الأشخاص في وضعية إعاقة بين الواقع والمواقع
يخلد المغرب في 30 مارس من كل سنة اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة، وهي مناسبة يفترض أن تتجاوز طابعها الرمزي نحو مساءلة حقيقية للسياسات العمومية. لأن الحديث عن هذه الفئة لم يعد يحتمل المجاملة، بل يستدعي لغة الأرقام، حين تكون صادرة عن مؤسسات رسمية المفروض أنها لا تكذب، ولا تجامل أحدا.
لنبدأ من التعليم، حيث تكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط، المستقاة من نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، أن نسبة التمكن من القراءة والكتابة لدى الأشخاص في وضعية إعاقة لا تتجاوز 35.4 بالمائة، مقابل أكثر من 75 بالمائة لدى عموم السكان، ما يعني أن حوالي 64 بالمائة في وضعية أمية. الأخطر من ذلك أن 67.7 بالمائة منهم لم يلجوا المدرسة أصلاً، وترتفع هذه النسبة إلى 77.6 بالمائة في صفوف النساء، خاصة في العالم القروي. أي إدماج هذا الذي نتحدث عنه، وثلثا هذه الفئة خارج المدرسة منذ البداية؟ وأي تكافؤ للفرص يمكن الحديث عنه دون تعليم؟
ننتقل إلى سوق الشغل… حيث تزداد الصورة قتامة
فحسب معطيات مستمدة من البحث الوطني حول الإعاقة الذي تشرف عليه وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، فإن نسبة النشاط الاقتصادي لدى الأشخاص في وضعية إعاقة لا تتجاوز حدودًا ضعيفة، بينما تصل نسبة البطالة إلى حوالي 67 بالمائة، وهي نسبة تفوق المعدل الوطني بأضعاف.
بمعنى آخر، نحن أمام فئة مقصية من التعليم أولاً، ثم تُقصى مرة ثانية من سوق الشغل. فهل الإعاقة هنا جسدية؟ أم أن الإعاقة الحقيقية تكمن في المنظومة؟
أما على مستوى الولوجيات، فالوضع لا يقل خطورة
تقارير مؤسساتية، من بينها خلاصات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، تؤكد استمرار ضعف الولوج إلى المرافق العمومية والخاصة، وصعوبة التنقل داخل الفضاءات الحضرية، وغياب تهيئة ملائمة للأرصفة ووسائل النقل، فضلاً عن فوارق مجالية صارخة بين المدن والقرى.
بعبارة أوضح، فإن الشارع غير مهيأ، والإدارة غير مهيأة، النقل والتنقل غير مهيأ. فكيف نطالب الشخص في وضعية إعاقة بالاندماج في مجتمع لم يُهيأ له أصلاً؟.
بل إن الإقصاء لم يعد فقط مادياً، بل امتد إلى المجال الرقمي، حيث تشير نفس التقارير إلى وجود فجوة رقمية واضحة، خاصة في الوسط القروي، تحرم هذه الفئة من فرص التعلم والعمل والخدمات الرقمية.
ورغم وجود ترسانة قانونية مهمة، تنص مثلاً على تخصيص نسبة من مناصب الوظيفة العمومية لفائدة الأشخاص في وضعية إعاقة، فإن التقارير المؤسساتية نفسها تؤكد أن تفعيل هذه الإجراءات يظل محدوداً على أرض الواقع، ما يطرح إشكال الانتقال من النص إلى التطبيق.
لنكن أكثر وضوحاً، الإعاقة في المغرب لم تعد مجرد وضعية فردية، بل تحولت في كثير من الحالات إلى نتيجة مباشرة لإعاقة السياسات العمومية نفسها. حين تؤكد أرقام المندوبية السامية للتخطيط أن أغلبية هذه الفئة خارج المنظومة التعليمية، فالمشكل ليس في الشخص، بل في المدرسة التي لم تتكيف معه.
وحين تكشف معطيات وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة عن نسب بطالة صادمة، فالعجز ليس في الكفاءة، بل في سوق شغل لا يعترف بالاختلاف. وحين ينبه المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى ضعف الولوجيات، فالإعاقة ليست في الجسد، بل في هندسة المدن.
إننا، ببساطة، أمام إقصاء مُمنهج، وإن كان غير معلن
إقصاء يبدأ من المدرسة، ويمر عبر الشارع، وينتهي عند باب الشغل.
عندما قررت إنهاء عنوان هذه المقالة بجملة (ين الواقع والمواقع)، لم أكن ألعب بالكلمات، بل أضع الأصبع على مفارقة عميقة. بين واقع يومي مليء بالصعوبات والعراقيل التي يعيشها الأشخاص في وضعية إعاقة، يقابله حضور واسع على “المواقع”؛ مواقع إلكترونية، منصات رقمية، وخطابات رسمية تُظهر صورة وردية عن الإدماج والإنصاف.
إنه الفرق بين ما يُعاش في الشارع، وما يُعرض على الشاشات. بين معاناة حقيقية، وتمثلات رقمية قد تُجمل الصورة أكثر مما تعكسها.
اليوم الوطني للأشخاص في وضعية إعاقة لا يجب أن يكون يوماً للاحتفال، بل يوماً للمساءلة الصريحة. لأن الأرقام الرسمية كافية لوحدها لطرح السؤال الكبير. هل نحن فعلاً نبني مجتمعاً دامجاً؟ أم أننا فقط نجيد الحديث عنه؟
غير أن أخطر ما يواجه الأشخاص في وضعية إعاقة اليوم، ليس فقط غياب الولوجيات أو ضعف الإدماج في التعليم والشغل، بل تلك التصورات النمطية المدمرة التي تختزلهم في خانة الفقر والهشاشة، بل وتدفع بالبعض إلى وضعهم، ظلماً وعدواناً، ضمن فئة المتسولين أو طالبي الإحسان. هذا الانزلاق الخطير لا يسيء فقط لهذه الفئة، بل يضرب في العمق قيم الكرامة الإنسانية، لأنه يُحوّل مواطنين قادرين على العطاء إلى موضوع شفقة أو استغلال. والواقع أن عدداً كبيراً من الأشخاص في وضعية إعاقة يمتلكون كفاءات ومهارات عالية، ويستطيعون العمل والإنتاج، بل إن منهم من نجح في إعالة أسره، وخلق فرص شغل لغيره، بمن فيهم أشخاص أصحاء. هؤلاء لا يحتاجون صدقات، بل يحتاجون فرصاً عادلة، وبيئة دامجة، وإيماناً بقدراتهم. المؤسف حقاً أن بعض هذه التصورات تجد طريقها، بشكل مباشر أو غير مباشر، حتى داخل بعض البرامج والسياسات العمومية، التي تُبنى أحياناً على منطق الدعم الإحساني بدل التمكين الحقيقي. فتتحول بعض المبادرات، رغم نواياها، إلى آليات تُكرّس التبعية وتُعيد إنتاج الهشاشة، بدل أن تُحرر الطاقات وتدعم الاستقلالية الاقتصادية والاجتماعية. إن التحدي اليوم ليس في توزيع الإعانات، بل في كسر هذه النظرة القاصرة، والانتقال من منطق “الإحسان” إلى منطق “الاستحقاق”، ومن دعم الاستهلاك إلى دعم الإنتاج، ومن تكريس العجز إلى بناء القدرة. لأن الكرامة لا تُمنح في ظرف، بل تُبنى عبر تمكين حقيقي يضع الإنسان، أيًّا كانت وضعيته، في قلب التنمية لا على هامشها.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس