بين دعوة الملك إلى الثقة ورسالة الفنيدق الصامتة
قال الملك محمد السادس في خطابه بمناسبة عيد العرش: "إننا نعيش اليوم، مرحلة فاصلة في المسار التنموي ببلادنا، حيث يجب أن تسود روح الثقة والتفاؤل، على خطابات اليأس والإحباط." وهذه ليست مجرد دعوة أخلاقية إلى التفاؤل، بل هي تشخيص سياسي دقيق، وإقرار بأن بناء المستقبل يبدأ باستعادة ثقة المواطن في مؤسساته، وفي قدرة السياسات العمومية على تحسين حياته.
غير أن الثقة لا تُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالممارسات والنتائج. لذلك جاء مشهد الهروب الجماعي، "المنظم"، لشباب الفنيدق في اليوم نفسه الذي أُلقي فيه الخطاب الملكي، ليطرح سؤالًا مؤرقًا: كيف يمكن أن تسود روح الثقة، بينما يختار عدد من الشباب الهروب من الوطن بدل التشبث بأفقه؟
إن هذه المفارقة لا تعني تعارضًا بين الخطاب الملكي والواقع، بل تكشف حجم التحديات التي تواجه تنزيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع. فحين يشعر الشباب بأن فرص الشغل محدودة، وأن الارتقاء الاجتماعي أصبح أكثر صعوبة، وأن الكفاءة لا تكون دائمًا معيارًا لتولي المسؤولية، تتراجع الثقة ويتسع مجال الإحباط.
ومن هنا تصبح مسؤولية النخب السياسية والإدارية والاقتصادية مسؤولية مضاعفة. فالمطلوب منها ليس فقط تدبير الشأن العام، وإنما إنتاج الثقة، لأن الثقة هي الرأسمال الحقيقي لأي مشروع تنموي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال حكامة ناجعة، وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص، وإعطاء الأولوية للكفاءة والاستحقاق.
ولعل جهة كلميم وادنون تقدم مثالًا يستحق التوقف عنده. فوفقًا للواقع الملموس، ما تزال الجهة تعاني من اختلالات في تدبير الشأن العام، ومن ضعف دينامية المؤسسات المنتخبة في قيادة التنمية. كما أن أداء جزء كبير من النخب لم يرق إلى مستوى الانتظارات، سواء بسبب محدودية المبادرة أو ضعف قدرتها على الدفاع عن المصالح الحقيقية للجهة، وهو ما انعكس على وتيرة التنمية وعلى مستوى الثقة في العمل السياسي.
إن الرسالة التي حملها الخطاب الملكي واضحة: لا مكان لخطابات اليأس، لكن القضاء على اليأس لا يتم بالدعوة إلى التفاؤل وحدها، وإنما بإزالة أسبابه. فالثقة تُصنع عندما يشعر المواطن بأن القانون يُطبق على الجميع، وأن تدبير الشأن العام يستند إلى المقاربة التشاركية، وأن المؤسسات تستجيب لتطلعاته، وأن النخب تُحاسب على أدائها.
إن المرحلة الفاصلة التي تحدث عنها الملك تقتضي انتقالًا حقيقيًا من تدبير الأزمات إلى صناعة الأمل، ومن إعادة إنتاج النخب إلى تجديدها، ومن الاكتفاء بإعلان المشاريع إلى ضمان أثرها الملموس في حياة المواطنين. فالتفاؤل هو ثمرة الإصلاح الحقيقي، والثقة لا تُطلب من المواطنين، وإنما تُكتسب بأداء مسؤول ونتائج يشعر بها الجميع.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس