جهة كلميم واد نون: اسئلة ملحة حول الجدوى من برمجة مشاريع بأزيد من 18 مليار درهم

جهة كلميم واد نون: اسئلة ملحة حول الجدوى من برمجة مشاريع بأزيد من 18 مليار درهم
محمد صالح اكليم 16 يوليو 2026

في الوقت يترقب فيه سكان جهة كلميم واد نون حلولا عملية لمعضلات التشغيل، وتحسين الخدمات الصحية، والرفع من جودة التعليم، وجلب الاستثمارات القادرة على خلق الثروة وفرص الشغل، اختارت الجهة أن تعلن انضمامها إلى برنامج "المدن الخضراء" الذي يقوده البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.

مؤخرا، تم تقديم خارطة طريق تضم 29 مشروعا باستثمارات تقدر بحوالي 18.3 مليار درهم، إضافة إلى نحو 5 مليارات درهم كنفقات تشغيل. وهي أرقام جد ضخمة توحي لأول وهلة بأن الجهة مقبلة على أكبر ورش تنموي في تاريخها، غير أن العودة إلى الوثائق الرسمية تكشف أن الأمر لا يتعلق بمشاريع ممولة أو جاهزة للتنفيذ، بل بخارطة طريق مستقبلية، في حين أن الجزء الأكبر من التمويل لم يتوفر بعد، ولا تزال تعبئته رهينة بجهات مانحة ومؤسسات تمويل دولية. وهنا يبرز أول سؤال: هل نحن أمام مشروع تنموي متكامل، أم أمام رؤية طموحة لم تجد بعد من يمولها؟

ولفهم هذا الملف، لا بد من العودة إلى خصوصية جهة كلميم واد نون، فالجهة تمتد على مساحة تناهز 46 ألف كيلومتر مربع، لتكون من أكبر جهات المملكة مساحة، لكنها تضم، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان لسنة 2024، ما يربو عن نصف مليون نسمة بقليل، أي بكثافة سكنية لا تتجاوز 11 نسمة في الكيلومتر المربع، وهي من أدنى الكثافات السكانية بالمغرب. كما أن بنيتها الاقتصادية تختلف جذريا عن الجهات الصناعية الكبرى، إذ يعتمد اقتصادها أساسا على الإدارة العمومية، والفلاحة، والصيد البحري، والخدمات، مع غياب شبه تام للصناعات الثقيلة التي تشكل المصدر الرئيسي لانبعاثات الغازات المضرة بالبيئة. لذلك يطرح الواقع نفسه سؤالا بسيطا لكنه عميقهل تعكس هذه الخارطة أولويات جهة كلميم واد نون، أم أنها تعكس أولويات برامج التمويل الدولية أكثر مما تعكس الحاجيات التنموية الفعلية للساكنة؟

ومن بين أكثر الأرقام إثارة للانتباه في هذه الخارطة، ذلك الذي يتحدث عن خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي 730 ألف طن سنويا، رقم ضخم يوحي بأن الجهة تواجه تحديا بيئيا استثنائيا، لكن الواقع الاقتصادي لا يبدو منسجما مع هذا الانطباع. فكلميم واد نون لا تحتضن مصانع للسيارات أو الطائرات، ولا مركبات كيميائية أو صناعات معدنية ثقيلة أو معامل إسمنت أو مصافي تكرير، وهي القطاعات المعروفة عالميا بكونها المصدر الأكبر للانبعاثات الكربونية. والأكثر من ذلك أن الوثيقة الرسمية للبرنامج لا تنشر جردا مفصلا للانبعاثات الحالية حسب القطاعات الاقتصادية، ولا تعرض المنهجية العلمية التي اعتمدت للوصول إلى رقم 730 ألف طن، كما لا تبين مقدار مساهمة كل واحد من المشاريع التسعة والعشرين في تحقيق هذا الهدف. وهو ما يجعل من المشروع موضوع تساؤلمن أين جاء هذا الرقم؟ وهل يستند إلى قياسات ميدانية دقيقة، أم إلى نماذج وتوقعات مستقبلية يصعب التحقق منها في ظل غياب المعطيات المرجعية المنشورة؟

وتزداد هذه التساؤلات مشروعية عند مقارنة جهة كلميم واد نون بجهة الدار البيضاء–سطات، التي تستحوذ على ما يقارب 60 في المائة من الصناعات التحويلية بالمغرب، وتضم أكبر تجمع صناعي بالمملكة، وأكبر ميناء تجاري، وأعلى كثافة سكانية، وهي الجهة التي تتركز فيها النسبة الأكبر من الأنشطة الاقتصادية المولدة لانبعاثات الكربون. وإذا كان المنطق البيئي يقتضي أن تكون الأولوية موجهة إلى الجهات الأكثر تلوثا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هولماذا لم تكن جهة الدار البيضاء–سطات أول المنخرطين في برنامج بهذا الحجم، بينما أصبحت جهة كلميم واد نون، وهي من أقل الجهات تصنيعا ومن أضعفها كثافة سكانية، أول جهة مغربية تدخل برنامج المدن الخضراء؟ وهل جاء هذا الاختيار بناء على معايير بيئية دقيقة، أم أن الأمر يرتبط أكثر بفرص التمويل الدولي المتاحة؟

ويجر هذا السؤال معه ملفا آخر لا يقل حساسية، يتعلق بالتمويل نفسه. فالوثائق الرسمية تؤكد أن الجزء الأكبر من الموارد المالية اللازمة لتنفيذ خارطة الطريق لم يتوفر بعد، وأن تعبئته ستتم على مراحل. كما سبق للجهة أن استفادت من قرض من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لتمويل مشاريع مرتبطة بالماء. والاقتراض في حد ذاته ليس إشكالا، بل قد يكون أداة ضرورية عندما يوجه إلى مشاريع ذات مردودية اقتصادية واجتماعية واضحة، غير أن اللجوء إلى القروض من أجل مشاريع ما تزال أولويتها محل نقاش يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعةمن سيتحمل كلفة هذه الديون؟ وما حجم الفوائد المترتبة عنها؟ وهل تستطيع ميزانية الجهة مستقبلا تحمل التزامات مالية إضافية دون أن يؤثر ذلك على قدرتها على تمويل قطاعات أكثر إلحاحا؟

واللافت أن الوثيقة نفسها تعتبر أن أبرز التحديات التي تواجه جهة كلميم واد نون تتمثل في نذرة المياه، والجفاف، والتصحر، والإجهاد المائي، وارتفاع درجات الحرارة، والفيضانات المفاجئة، وهي تحديات ترتبط أساسا بالتكيف مع التغيرات المناخية أكثر من ارتباطها بالانبعاثات الصناعية. وإذا كانت هذه هي المخاطر الحقيقية التي تواجه الجهة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هوهل جرى ترتيب الأولويات بما ينسجم مع واقع الجهة، أم أن بريق عناوين مثل "الاقتصاد الأخضر" و"الحياد الكربوني" أصبح يتقدم على المطالب اليومية للمواطنين في التشغيل والصحة والتعليم والاستثمار؟

خاصة القول، ان هذه التساؤلات ليس بغاية رفض حماية البيئة أو التشكيك في أهمية التنمية المستدامة، بل هي نابعة من مبدأ أساسي يرمي الى ترشيد وتدبير المال العام، وترتيب الأولويات قبل ترتيب الديون. فالاقتراض ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة ينبغي اللجوء إليها عندما يتعلق الأمر بمشاريع ذات مردودية واضحة وقادرة على تحسين حياة المواطنين بشكل مباشر. أما اللجوء إلى القروض لتمويل مشاريع ما يزال جدواها وأولويتها محل نقاش، فإنه يفتح الباب أمام مخاطر حقيقية ترتبط بتراكم المديونية واستنزاف الموارد المالية للجهة في المستقبل.

فكل درهم يقترض اليوم هو التزام مالي سيستوجب سداده غدا، مع ما يرافق ذلك من فوائد وتكاليف قد تحد من قدرة الجهة على الاستثمار في قطاعات أكثر إلحاحا. كما أن التمويلات الدولية، مهما كانت أهميتها، ترتبط عادة بأطر تعاقدية وشروط والتزامات ينبغي أن تكون معلنة للرأي العام بكل شفافية، حتى يعرف المواطن طبيعة الالتزامات التي تتحملها مؤسساته المنتخبة. والسؤال الذي يجب أن يسبق أي توقيع على قروض جديدة ليسهل نستطيع الاقتراض؟ بلهل نحن في حاجة فعلية إلى هذا القرض؟ وهل سيخلق قيمة مضافة تبرر تكلفته؟ لأن فاتورة الديون لا تؤدى يوم توقيع الاتفاقيات، وإنما تمتد لسنوات وربما لعقود، وقد تجد الأجيال القادمة نفسها مطالبة بتحمل كلفة خيارات لم تشارك في اتخاذها. فالتنمية الحقيقية لا تقاس بحجم الأموال المقترضة ولا ببريق العناوين، بل بقدرة كل درهم من المال العام على خلق الثروة، وتحسين جودة الحياة، وبناء مستقبل أكثر استدامة... لا مستقبل مثقلا بالديون.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا