عندما تتحول ورقة التصويت إلى محكمة للحصيلة والضمير

عندما تتحول ورقة التصويت إلى محكمة للحصيلة والضمير
بقلم: ذ/ المصطفى شقرون 11 أغسطس 2026

تمر السنوات سريعا، وتنتهي الولاية التشريعية، وتقترب المواعيد الانتخابية، فتتحرك الوجوه من جديد، وتفتح المقرات، وتكثر اللقاءات، وترتفع أصوات الخطباء، ويعود بعض من غابوا طويلا ليطرقوا أبواب المواطنين من جديد، وكأن الذاكرة قصيرة، وكأن الناخب لا يملك حق السؤال والمحاسبة.

وهنا أقول لكل برلماني حملته أصوات الناس يوما إلى قبة مجلس النواب(المسرح) 

قف قليلا قبل أن تطلب صوت المواطن من جديد، واسأل نفسك: ماذا قدمت لمن وثقوا بي؟

لا تقل لنا فقط كم مرة حضرت إلى البرلمان، بل قل لنا: ماذا حملت معك من مشاكل منطقتك؟ كيف دافعت عنه؟ ماذا اقترحت؟ ماذا تابعت؟ وكم مرة عدت إلى المواطنين الذين انتخبوك لتستمع إليهم بعد أن وصلت إلى المقعد؟ أين كنت طوال الولاية؟

المواطن الذي منحك صوته لم يمنحك امتيازا شخصيا، وإنما حملك أمانة.

انتخبك لكي تكون صوته حيث لا يصل صوته، ولكي تحمل قضايا منطقته إلى المؤسسات، وتدافع عن مصالحها في حدود الاختصاصات التي يمنحها لك القانون.

فماذا فعلت؟

-         ماذا فعلت من أجل المدرسة التي تحتاج إلى الإصلاح؟

-         ماذا فعلت من أجل المستشفى والمريض؟

-         ماذا فعلت من أجل الشاب الباحث عن أفق؟

-         ماذا فعلت من أجل الطرق والبنية التحتية والعالم القروي والأحياء التي تنتظر نصيبها من التنمية؟

-         ماذا فعلت للثقافة والرياضة والبيئة والطفولة والمرأة والأشخاص في وضعية هشاشة؟

لا نطلب منك المعجزات، ولا نحملك مسؤولية ما ليس من اختصاصك، ولكن من حق المواطن أن يعرف: هل كنت حاضرا؟ هل تكلمت؟ هل اقترحت؟ هل تابعت؟ وهل دافعت فعلا؟

لا تعد إلينا بالوعود... عد إلينا بالحصيلة.

حين تعود في موسم الانتخابات، لا تبدأ خطابك بقولك: "سأفعل". ابدأ بقولك: "لقد فعلت".

ضع حصيلتك أمام المواطنين: هذه أسئلتي البرلمانية، وهذه مقترحاتي، وهذه الملفات التي دافعت عنها، وهذه اللقاءات التي عقدتها مع السكان، وهذه القضايا التي تابعتها، وهذه الأمور التي لم أستطع تحقيقها، وهذه أسباب ذلك. عندها يستطيع المواطن أن يحكم.

أما أن تغيب سنوات، ثم تظهر مع اقتراب الانتخابات، مبتسما ومصافحا ومرددا الوعود نفسها، فالسؤال سيبقى قائما: أين كنت قبل أن تحتاج إلى صوتي؟ وهل يشترى صوت المواطن؟

والأخطر أن تتحول العملية الانتخابية، في أي مكان، إلى مساومات أو إغراءات مادية.

وأقولها لكل من يفكر بهذه الطريقة: لا تجعل المال طريقا إلى ثقة الناس، لأن الثقة السياسية لا ينبغي أن تشترى.

ومن حق المواطن أن يسأل من يحاول استمالته بالمصلحة الشخصية: إذا كنت تريد مني اليوم أن أبيع لك قراري، فكيف سأحاسبك غدا؟ فالمال ينتهي، لكن آثار الاختيار قد تستمر سنوات.

وأنت أيها المواطن... لا تكن ذليلا أمام صوتك

كلمتي ليست موجهة إلى البرلماني وحده، وإنما إليك أنت أيضا، أيها المواطن.

لا تقل إن صوتي لا يساوي شيئا. صوتك يساوي الكثير.

لا تجعل حاجتك تضعف كرامتك، ولا تسمح للمال أو الولائم أو الوعود الفردية أو القرابة أو الخطابة المنمقة بأن تختار مكانك.

قد يقف أمامك خطيب بارع، يعرف كيف يحرك العواطف ويصنع التصفيق، لكن الديمقراطية لا تقوم على جمال الخطاب وحده.

اسأله: ما برنامجك؟

واسأله: كيف ستحققه؟

وإن كان قد سبق أن مثلك، فالسؤال أهم:

ماذا فعلت حين كانت لديك الفرصة؟

صوتك سيف... ولكن سيف ديمقراطي

صوت المواطن سيف، لكنه ليس سيفا للعنف أو الانتقام، وإنما سيف ديمقراطي سلمي للمحاسبة والاختيار.

به تقول للمجتهد: استمر.

وبه تقول للمقصر: كفى.

وبه تستطيع أن تمنح الثقة لمن تراه أهلا لها، وأن تسحبها ممن لم يحافظ عليها.

لذلك، قبل أن تضع ورقتك في صندوق الاقتراع، ضع المرشح في ميزان العقل:

ماذا قدم؟

ماذا يستطيع أن يقدم؟

هل يعرف مشاكل المنطقة؟

هل كان قريبا من الناس قبل الانتخابات؟

هل يتمتع بالكفاءة والنزاهة والقدرة على الدفاع عن المصلحة العامة؟

وهل يملك برنامجا واقعيا أم مجرد كلمات تنتهي بانتهاء الحملة؟

وختاما

قبل أن تطلب صوتي... أعطني حساب السنوات

أيها البرلماني، لا تغضب عندما يسألك المواطن عن حصيلتك، فالسؤال ليس إهانة لك، بل هو جوهر المسؤولية الديمقراطية.

ومن منحك صوته بالأمس يملك كامل الحق في أن يسألك اليوم:

ماذا فعلت بصوتي؟

وقبل أن تطلب منه أن يعيدك مرة أخرى إلى قبة البرلمان، قدم له حساب السنوات التي قضيتها ممثلا له.

أما أنت أيها المواطن، فلا تبع قرارك، ولا تستصغر قيمة ورقتك، ولا تجعل أحدا يفكر مكانك.

استمع إلى الجميع، ناقش الجميع، ثم اختر بحرية ووعي.

لا تصوت لمن دفع أكثر، ولا لمن صرخ أكثر، بل لمن اقتنعت بأنه قادر على أن يخدم أفضل.

فالكرسي البرلماني ليس ملكا لأحد، والنيابة ليست إرثا، والمواطن ليس مجرد رقم يستدعى يوم الانتخابات.

أيها البرلماني: قبل أن تسأل المواطن «هل ستصوت لي؟» اسأل نفسك أولا: «ماذا قدمت له حتى أستحق صوته؟»

وأيها المواطن: صوتك كرامتك، فلا تمنحه إلا لمن يستحق ثقتك.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا