المغرب وموريتانيا: بين أسباب التوتر وحسابات المصلحة.

المغرب وموريتانيا: بين أسباب التوتر وحسابات المصلحة.
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 18 أبريل 2026

تُعدّ العلاقة بين المغرب وموريتانيا من أكثر العلاقات تعقيدا وتشابكا في منطقة المغرب العربي، حيث تختلط فيها اعتبارات التاريخ والجغرافيا والسياسة والأمن، وتتشابك فيها الوقائع المعلنة مع ما يُعتقد أنه ظل طويلا في كواليس التفاهمات غير المعلنة. فمنذ استقلال موريتانيا، ظل هذا الملف رهين مد وجزر، تتخلله فترات تقارب حذر وأخرى من التوتر الصامت.

تستحضر العديد من القراءات التاريخية دور هواري بومدين في بلورة تصور إقليمي كان يهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في الصحراء، حيث تُطرح روايات تفيد بأن تأسيس جبهة البوليساريو تم بدعم إقليمي وعلى تماس مع الأراضي الموريتانية، بمنطقة الزويرات، وهو ما جعل موريتانيا تُتهم بأنها كانت، في مرحلة معينة ولا زالت، فضاء خلفيا لتحركات البوليساريو.

كما يُنظر إلى فترة حكم المختار ولد داداه باعتبارها محطة مفصلية، خصوصا بعد توقيع اتفاقية مدريد 1975 ثم الانسحاب الموريتاني من إقليم وادي الذهب سنة 1979، وهو القرار الذي فتح الباب أمام تحولات استراتيجية في النزاع، وأعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة.

وفي خضم تلك المرحلة، برز الدور الاستخباراتي والسياسي للمغرب في عهد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، حيث عملت الرباط على احتواء تداعيات تلك التحولات ومنع انزلاق الوضع نحو سيناريوهات أكثر تعقيدا، في ظل حرب استنزاف خاضتها القوات المسلحة الملكية ضد هجمات تسللية كانت تُنسب في كثير من الأحيان إلى عناصر البوليساريو المدعومين من الجزائر القادمة عبر الحدود الجنوبية الشرقية.

ورغم التحولات التي شهدتها المنطقة، ظل اعتراف موريتانيا بما تسميه "الجمهورية الصحراوية" منذ سنة 1984 نقطة توتر دائمة، إذ تعتبر الرباط هذا الموقف مناقضا لروح حسن الجوار والحياد الإيجابي، خاصة في ظل ما تقدمه المملكة المغربية من تسهيلات اقتصادية وإنسانية للموريتانيين حكومة وشعبا، وهو ما يخلق مفارقة بين التعاون العملي والاختلاف السياسي العميق.

على المستوى المجتمعي، تُطرح أحيانا تصورات عن وجود توتر أو حساسيات بين الشعبين، غير أن هذه الصورة تبقى نسبية وتختلف باختلاف السياقات والبيئات، إذ توجد أيضا روابط قبلية وتجارية وثقافية عميقة بين المغاربة والموريتانيين، تجعل من الصعب اختزال العلاقة في بعد واحد، رغم بروز بعض الخطابات المتشنجة والتصريحات العدائية والمواقف الغريبة في لحظات معينة.

في السنوات الأخيرة، وبعد التطورات التي أعقبت سنة 2020، عززت المملكة موقعها الإقليمي والدولي، ما انعكس على طريقة تعاطيها مع محيطها، بما في ذلك موريتانيا التي تواجه تحديات أمنية متزايدة على حدودها مع مالي، في ظل تحولات إقليمية متسارعة وتزايد المخاطر المرتبطة بالجماعات الإرهابية المسلحة.

وتشير بعض التحليلات إلى أن نواكشوط أصبحت تراهن، بشكل غير مباشر، على دور المغرب في تهدئة التوترات الإقليمية، خاصة بالنظر إلى علاقاته المتوازنة مع عدة أطراف دولية وإقليمية، وهو ما يضع الرباط أمام معادلة دقيقة: بين استثمار هذا الموقع لتعزيز مصالحها الاستراتيجية، أو الحفاظ على توازن إقليمي هش يجنب المنطقة مزيدا من التصعيد.

ورغم كل هذه التناقضات، أظهرت الدولة المغربية قدرة لافتة على تدبير هذا الملف بحكمة وبراغماتية، مع حرص واضح على عدم الانزلاق نحو القطيعة، كما حدث عقب الجدل الذي أثاره تصريح حميد شباط، والذي تم احتواؤه بسرعة عبر القنوات الرسمية. هذا السلوك يعكس توجها استراتيجيا لدى الرباط يقوم على الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في علاقتها مع موريتانيا، باعتبارها شريكا جغرافيا وأمنيا لا يمكن القفز عليه، مهما بلغت درجة التعقيد أو حجم التباينات السياسية.

غير أن هذا النهج المتزن يقتضي، في المقابل، مواقف واضحة من الجانب الموريتاني تترجم ما يُعلن عنه من "حياد إيجابي" إلى خطوات عملية ملموسة، من شأنها تعزيز الثقة وتجاوز إرث التوتر. ويبرز في هذا الإطار خيار تجميد أو سحب الاعتراف بـجبهة البوليساريو ما يسميه الاشقاء بموريتانيا "الدولة الصحراوية" كإجراء أساسي ينسجم مع منطق الحياد البنّاء، خاصة إذا اقترن بدعم مسار حل واقعي يضمن للصحراويين العيش الكريم داخل وطنهم وفي محيطهم الطبيعي، في إطار مشروع الحكم الذاتي، تماشياً مع توجهات مجلس الأمن الدولي، كما يعكسه قرار مجلس الأمن 2797. إن الإقدام على مثل هذه الخطوة، على غرار ما قامت به عدة دول عربية وإفريقية، من شأنه أن يساهم في تسريع إيجاد حل عادل للنزاع المفتعل، ويعزز الاستقرار الإقليمي بما يخدم مصالح الجميع.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا