أسود الأطلس.. رحلة مملكة نحو النجوم
كرة القدم في المغرب ليست مجرد رياضة، بل هي جزء عميق من الهوية الوطنية والثقافة الشعبية، بدأت بوادر هذه الرياضة تظهر في المغرب خلال فترة الحماية الفرنسية والإسبانية في مطلع القرن العشرين، حين أسّس المستوطنون الأوروبيون أولى الأندية والملاعب. غير أن المغاربة لم يكتفوا بدور المتفرج، فسرعان ما أسّسوا أنديتهم الخاصة التي حملت في طياتها روح المقاومة والاعتزاز الوطني، ومن أبرزها الوداد الرياضي الذي تأسس عام 1937 والرجاء الرياضي عام 1949، اللذان غدوا لاحقا رمزين لعبق المدينة الحمراء والتنافس الكروي الأعرق في القارة الأفريقية.
بعد الاستقلال عام 1956، شهدت الكرة القدم المغربية قفزة تنظيمية كبرى إذ تأسس الاتحاد الملكي المغربي لكرة القدم ليضع اللبنات الأولى لبطولة وطنية منظمة. في الستينيات والسبعينيات نما المنتخب الوطني بخطى ثابتة، وتوّج ذلك بمشاركة تاريخية في كأس العالم 1970 بالمكسيك، حين أصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يشارك في المونديال. وعلى الرغم من الخروج في الدور الأول، فإن تلك المشاركة زرعت بذرة الطموح في وجدان الكرة المغربية وفتحت أمامها آفاقا رحبة.
جاء عام 1986 ليكتب صفحة ذهبية لا تُنسى في تاريخ الكرة القدم المغربية والعربية والأفريقية معا. ففي مونديال المكسيك، تصدّر المنتخب المغربي مجموعته متفوقا على بولندا والبرتغال وإنجلترا، ليصبح أول منتخب من القارة الأفريقية والعالم العربي يبلغ دور الثمانية عشر. أبهر المغرب العالم بأداء تكتيكي محكم تحت قيادة المدرب خوسيه فارييلا، وخرج برأسٍ مرفوع بعد هزيمة قاسية أمام ألمانيا الغربية بهدف وحيد في الوقت القاتل، تاركا إرثا من الفخر لأجيال متعاقبة.
على صعيد الأندية، راكم المغرب حضورا أفريقيا لافتا، إذ توّج الوداد الرياضي بدوري أبطال أفريقيا أكثر من مرة، وكان آخرها عام 2022 حين أحكم قبضته على اللقب القاري. كما أسهمت أندية كالمغرب التطواني والرجاء في نسج تاريخ كروي محلي حافل. وفي الوقت ذاته، نجحت المملكة المغربية في استقطاب مواهب الجالية المغربية في الخارج، واحتضان لاعبين يجمعون بين أصولهم المغربية وتكوينهم الأوروبي، مما أضفى على المنتخب ثراء تقنيا وبدنيا ملموسا.
غير أن التاج الأبهى جاء في كأس العالم 2022 بقطر، حيث صنع المنتخب المغربي معجزة كروية حقيقية بتخطيه دور المجموعات ثم إقصاء إسبانيا والبرتغال وبلجيكا تباعا، ليصبح أول منتخب أفريقي وعربي في تاريخ كأس العالم يبلغ الدور نصف النهائي. وقد أشعل هذا الإنجاز جنونا جماهيريا عارما في الشوارع المغربية والعربية والأفريقية على حد سواء. ويستعد المغرب اليوم بثقة واضحة لاستضافة كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال، في خطوة تعكس مدى النضج الذي بلغته الكرة القدم المغربية على كل الأصعدة.
ولم يتوقف مسار الأسود عند هذا الحد، إذ توّج المنتخب المغربي عام 2025 بلقب كأس أمم أفريقيا، مُحققا حلما طال انتظاره وأسدل الستار على عقود من الاقتراب دون أن يظفر بالكأس. أما على صعيد كأس العالم الحالية المقامة في الأمريكيتين، فلا تزال منافساتها محتدمة وأسود الأطلس في قلب المنافسة، إذ ينتظر منتخب بلادنا مواجهة مثيرة أمام نظيره الهولندي يوم الثلاثاء المقبل في إطار دور الـ 32. وتتطلع الجماهير المغربية بقلوب مفعمة بالأمل إلى أن يواصل الأسود المسيرة ويتجاوز هذه العقبة نحو الأدوار الأخيرة، بل إن الحلم يتجاوز حدود التوقع ليصل إلى النهائي، ولمَ لا التتويج بكأس العالم وتحقيق إنجاز سيخلّد في ذاكرة التاريخ الكروي إلى الأبد.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس