ردا على ادعاءات مجلة الإيكونوميست البريطانية حول الملك- عندما تتجاوز السردية الصحفية الحقائق

ردا على ادعاءات مجلة الإيكونوميست البريطانية حول الملك- عندما تتجاوز السردية الصحفية الحقائق
بقلم: مروان القباج - ترجمها عن ماروك ابدو : محمد صالح اكليم 10 أغسطس 2026

 

نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، في عددها ليوم أمس الأحد الموافق 9 غشت الجاري، في ركن "بورتريه نهاية الأسبوع": مقالا تحت عنوان:" محمد السادس، ملك المغرب المُشتت"، وأوردت المجلة ذات التاريخ التليد، ان ملكً المغرب ضعيف، ومنعزل، ومُجرّد تدريجيًا من سلطته. ويستند هذا الطرح إلى سردية مُحكمة الصياغة: حاشية يُفترض أنها استعادت السيطرة، وجهاز دولة غارق في المراسم، وفي الخلفية، حدود مُهددة بتدفق عشرات الآلاف من المهاجرين نحو سبتة. ليس من المُستغرب أن تُثير "الإيكونوميست" تساؤلات مُقلقة. فمسؤولية السلطات المغربية في أزمة أودت بحياة العشرات تستحق المساءلة، البحث والدراسة. لكن المشكلة تكمن في أن الطرح يتجاوز الحقائق التي يُفترض أن تدعمه.

ففي محاولتها لإقحام مأساة إنسانية داخل قصة مكتوبة مسبقًا، تلاعبت المجلة البريطانية بالخط الزمني، وتبنت الأرقام الأعلى وغير الموثقة لأنها تخدم سياقها القصصي، وقدمت ادعاءات على أنها حقائق ثابتة بينما هي لا تعدو كونها مجرد تأويلات وقراءات شخصية.

لنبدأ بالمأساة نفسها. ففي ليلة 30 إلى 31 يوليو، حاول عشرات الآلاف من الأشخاص دخول سبتة في عملية هجرة جماعية بشكل غير قانوني، ولقي العشرات منهم حتفهم. إنها مأساة إنسانية غير مسبوقة تتطلب توضيحاً بشأن الاستعدادات، والمنظومة الأمنية، وانتشار الأخبار الزائفة، وإدارة الحدود.

لكن هذا الحادث لا يحول جلالة الملك إلى رئيس مخفر حدودي أو مسؤول مباشر عنه. فالإدارة اليومية للحدود تقع على عاتق الإدارات والمسؤولين الميدانيين المكلفين بهذه المهمة. إن السعي لتحديد المسؤوليات أمر مشروع، أما توزيعها عشوائياً فليس كذلك. وهنا تحديداً يطرح التسلسل الزمني ل "الإيكونوميست" إشكالية حقيقية.

لقد جعلت المجلة من "عيد العرش" ركيزة أساسية في روايتها، ملمحة إلى أن التزامات المراسيم والبروتوكول قد تكون أضعفت سرعة استجابة المنظومة الأمنية لمواجهة التوترات المتصاعدة في سبتة. ومع ذلك، فإن الأحداث المذكورة لم تقع في مكان واحد، ولا في وقت واحد.

كما جرت عليه الادة، وُجه الملك خطاب العرش إلى الأمة في مساء يوم 29 يوليو، بينما أقيم الاستقبال الرسمي في المضيق في 30 يوليو، أي في اليوم الموالي، أما التدفق الجماعي نحو سبتة فقد بدأ في ليلة 30 إلى 31 يوليو، وفيما يخص حفل الولاء، فقد أقيم يوم 31 يوليو في مدينة تطوان، ثلاثة أيام، ثلاثة أحداث، وثلاثة أماكن مختلفة. ومع ذلك، دمجتها "الإيكونوميست" في مشهد واحد: مشهد جهاز دولة مستغرق بالكامل في بروتوكولات المسؤولين الأمنيين، الذين تجمعوا على بعد 20 كيلومتراً من سبتة، لدرجة جعلتهم يهملون حتى هواتفهم، إنها صورة تعبيرية قوية، لكن على ماذا تستند؟

من كان حاضراً؟ ومن هم المسؤولون المعنيون؟ وما هي المكالمات التي أُجريت؟ وفي أي ساعة؟ وما هي التعزيزات التي تم نشرها ومتى؟ المقال لا يوضح أيًا من هذا. وأمام اتهام ثقيل كهذا، كان من حق القارئ أن يتوقع ما هو أكثر من مجرد صياغة استعراضية مشوقة. كما أن الحصيلة البشرية تتطلب الحذر والحيطة ذاتهما.

تتحدث "الإيكونوميست" عن وفاة "أكثر من 140 مهاجراً" خلال محاولة العبور، في حين أن الأرقام المتاحة تغيرت بمرور الأيام وحسب المصادر، فقد تحدث المندوب الإسباني في سبتة عن 72 ثم 88 حالة وفاة مؤكدة. وذكر رئيس الحكومة المحلية لسبتة رقم 100 أمام البرلمان الأوروبي. في حين لم تعترف وزارة الداخلية المغربية سوى بـ 11 حالة وفاة. أما رقم 141 فيأتي حصرياً من إحصاء لمنظمة "كاميناندو فرونتيراس" غير الحكومية، دون أي محاولة لمطابقته أو التحقق منه.

وبالتالي، فإن الرقم الذي اعتمدته المجلة ليس معطى قطعيًا لا يقبل الجدل، بل هو مجرد تقدير من بين تقديرات أخرى. وتقديمه دون الإشارة إلى هذه التباينات أو التحقق منه يفتقر إلى المهنية.

في أزمة غامضة كهذه، لا يعتبر الحذر ضعفاً صحفياً، بل هو بالتحديد ما يسمح بالتمييز بين الحقيقة الثابتة والتقدير الظني.

وينطبق التحفظ نفسه على التلميحات التي نُشرت دون أدنى مصدر بشأن الحالة الصحية لجلالة الملك. إن هذا النوع من الادعاءات التي تمس شخص العاهل المغربي يتطلب دقة غابت تماماً عن المقال في جميع مراحله. لا يمكن لصحة رئيس دولة أن تتحول إلى متغير سياسي يُتعامل معه كأمر مسلّم به دون أن يعرف القارئ على ماذا يستند.

ونواجه المشكلة ذاتها مع التوصيف الذي اعتمده المجلة لوصف بعض المتابعات القضائية التي تستهدف "معارضين".

أن تكون بعض القضايا القضائية محل جدل، فهو أمر يمكن تقبله في حدوده. وأن يطعن المتهمون أو محاموهم أو منظمات حقوق الإنسان في التهم والإجراءات، فهذا أيضاً أمر يمكن نقله صحفياً. لكن حسم هذا الجدل في جملة واحدة، كما فعل المقال، يعد مصادرة لوعي القارئ واتخاذ القرار بدلاً منه.

يمكن للتحقيق الصحفي أن يعرض وجهات النظر المعارضة، لكن لا ينبغي له أن يتعامل مع توصيف حقوقي أو سجالي على أنه حقيقة قضائية مطلقة دون تقديم أي دليل. ثم نصل بعد ذلك إلى الطريق السريع تزنيت-الداخلة.

تقدم المجلة تسمية الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة على طول 1055 كلم، والذي انجر في إطار البرنامج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية باسم الرئيس دونالد ترامب على أنه قرار اتُّخذ "في أعقاب أزمة سبتة"، مما يعطي الانطباع بأن القصر كان يتصرف كرد فعل على أزمة الهجرة.

إلا أن دونالد ترامب كان قد أعلن علنًا في 26 يوليوز أن الطريق السريع سيحمل اسم "طريق الرئيس دونالد ترامب السريع"، أي قبل أربعة ايام من الخطاب الملكي في 29 يوليو وقبل أزمة سبتة بكثير. بل إن ترامب نفسه شكر الملك حمد السادس على هذا التكريم وأعرب عن رغبته في السفر عبر هذا الطريق كاملاً يوماً ما.

هنا يصعب القفز على الحقائق الزمنية؛ فالإعلان العام سبق الأزمة، وبالتالي، فإن تقديم هذا القرار كأحد تداعيات أحداث سبتة يعد قلباً صريحاً لترتيب الأحداث.

هذا ليس تفصيلاً عابراً، ففي مقال يسعى بالتحديد إلى إثبات أن القصر استخدم المراسيم والإعلانات الرسمية لتحويل الأنظار عن كارثة إنسانية، يصبح التسلسل الزمني ركيزة أساسية وجوهرية لبناء هذا الاستنتاج.

ولم ينته الأمر عند هذا الحد؛ إذ يزعم المقال أن التلفزيون الحكومي المغربي ظل مستغرقاً في فخامة وبروتوكولات النخبة في الوقت الذي كانت فيه صور المهاجرين تجوب العالم.

مرة أخرى، يبدو هذا التناقض فعالاً وصادماً في آن واحد؛ فخامة السلطة من جهة، ومعاناة المهاجرين من جهة أخرى. لكن المقال لا يقدم العناصر التي تسمح بقياس هذا الغياب المزعوم لرد الفعل. فلا يوجد أي تحليل لشبكة البرامج، ولا مراجعة لنشرات الأخبار، ولا مقارنة للتغطية الإعلامية، ناهيك عن عدم الاستشهاد بأي رصد مستقل للمحتوى.

وهنا أيضاً، لا تكفي الصورة التعبيرية القوية لتشكل دليلاً حاسماً.

ربما هذا هو أكثر ما يثير الانزعاج في هذا البورتريه؛ فالمجلة" تتبنى أطروحة مفادها أن الملكية عادت تدريجياً إلى عاداتها القديمة، وأن المحيط الملكي اكتسب وزناً أكبر مع تمركز السلطة، وأن البروتوكول انتصر في النهاية على إدارة الأزمات. لكن هذه القراءة لا تعفي أبداً من ضرورة الفصل بين الحقائق والاستنتاجات.

إنه لمن العبث الادعاء بأن أزمة سبتة لا تطرح علامات استفهام على المغرب؛ بل هي تطرح أسئلة جدية للغاية: كيف تمكن عشرات الآلاف من الأشخاص من التدفق نحو الحدود في فترة زمنية قصيرة كهذه؟ ولماذا لم تسمح آليات الاستباق والتنبؤ بتقدير تعبئة بهذا الحجم؟ وما الدور الذي لعبته شبكات التواصل الاجتماعي والأخبار الزائفة؟ وهل كانت الأجهزة الأمنية تتوفر على المعلومات الاستخباراتية اللازمة؟ هذه أسئلة حقيقية، وتستحق إجابات حقيقية. لكن طرحها لا يبرر إطلاقاً جعل جلالة الملك مسؤولاً مباشراً عن كل خلل إداري. إن صحيفة بمكانة وسمعة "الإيكونوميست" تملك كامل الحق في مساءلة السلطات، شريطة الاعتماد على حقائق مثبتة ومؤكدة.

إنّ السرد الصحفي الجيد ليس مجرد قصة عابرة، بل هو مسؤولية جسيمة، لأنه يتضمن معطيات يجب التحقق من صحتها مسبقًا. ولا يجوز أبدًا أن تطغى أناقة القصة على الحقيقة.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن مجلة الإيكونوميست كان بإمكانها تجنب بعض الأخطاء لو راجعت عملها بنفسها حسب ما تتطلبه اخلاقيات مهنة الصحافة كما هو متعارف عليه كونيا.

قبل بضعة أشهر فقط، في سبتمبر 2025، قدمت نفس المجلة المغرب كقوة تجارية وصناعية صاعدة، مسلطة الضوء على الاستثمارات الصناعية التي بلغت حوالي 40 مليار دولار أمريكي منذ عام 2020، والنمو المستمر للصادرات. هذا ليس المغرب الذي يمكن بناؤه في ظل ملك مهمل، مُجرّد من سلطته من قِبل حاشيته.

كما أشارت الإيكونوميست، قبل بضعة أشهر أيضًا، إلى حجم ما تم بناؤه في الأقاليم الجنوبية (طرق، مدارس، مستشفيات، موانئ، واستثمارات مستدامة). إذا كانت مجلة الإيكونوميست، التي عادةً ما تحرص على فهم العالم كما هو، تجد صعوبة في استيعاب المنطق المغربي، فإن حوارًا مع زملائها في الصحافة المغربية أو زيارة ميدانية من شأنه أن يزودها بلا شك بأطر تحليلية مفيدة. قد تجد هناك ما يساعدها على فهم ما اختزلته، في تقريرها، إلى مجرد بروتوكول: مراسم البيعة نفسها. إن البيعة ليست استعراضًا باهرًا يمكن تصنيفه ضمن موكب أو حفل استقبال. إنها ميثاق عمره آلاف السنين، يسبق وجود معظم الديمقراطيات الغربية بعدة قرون، يربط المواطن بملكه برباط وثيق لا ينفصم، يختلف في طبيعته عن ذلك الذي تُرسيه الانتخابات، وهو رباط يصعب على التحليلات القائمة فقط على أسس العقد الانتخابي فهمه. إن اعتبارها مجرد استعراض للقوة هو بمثابة تقييم مؤسسة بأدوات لم تُصمم لها. وهذا بالتأكيد أفضل من صورة تُبنى من بعيد، استنادًا إلى تسلسل زمني مُعاد بناؤه وتأكيدات لا يدعمها أي مصدر.

في الصحافة، ليست المشكلة في أن تكون الرواية قوية. المشكلة تبدأ عندما تصبح الرواية أقوى من الوقائع التي يفترض أن تحملها.

فالرواية الصحفية الجميلة ليست مجرد حكاية تُروى. إنها مسؤولية، لأن وراء كل جملة حقيقة يفترض التثبت منها. وحين تتقدم براعة السرد على صرامة التحقق، فإن الصحافة لا تعود تفسر الواقع، بل تبدأ في إعادة صياغته.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا