنها من وقته وبياناته وانتباهه. فكل دقيقة إضافية يقضيها داخل التطبيق ترفع فرص تعرضه للإعلانات، وتتيح جمع مزيد من المعلومات عنه، وتحسين القدرة على توقع سلوكه. وبذلك لا يكون المستخدم مجرد زبون، بقدر ما يصبح في الوقت نفسه مادة للإنتاج وسلعة معروضة على المعلنين.

ما تبيعه شركات التواصل الاجتماعي ليس منشوراتنا كما يعتقد الكثيرون، إنها تبيع القدرة على الوصول إلينا، وعلى تصنيفنا واستهدافنا والتنبؤ باستجاباتنا. والخطر هنا يتجاوز معرفة المنصات بأننا نحب نوعًا معينًا من الأحذية أو العطور، إلى الانتقال من توقع السلوك إلى التأثير فيه: من معرفة ما قد نشتريه إلى توجيه ما سنشتريه، ومن رصد رأينا السياسي إلى اختيار الرسائل الأكثر قدرة على تعديله أو تثبيته.

من التخصيص إلى سجن المرآة

تبدو التوصيات الشخصية مريحة، لأنها تختصر علينا الوقت وتحمينا من الغرق في بحر المعلومات. لكنها قد تحول المجال الرقمي إلى مرآة لا نرى فيها إلا ما يشبهنا. وكلما تفاعلنا مع فكرة، قدمت لنا المنصة مزيدًا من الأفكار التي تؤكدها، إلى أن يبدو موقفنا وكأنه الحقيقة الوحيدة الممكنة، ويظهر المخالفون بوصفهم أقلية جاهلة أو منحرفة أو متآمرة.

هكذا تتشكل ما يسمى "فقاعات الترشيح" و"غرف الصدى"، وهما مفهومان متقاربان، لكنهما لا يعنيان الشيء نفسه: فقاعات الترشيح هي الحالة التي تقوم فيها خوارزميات المنصات بانتقاء المحتوى المقدم لنا بناءً على اهتماماتنا وسلوكنا السابق. فإذا كنت تتفاعل باستمرار مع توجه سياسي معين، ستعرض عليك المنصة مزيدًا من المواد المؤيدة له، وتقلل تدريجيًا من ظهور الآراء المخالفة. وهكذا يجد كل مستخدم نفسه داخل «فقاعة» معلوماتية شخصية، يرى من خلالها جزءًا منتقى من الواقع، من دون أن يدرك دائمًا ما حُجب عنه.

أما "غرف الصدى" فهي بيئات اجتماعية وفكرية يتجمع داخلها أشخاص يحملون آراء متشابهة، فيكرر بعضهم أفكار بعض ويؤكدونها باستمرار، كأن الصوت يرتد داخل غرفة مغلقة. ومع التكرار، تتحول القناعة المشتركة إلى ما يشبه الحقيقة المطلقة، بينما تُرفض الآراء المخالفة أو يُشكك في أصحابها.

مثال على ذلك: إذا شاهد شخص مقطعًا يروّج لنظرية مؤامرة، ثم بدأت المنصة تقترح عليه عشرات المقاطع المشابهة، فهذه فقاعة ترشيح، وإذا انضم بعد ذلك إلى مجموعة لا يتبادل أعضاؤها إلا المواد المؤيدة لتلك النظرية، ويسخرون من كل رأي مخالف، فقد دخل غرفة صدى.

لا يعيش المستخدم في «فقاعات الترشيح» و«غرف الصدى» داخل فضاء عمومي مشترك، بقدر ما يقيم داخل نسخة شخصية من الواقع. قد يحمل شخصان الهاتف نفسه، ويفتحان التطبيق نفسه، في اللحظة نفسها، لكنهما يريان عالمين مختلفين تمامًا. الأول يتلقى أخبارًا تؤكد أن المجتمع يسير نحو الانهيار، والثاني يرى أنه يحقق تقدمًا غير مسبوق. وكلاهما يظن أن ما يعرض أمامه هو المزاج العام، مع أنه ليس إلا نتيجة لترتيب خوارزمي صُمم على مقاس تفاعلاته السابقة.

والنتيجة أن الحوار العمومي يفقد أرضيته المشتركة. لذلك أصبحنا نختلف حول تفسير الوقائع وحول وجود الوقائع نفسها. وتدريجيًا يتحول الخصم من مواطن يحمل رأيًا آخر إلى كائن غريب لا يمكن فهمه. هنا تسهم الخوارزميات، حتى من دون قرار سياسي مباشر، في زيادة الاستقطاب، لأن المحتوى الهادئ والمعقد لا يجذب الانتباه بقدر ما تجذبه الفضيحة والغضب والخوف. فالمنصة لا تسأل إن كان المنشور صحيحًا أو مفيدًا للمجتمع، بل تقيس قابليته للتفاعل والانتشار.

إن الأكاذيب لا تنتشر دائمًا لأن الناس سذج، بل لأنها غالبًا أكثر إثارة وأقل تعقيدًا وأشد قدرة على لمس المخاوف الكامنة. أما الحقيقة فتحتاج إلى سياق وتدقيق وصبر، وهي قيم لا تنسجم بسهولة مع السرعة التي يقوم عليها اقتصاد المنصات.

انهيار السياق: عندما نتحدث إلى الجميع ولا نخاطب أحدًا

في الحياة اليومية نغيّر لغتنا وسلوكنا تبعًا للمكان والأشخاص. لا نتحدث في اجتماع مهني بالطريقة التي نتحدث بها وسط الأصدقاء، ولا نقدم أنفسنا أمام الأسرة كما نفعل أمام جمهور سياسي أو ثقافي. وقد بيّن عالم الاجتماع إرفينغ جوفمان أن الذات ليست جوهرًا واحدًا يُعرض بالطريقة ذاتها في كل الأحوال، بل هي بناء تفاعلي يتكيف مع طبيعة الجمهور والسياق.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي تجمع جماهير متناقضة في فضاء واحد: الأسرة، الأصدقاء، الزملاء، العمل، الطلاب، الخصوم والغرباء. وهذا ما تصفه الباحثة دانا بويد بـ"انهيار السياق". فالعبارة التي نكتبها لجمهور محدد قد تصل إلى جمهور آخر لا يعرف ظروفها ولا خلفيتها، ويعيد تفسيرها وفق سياق مختلف كليًا.

إن المنشور الرقمي قابل للانفصال عن لحظة إنتاجه. إذ يمكن اقتطاع جملة من نقاش طويل أو استعادة صورة قديمة، أو نشر مزحة خارج محيطها، فتتحول إلى دليل إدانة دائم. ما كان تعبيرًا عابرًا يصبح جزءًا من هوية رقمية ثابتة، وما قيل في لحظة انفعال يظل قابلًا للاستدعاء بعد سنوات.

لقد نشأ بذلك نوع جديد من الذاكرة: ذاكرة لا تنسى شيئا لكنها لا تفهم كل شيء بالضرورة. إنها تخزن الحدث وتحذف ظروفه، تحفظ العبارة وتستبقي الصورة، وتلقي بهما خارج الزمن الذي منحهما معناهما. ومن هنا يمكن أن تتشكل حول الفرد صورة افتراضية أقوى من حقيقته الواقعية. وقد يحاكم الإنسان اليوم بسبب ما كتبه أو نشره في عمر آخر، أو ضمن شروط اجتماعية ونفسية لم تعد قائمة.

ويزداد الأمر تعقيدًا حين تنتقل الرسائل بين الثقافات واللغات. فقد رصد الأنثروبولوجي الأمريكي مايكل ويش كيف تُقرأ مقاطع «يوتيوب» خارج سياقاتها السوسيوثقافية، فتتحول تفاصيل محلية إلى مادة لأحكام كونية جاهزة. إن الاتصال العالمي يضاعف سوء الفهم حين تنتقل الصور منفصلة عن سياقها وبسرعة أكبر من انتقال المعرفة اللازمة لتفسيرها.

دوامة الصمت: أغلبية الوهم

إذا كانت المنصات تبدو فضاءً للتعبير الحر، فلماذا يشعر كثيرون بالخوف من إعلان آرائهم؟ هنا تساعدنا نظرية «دوامة الصمت» التي طورتها الباحثة الألمانية إليزابيث نويل نيومان. وتنطلق هذه النظرية من أن الإنسان يخشى العزلة الاجتماعية، لذلك يراقب باستمرار اتجاهات الرأي السائد. فإذا اعتقد أن رأيه يحظى بالتأييد، عبّر عنه بثقة، وإذا شعر بأنه ينتمي إلى أقلية، مال إلى الصمت. وكلما صمت أصحاب رأي معين بدا الرأي الآخر أكثر انتشارًا، فيزداد أصحابه جرأة وتتسع الدوامة.

منحت منصات التواصل هذه الآلية سرعة وقوة غير مسبوقتين. فعدد الإعجابات والمشاركات والتعليقات يوحي بوجود مقياس دقيق للرأي العام، لكنه في الأغلب مضللًا. فالمحتوى الأكثر ظهورًا ليس دائمًا الأكثر تمثيلًا للمجتمع، وإنما قد يكون الأكثر إثارة أو الأفضل تنظيمًا أو المدعوم بحسابات آلية وحملات منسقة. ومع ذلك يتعامل المستخدم معه بوصفه صوت الأغلبية.

نشاهد ذلك في القضايا المشحونة سياسيًا وأخلاقيًا، حيث تنشأ بسرعة كتلة رقمية تفرض مفرداتها وأحكامها، وتوزع صكوك الوطنية أو الخيانة، والفضيلة أو الانحلال. عندها يصمت الفرد لأنه يخشى التشهير والتنمر والعزل المهني والاجتماعي. وهكذا قد تنتج المنصات إجماعًا ظاهريًا يخفي وراءه مجتمعًا مترددًا أو منقسمًا.

لكن دوامة الصمت الرقمية أكثر تعقيدًا من صورتها التقليدية، فالمنصات الرقمية لا تعكس فقط الرأي الذي يبدو سائدًا، بل تشارك في صناعته عبر تضخيم بعض الأصوات وخفض ظهور أخرى. وهذا ما يمكن تسميته «هندسة المرئي»: فما لا يظهر لا يدخل في النقاش، وما يتكرر باستمرار يكتسب مظهر الحقيقة، حتى لو كان هامشيًا في الواقع.

نحو مواطنة رقمية لا تكتفي بحماية المعطيات

لا يكفي، أمام هذه التحولات، أن ننصح الناس بعدم نشر صورهم الخاصة أو بتغيير كلمات المرور. فالمشكلة أعمق من حماية الخصوصية الفردية، إنها تتعلق بحماية استقلال الحكم، وجودة النقاش العمومي، وحق المجتمع في معرفة كيف تُرتب المعلومات وكيف تُصنع الأولويات.

نحتاج إلى تربية إعلامية ورقمية تجعل المستخدم قادرًا على التمييز بين الانتشار والحقيقة، وبين التفاعل والقيمة، وبين الرأي العام والصخب الإلكتروني. كما نحتاج إلى مساءلة قانونية وأخلاقية للمنصات الرقمية بشأن استخدام البيانات وشفافية أنظمة التوصية وحماية الأطفال ومواجهة التضليل، من دون تحويل التنظيم إلى ذريعة للرقابة على حرية التعبير.

أما الصحافة، فلا ينبغي أن تدخل سباق المنصات بالشروط التي تفرضها الخوارزميات. فعندما تقيس المؤسسات الصحافية قيمة الخبر بعدد النقرات وحده، تتخلى تدريجيًا عن وظيفتها في التحقق والتفسير ووضع الأحداث داخل سياقها. قيمة الصحافة ليست في منافسة الإشاعة على سرعتها، وظيفتها الحقيقية هي في البحث عما تحذفه المنصات: الخلفية، والتعقيد، والذاكرة، والمسؤولية.

أصبحت المعركة اليوم ليس بين من يملك المعلومة ومن يجهلها، ولكن بين من يستطيع تنظيم الانتباه ومن يُنظَّم انتباهه من الخارج. لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي زجاجًا ذكيًا يقرر أي عالم يسمح لنا برؤيته. ولذلك فإن السؤال الديمقراطي الأكثر إلحاحًا هو من يقرر مَن نسمع، وماذا نرى، وما الذي يظل خارج حقل التداول؟

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا