لباس أهل الصحراء... هوية متجذرة في عمق الثقافة الحسانية - الحلقة الثانية
يعتبر اللباس التقليدي في الصحراء أكثر من مجرد غطاء للجسد، فهو رمز من رموز الهوية الثقافية الحسانية، وعنوان يختزل تاريخا ممتدا عبر قرون، وموروثا اجتماعيا وثقافيا حافظ عليه أهل الصحراء جيلا بعد جيل. وبين الدراعة التي يرتديها الرجال، والملحفة التي تتزين بها النساء، تتجلى معالم هذا الزي العريق الذي يعكس أصالة الصحراء وارتباط أبنائها بجذورهم.
الدراعة.. زينة الرجال وعنوان الوقار
يحرص الرجال الصحراويون على ارتداء "الدراعة"، وهو ثوب أنيق فضفاض، يخاط عادة من قماش يعرف بـ"البزان"، يستورد أساسا من معامل النسيج الأوروبية التي تعتمد القطن في صناعته. يبلغ طول القماش عشرة أمتار، ويتميز بجيب أمامي كبير، محاط بزخرفات يبدع الخياطون التقليديون في تطريزها بأشكال هندسية بديعة. ويعتبر التطريز اليدوي أجود الأنواع، حيث يستغرق إنجازه نحو عشرة أيام، بخلاف تلك التي تنجز عبر الماكينات في أقل من يومين.
في الماضي، كان لهذا الزي أسماء متعددة، إذ كان يعرف بـ"المظلع" أو "بلمان"، في ما كانت دراريع بيضاء من الجهة الموالية للجسد والجهة الاخرى لونها أزرق تسمى دراريع ” باخَ” ، ( واللون الازرق عند مجتمع البيظان يطلق عليه ” اللون لخظر ) وقد اشتهرت النساء وحدهن بخياطة هذه الأنواع، حيث كان القماش يصل أحيانا إلى ثلاثين مترا ويعرف حينها باسم "بيصة"، وكانت حكرا على علية القوم
ومع دخول الالة وتطور وسائل الخياطة، ظهرت تصاميم جديدة أكثر تنوعا وجاذبية، وزاد الإقبال في السنوات الأخيرة على خياطة "لكور" التي استوحت من قبائل الوولف السنغالية. وتتراوح أسعار الدراعة اليوم ما بين ألفي درهم وخمسة آلاف، حسب جودة القماش ونوعية الزخرفة. ورغم إغراق الأسواق بالأنواع الصينية الرخيصة، إلا أن الصحراويين مازالوا يميزون بين الأصلي والمقلد، محتفظين بعلاقة وجدانية مع هذا الزي الذي تذكر بعض الروايات أن أصوله إفريقية، وصل مع قوافل الملح عبر طرق التجارة القديمة من مالي.
وتحضر الدراعة في جميع المناسبات الدينية والاجتماعية، خاصة في شهر رمضان والأعياد، لتؤكد مكانتها كرمز للوقار والهيبة في المجتمع الصحراوي.
الملحفة.. سر أنوثة المرأة الصحراوية
إذا كانت الدراعة تمثل أناقة الرجل الصحراوي، فإن الملحفة هي عنوان جمال المرأة ورمز أنوثتها. وهي قطعة قماش طويلة يصل طولها إلى أربعة أمتار وعرضها متر ونصف، تلف حول الجسد وتربط عند الكتفين، لتغطي كامل البدن عدا اليدين والوجه. وتلبسها الفتيات منذ بلوغ سن الصيام، لتصبح زيا إلزاميا يرافق المرأة في حياتها اليومية وفي المناسبات على حد سواء.
وتتنوع أنواع الملاحف بحسب القماش وجودته ومكان استيراده. فبعضها يستورد من موريتانيا، خاصة من مدينة كيهيدي الشهيرة بالصباغة التقليدية، بعد أن يجلب القماش الخام من آسيا. وتبدأ أسعارها من 300 درهم وقد تصل إلى 1000 درهم. أما الأنواع الصينية المعروفة بـ"ملاحف كاز"، فهي الأرخص إذ لا يتجاوز ثمنها 50 درهما، وتتميز بألوانها الزاهية. وهناك أيضا ملاحف "كنيبة" الفاخرة التي تنتجها مصانع هندية وإندونيسية، وتباع ابتداء من 700 درهم، إضافة إلى "بيرسي" و"أكنيبة" التي توفرها الأسواق بأسعار تتراوح بين 200 و300 درهم
وتتربع "ملحفة النيلة" على عرش الملاحف الفاخرة، إذ تتميز بلونها الأزرق الداكن الذي يترك صباغة على الجسد، ويعتبر رمزا جماليا وصحيا في الوقت ذاته، إذ تستعمل مادتها كقناع للعناية بالبشرة وتوحيد لونها. وتلبس خصوصا في الأعراس، حيث ترتديها العروس مع الثوب الأبيض، وتستورد أجود أنواعها من تيندوف بالجزائر، رغم أن منشأها الأصلي هو الهند. وتتراوح أسعارها ما بين 2000 و3000 درهم، بينما توجد بدائل رخيصة لا تتجاوز 100 درهم.
اقم صلوات الوجدي بين المعارف
على وله من لابسات الملاحف
عشية راق الجو وانداح افقه
وماس بارواح الشتا والمصائف
تمشين في رمل اثيل ممطء
يطان على أطرافها وشراشد
وجادبنا هبات النسيم معاطف
وادلين من ابرادها بمعاطف
وكم زاد في حسن الجوه سوادها
وقد الف الاضداد حسن تخالف
لبسن بها الستر الجميل جادرا
وشلن نعام الغيد بين المواقف
وخلفن من خلف غنج الدلال وسحره
صريعا على اعتابها والمشارف
وتختلف ألوان وزخارف الملحفة بحسب عمر المرأة ومكانتها الاجتماعية. فالشابات يفضلن الألوان الزاهية والزركشات المتنوعة، بينما تميل النساء الأكبر سنا إلى الألوان الداكنة والتصاميم البسيطة. وبالرغم من اجتياح الموضة العصرية، لا تزال الملحفة صامدة كرمز للهوية الحسانية، تتوارثها النساء جيلا بعد جيل، وتوصي الأمهات بناتهن وحفيداتهن بالحفاظ عليها، باعتبارها موروثا لا يقدر بثمن.
عَيْنِي مَلتْ اتْغَيوِينِي
لاَبُد لَكْ مَنْ تَعْمِيهَا
مَا تَوْكَفْ كُونْ عْلَ عَيْنِي
ولاَ تَكْعَدْ يَكُونْ عْلِيهَا
ولْعَيْنْ أَضْعَفْ منْ دِيكْ لْحَالْ
مَانَلاَّ مَا تَحْمَلْ مثْقَالْ
ذَرَّةْ مَنْ شِي لاَهِي يَنْكَالْ
عْلِيهَا وْشْكَالْ عْلِيهَا
لَوْكُوفْ أُلَكْعَادْ الكَيالْ
عْلِيهَا وْتَّكِّي عْلِيهَا
سوق اللباس الصحراوي.. بين الأصالة والتجديد
عرفت مدينة كلميم، بوابة الصحراء، بوجود شارع مولاي هشام أو ما يعرف بشارع موريتان، الذي يعد وجهة أساسية لاقتناء الدراعة والملاحف بمختلف أنواعها. وتزداد الحركة التجارية في هذا الشارع خلال شهر رمضان والأعياد الدينية، حيث يقبل الزبائن بكثافة على شراء الملابس التقليدية استعدادا للمناسبات.
ويعكس هذا الحضور القوي للزي الصحراوي في الأسواق مدى ارتباط المجتمع به، إذ لم يعد مجرد لباس تقليدي، بل صار علامة مميزة تعكس الهوية والانتماء، ومصدرا للفخر لدى الصحراويين في المغرب وخارجه
اللباس الصحراوي.. هوية ممتدة عبر الزمن
رغم العولمة واندماج المجتمعات في أنماط اللباس العصري، ظل الصحراويون أوفياء لزيهم التقليدي. فالدراعة لدى الرجال والملحفة لدى النساء ليستا مجرد ملابس، بل رموزا للحشمة والوقار والجمال، وذاكرة حية تختزن عادات وقيم المجتمع الحساني.
ومن المثير أن المواد الأولية لهذه الملابس –سواء القطن أو الأقمشة الفاخرة– كلها مستوردة من الخارج، غير أن أهل الصحراء أضفوا عليها طابعا محليا خاصا جعلها تكتسب مكانة فريدة في الثقافة المغربية.
وبين أصالة الماضي وتجديد الحاضر، يظل لباس أهل الصحراء عنوانا بارزا لهوية ضاربة في العمق، ورمزا من رموز التنوع الثقافي المغربي الذي يجعل من المملكة فسيفساء غنية باللباس والتقاليد، حيث لكل منطقة زيها المميز، لكن الملحفة والدراعة تبقيان شاهدا على عراقة الصحراء المغربية وثرائها الثقافي والإنساني.
مانبغي نمشي عن دبشي
فالدنيا ونزيد الدبشة
يغير يلالي يد من شي
مانبغيلو يمشي وامشه
هي الدنيا يالي عزيت الدنيا راه يالك فاغنيت
الدنيا فيه الا تميت
ف الغفلة عن ربك نفشه
عدل فيه كد لكديت
اتعدل من حسنه رمشه
فحياتك كانك ياتيت
توخظ منه وقت الرهسه
تجبرو كدامك الا جيت
تتغده بيه او تتعشه
الدنيا يا صحت لخبار
يلي تبغي فيها قرار
راهي لك ماهي دار
ممتع فيها مفلشة
فيه اجيك انهار ازدهار
مانك عادي بيك الكلشه
وانهار عليك اوخر يمرار
عليك لي ريتو رهشة
وانهار الا بيك تفكريش
تتبختر فيه وتتمشي
وانهار اعود اغداك العيشي
وانهار يعود اغداك انشه
صحفي متدرب







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس