تيه المرايا وسفر الظلال لعبد العزيز كوكاس... حين يكتب الغريب نصه العميق على هامش العالم

تيه المرايا وسفر الظلال لعبد العزيز كوكاس... حين يكتب الغريب نصه العميق على هامش العالم
حسن الوزان 01 مايو 2026

لا يمكن تصنيف كتاب "تيه المرايا وسفر الظلال" لعبد العزيز كوكاس ضمن أجناس الأدب المألوفة، لأنه ببساطة ليس كتابًا عن السفر، بل كتاب عن الذات حين تتجرد من خُيلائها في لحظة عبور. هو محاولة هادئة، لكنها راديكالية، لإعادة تعريف الإنسان الحديث من خلال السفر، من خلال التيه، من خلال هشاشة الكائن حين تخرّ يقيناته على أبواب مطارات العالم ومحطاته وحدوده الصامتة.

ما الذي يحدث حين يُنزع عنك كل ما يمنحك شعور السيطرة؟ حين لا تكون في مكان تعرفه، ولا في زمان تملكه، ولا بين أناس يفهمونك؟ هنا بالضبط يولد سؤال كوكاس: هل نكون أكثر قربًا من حقيقتنا حين نكون في قلب التيه؟

لا يدّعي الكتاب أنه سيرة، ولا يلبس عباءة "أدب الرحلة"، وإن كان في قلب السفر، بقدر ما يتعمّد الانفلات من الشكل، ليصير شذرات متفرقة لكتابة السفر كخلخلة رصينة للهوية، وكسؤال مقلق حول الحدود بين الأنا والعالم، بين الذات وآثارها، بين المنفى الداخلي والمنفى الجغرافي.

لا يسافر عبد العزيز كوكاس ليحكي، بل ليتيه في حضرة الأسئلة: من نكون حين لا يتعرف علينا أحد؟ ما الذي يتبقى منا حين لا تعود اللغة درعًا، وحين يصبح الفندق قلقا، والمقهى انتظارًا، والمرايا غرفة تحقيق ناعمة؟ هكذا يتحول السفر إلى تمرين على الفقد غير المأساوي، الفقد الذي يُطهرك، يجردك من زوائدك، ويعيدك إلى الأصل: كائن هشّ، يرى، ويسأل، ويندهش، دون أن يطلب من العالم أن يشبهه.

يقف كتاب "تيه المرايا وسفر الظلال" -الصادر حديثا عن دار خطوط وظلال- على تخوم اللغة، يراوغ التصنيف، يرفض أن يكون دليلًا سياحيًا أو اعترافًا سرديًا، ليقيم في منطقة بين الشعر والفكر، بين دفاتر التيه وشذرات الحكمة. يمضي كوكاس بين مدن لفظته برقة، وحدود ضيّقت عليه روحه، وأرصفة احتضنته ثم أنكرته، ليكتشف أن الغربة شرط معرفي، وأن كل يقين نملكه يحتاج إلى أن يُهزّ لنعيد التفاوض مع المعنى.

يصير الغريبُ في "تيه المرايا وسفر الظلال" نبيًّا معلّقًا، لا يملك رسالة ولا يطلب أتباعًا، فقط يروي ـ بصمت داخلي ـ كيف تتحول المدن إلى مرايا، وكيف تنكشف الذات حين تُخذل خططها، وكيف يمكن للهامش أن يكون أكثر صدقًا من المركز. الغريب هنا ليس رمزًا للشتات، بل حامل قلقٍ وجوديّ يطلب لحظة وضوح داخل الفوضى، تصير له وطنا.

يمدّ كوكاس نصّه بلغة عارية من الزخرف، مشبعة بالتجربة، محمولة على سؤال فلسفي: هل نحتاج إلى أن نتوه لنُبصر؟ هل نربح أنفسنا حين نخسر كل شيء؟ هل المعرفة ممكنة خارج المألوف؟ هكذا، يجعل من التيه طقسًا تأمليًا، ومن السفر حركة عمودية في الذات قبل أن يكون أفقيًا في الجغرافيا.

"تيه المرايا وسفر الظلال" هو الرحلة ذاتها وقد تحولت إلى كلمات، هسهسة داخلية تجعلك تتساءل : هل كنتُ أعرف نفسي فعلًا؟ هل كل مدينة أزورها تفضحني أم تفتحني؟ هل في المرايا التي نمرّ بها نكتشف وجوهنا، أم نظل نُعيد رسم أوهامنا؟ لا يستعرض المؤلف مدنا زارها ولا يسرد حكايات عاشها، إن ذلك كله ليس سوى مطية لدعوة القارئ للتفكير في السفر كأداة فلسفية، في الغربة ككشف داخلي، في الخسارة كتحوّل ناعم نحو النضج. هكذا، بهدوء الفلاسفة وشفافية الشعراء، يقدم عبد العزيز كوكاس كتابًا يليق بزمن لم يعد فيه السفر فعلاً جغرافيًا، بل تمرينًا قاسيًا على البقاء إنسانًا.

للإشارة، سينظم حفل توقيع كتاب "تيه المرايا وسفر الظلال" لعبد العزيز كوكاس، الصاد عن دار وظلال للنشر والتوزيع الاردنية، بعد زوال يوم الجمعة 8 ماي 2026، برواق خطوط وظلال C19، ضمن فعاليات النسخة 31 من المعرض الدولي للكتاب بالرباط.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا