لبنان بين فكي كماشة المحاور الإقليمية والظلام الأبدي الإسرائيلي
تستحضر الوقائع المتسارعة في ربيع 2026 مرارات الاجتياح الإسرائيلي صيف 1982، حينما أدى انهيار التوازنات الإقليمية إلى استباحة السيادة اللبنانية تحت ذريعة حماية الأمن القومي الإسرائيلي. يتقاطع المشهد الراهن مع لحظة "عملية السلام للجليل" في كون لبنان يدفع ضريبة تحوله إلى قاعدة انطلاق لعمليات عابرة للحدود، فمثلما شكلت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف على يد منظمة أبو نضال المعروفة حينها حركة فتح - المجلس الثوري - الذريعة التي فجرت صاعق الاجتياح آنذاك، يبرز "طوفان الأقصى" و تداعياته الخطيرة اليوم كزلزال أمن استراتيجي أطاح بقواعد الاشتباك التقليدية من خلال إصرار ميليشيا حزب الله الإيرانية على تحويل بيروت إلى منصة إطلاق صاروخية تحت تصرف الولي الفقيه في طهران ، حيث يكشف هذا الانفجار الميداني عن هشاشة "الخط الأزرق" الذي تحول من حدود تقنية تحت رعاية اليونيفيل إلى خط تماس ناري يفتقر للضمانات الدولية الصارمة التي توفرت في أعقاب القرار الأممي 425.
بحيث يكشف تحليل ما وراء السطور لعملية " الظلام الأبدي " أن التهديد الإسرائيلي الحالي باجتياح الجنوب يتجاوز الرغبة في تأمين المستوطنات الشمالية نحو محاولة فرض واقع جيوسياسي جديد يشبه "اتفاق 17 أيار" الذي ولد ميتا، لكنه يطمح هذه المرة إلى انتزاع تنازلات استراتيجية تتعلق بترسيم الحدود البرية ومصير مزارع شبعا و بروتوكولات تهم تدبير سلاح حزب الله ، في حين يجد لبنان نفسه اليوم في حالة انكشاف أخطر مما كانت عليه عام 1982، إذ يغيب الغطاء العربي الموحد وتتراجع الفعالية الفرنسية، مما يترك الساحة اللبنانية رهينة التجاذب المباشر بين واشنطن وطهران. حيث تدرك القوى النيابية اللبنانية أن منطق "قوة لبنان في ضعفه" قد سقط نهائيا، وأن غياب استراتيجية دفاعية وطنية صلبة جعل من الجنوب صندوق بريد لرسائل إقليمية دموية لا يملك اللبنانيون مفتاح قراءتها أو ردع تداعياتها.
يستعيد هذا المنزلق الخطير وقائع إتفاق القاهرة 1969، الذي شرعن استخدام الأرض اللبنانية في صراعات إقليمية دون امتلاك الدولة لقرار الحرب والسلم، مما أدى بالضرورة إلى استجلاب التدخلات الخارجية الهدامة. ويثبت التاريخ أن الدولة التي تتنازل عن حصرية السلاح والسيادة على ترابها القومي تتحول حتما إلى مسرح لتصفية الحسابات الدولية، وهو ما يضع الكيان اللبناني اليوم أمام اختبار الوجود الأخير. في حين تظل الحقيقة المرة أن ربيع 2026 قد يكرر مأساة صيف 1982 إذا لم يتم استدراك الموقف عبر العودة إلى مظلة المؤسسات الشرعية وتطبيق القرارات الدولية، بعيدا عن الأوهام التي تسوقها القوى المرتهنة للمشاريع العابرة للحدود الوطنية.
و على هذا الأساس فاستحضار واقعة الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاها من مآسي إنسانية يكشف عن تكرار مأساوي لسيناريو اختطاف القرار السيادي، فمثلما كانت الميليشيات المسلحة و المتناحرة في الحرب الأهلية تفرض اجندتها الخاصة على الدولة المنهكة الفاقدة لإستقلالية قرارها السيادي حينها، نرى اليوم سيطرة ميليشيا حزب الله على معادلة الحرب والسلم التي جردت المؤسسات الرسمية من قدرتها على المناورة السياسية و هو ما كشفته أزمة محاولة طرد السفير الإيراني من بيروت ، حيث تدرك تل ابيب حجم العزلة الدبلوماسية التي تضرب طوقا حول القرار اللبناني، وبناء عليه تتحرك عسكريا لتجاوز خط الليطاني وتغيير الواقع الامني على الارض دون اعتبار لقواعد الاشتباك التقليدية. حيث يبرز وسط هذا الركام دور المؤسسة العسكرية بقيادة الرئيس العماد جوزيف عون كآخر معاقل التماسك الوطني، في محاولة يائسة لضبط توازنات لبنان المهتزة ومنع الانزلاق نحو فوضى شاملة تتجاوز حدود السيطرة الامنية.
يأتي خطر السقوط في فخ المواجهة الشاملة في وقت يعاني فيه البناء المجتمعي والاقتصادي اللبناني من تصدعات بنيوية غير مسبوقة، مما جعل كلفة الحرب الحالية باهظة بما يفوق قدرة الدولة على الاستيعاب. فاستنزاف المقدرات الوطنية في صراعات بالوكالة ادى الى فقدان لبنان لمكانته كحلقة وصل استراتيجية في الشرق الأوسط، وتحول الى ساحة لتمرير الرسائل النارية والعسكرية بين القوى العظمى والاقليمية. هنا يبقى التساؤل الجوهري قائما حول مدى قدرة العقل السياسي اللبناني على استخلاص العبر من دروس الماضي القريب، خاصة وان المعطيات الراهنة تشير الى ان الرهان على التدخلات الخارجية لإنقاذ الموقف بات ضربا من الأوهام في ظل تبدل المصالح الدولية وتراجع اولوية الملف اللبناني في اجندات القوى المؤثرة.
تتقاطع المصالح الاستراتيجية في هذه اللحظة الحرجة بين واشنطن وتل ابيب وطهران عند نقطة التقاء غير معلنة، تهدف الى تحييد بيروت عن مسارات التهدئة الشاملة وتحويلها الى جغرافيا معزولة عن تفاهمات وقف إطلاق النار الاقليمية. بحيث يكشف الرصد الدقيق لتحركات غرف القرار عن رغبة مشتركة في استمرار الضغط العسكري والميداني فوق الأراضي اللبنانية كأداة لتحقيق مكتسبات جيوسياسية بعيدة المدى، حيث ترى الولايات المتحدة في هذا الانكشاف فرصة لتقليم أظافر النفوذ الإقليمي لإيران دون التزام بضمانات سيادية لبيروت. تلتقي هذه الرؤية مع التوجه الإسرائيلي الساعي الى فرض واقع أمني جديد يتجاوز خط الليطاني بعيدا عن ضغوط الوسطاء، بينما تجد طهران في ابقاء الجبهة اللبنانية مشتعلة وسيلة لحماية مصالحها الحيوية في ملفات أخرى وتخفيف الضغط العسكري على قواتها المنهكة والمهزومة، مما يترك الدولة اللبنانية تواجه مصيرها وحيدة خارج مظلة الحماية الدولية.
ان هذا التوافق الضمني يعيد الى الاذهان سيناريوهات سابقة تم فيها القفز فوق الخصوصية اللبنانية لصالح توازنات القوى الكبرى، وهو ما يزيد من حدة التحديات أمام الرئيس العماد جوزيف عون في محاولاته اليائسة لضبط توازنات لبنان المهتزة. يبرز استبعاد بيروت من معادلات التهدئة كاستراتيجية متعمدة لتفكيك ما تبقى من قدرة الدولة على المناورة، اذ يتم التعامل مع الساحة اللبنانية كمساحة لتفريغ الشحنات القتالية والرسائل النارية بعيدا عن مراكز الصراع الرئيسية. حيث تدرك القوى الفاعلة ان ابقاء لبنان خارج إطار وقف إطلاق النار يخدم استمرارية الاستنزاف المتبادل، مما يضع السيادة الوطنية في مهب الريح ويحول الخط الازرق الى مجرد فاصل جغرافي في معركة ارادات دولية لا تضع مصالح اللبنانيين ضمن أولويات حساباتها المعقدة.
وعلى ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة المرتبطة بالحرب على إيران، تكتسب اليوم مبادرة المبعوث الأمريكي توماس باراك راهنية استثنائية في ظل هذا الانسداد الاستراتيجي، إذ تطرح كمخرج بنيوي يسعى لانتشال بيروت من مستنقع الارتهان الاقليمي عبر بوابة الدبلوماسية الاقتصادية والوساطات العابرة للقنوات الرسمية التقليدية. تستند رؤية باراك الى تفاصيل دقيقة تهدف الى تحويل المنطقة الواقعة بين الخط الازرق وخط الليطاني الى منطقة تنمية واستقرار تحت اشراف دولي مباشر، مع تعزيز قدرات الجيش اللبناني بقيادة الرئيس العماد جوزيف عون ليكون الضامن الوحيد للأمن والسيادة. تتضمن الخطة مسارا متكاملا يبدأ بفرض وقف فوري للأعمال العدائية مقابل حزمة استثمارات ضخمة لا عادة الاعمار، وربط لبنان بشبكة طاقة اقليمية تخرجه من التبعية للمحاور الملتهبة، مما يعيد صياغة توازنات لبنان على اسس وطنية صرفة بعيدا عن تداعيات طوفان الاقصى.
ان اهمية هذه المبادرة تكمن في قدرتها على فتح آفاق جديدة للحل تتجاوز منطق الصدامات العسكرية، عبر تقديم ضمانات دولية بفك الارتباط بين الجبهة اللبنانية وحسابات طهران وواشنطن في المنطقة. تراهن خطة باراك على تحويل لبنان من "صندوق بريد" للصراعات الى مركز للاستقرار المالي والامني، من خلال تحييد تأثير ميليشيا حزب الله على القرار السيادي عبر آليات اقتصادية وسياسية متدرجة تضمن عودة الدولة لممارسة صلاحياتها كاملة. وهذا الطرح يمثل الفرصة الاخيرة لترميم التوازنات الاقليمية المتصدعة نتيجة المواجهة بين القوى الكبرى، مما يحمي العمق الاستراتيجي اللبناني من مخاطر الانهيار الشامل وتكرار مآسي الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تبرح ذاكرة الجغرافيا السياسية للمنطقة.
في نفس السياق تتحرك القوى النيابية اللبنانية في فلك صراع وجودي يرتكز على تثبيت مراكز النفوذ، حيث يشكل الثنائي الوطني (حزب الله وحركة أمل) صمام أمان لثوابته الاستراتيجية عبر فيتو سياسي صلب، بينما تسعى جبهة القوات اللبنانية والكتائب لفرض ميزان قوى مضاد يستهدف جوهر النظام القائم. يتجاوز هذا الاستقطاب النيابي، الذي يحضر فيه التيار الوطني الحر والحزب التقدمي الاشتراكي كلاعبين على حبال التوازنات، الداخل اللبناني ليصبح ورقة تفاوض بيد القوى الإقليمية، مما دفع "اللجنة الخماسية" الدولية إلى الانكفاء نحو دور المراقب المنتظر لنضوج تسوية خارجية تفرض إيقاعها على الجميع.
يستعيد هذا المشهد وقائع أزمة عام 1970، حين انقسمت الكتل النيابية اللبنانية حول دور العمل الفدائي والسيادة الوطنية، وبرز حينها الشرخ عميقا بين "الحلف الثلاثي" بقيادة كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده الرافضين لتجاوزات السلاح، وبين القوى العروبية واليسارية بزعامة كمال جنبلاط ورشيد كرامي المؤيدين للمقاومة الفلسطينية، مما أدى إلى شلل في القرار الرسمي مهد الطريق لتدخلات خارجية غير مسبوقة غيرت وجه لبنان. واليوم، تكرر الكتل النيابية ذات النهج عبر استدعاء الخارج لحسم الخلافات الداخلية، مما يجعل السيادة اللبنانية مفهوم نظري أمام سطوة المحاور. تظل الحقيقة المكتومة أن هذا التناحر الاسمي يخفي تقاطعا مصلحيا بين أركان المنظومة على بقاء الوضع القائم، لأن أي تغيير حقيقي في موازين القوى قد يطيح بمكتسبات الجميع في ظل نظام لا يقبل القسمة إلا على التوافق الهش.
تأسيسا على ما تقدم، يتبدى بوضوح أن لبنان شعبا وجيشا يقف اليوم في مواجهة حتمية مع جغرافية الانكسار وتاريخ الاستباحة السيادية، حيث لم يعد ترف الوقت يسمح بمزيد من المناورات على حافة الهاوية. لأن الخروج من "فكي كماشة" التجاذبات الإقليمية والدولية يتطلب، بالضرورة، قطيعة شجاعة مع سياسة الارتهان للمشاريع العابرة للحدود، والعودة الصارمة إلى منطق "الدولة الوطنية" التي تمتلك وحدها حصرية قرار الحرب والسلم، حيث أن استعادة السيادة اللبنانية المختطفة لن تتم عبر المراهنات الواهية على صفقات "تحت الطاولة" بين واشنطن وطهران وتل أبيب، بل تكمن في مسار وطني واحد لا شريك له: الالتفاف الشعبي والسياسي المطلق حول مؤسسة الجيش اللبناني بوصفها الضامن الوحيد للاستقرار والرمز المتبقي لوحدة الكيان. وهذا الالتفاف يقتضي بالضرورة الشروع الفوري في نزع سلاح "حزب الله" وتفكيك الدويلة الإيرانية التي نمت داخل أحشاء الدولة، تنفيذا للقرارات الدولية (1559 و1701) واستكمالا لاتفاق الطائف؛ إذ أثبتت الوقائع أن ازدواجية السلاح هي الثغرة التي ينفذ منها كل اجتياح، وهي الذريعة التي تُحوّل جنوب لبنان إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
خلاصة القول، إن استقلال القرار السيادي اللبناني يمر حتما عبر "بوابة اليرزة"، حيث تذوب الانتماءات الضيقة لصالح العلم الوطني اللبناني بعيدا عن تجاذبات المحاصصة. وبدون حصر السلاح في يد القوى الشرعية، سيبقى لبنان رهينة لربيع دامي قد لا يقل قسوة عن مرارات 1982، وسيبقى الشعب اللبناني الجميل يدفع ثمن حروبٍ لا قرار لهم فيها، فوق أرضٍ لا يملك مفاتيح أمنها. إنها لحظة الحقيقة التي تفرض على الجميع الاختيار بين وطن سيد مستقل، أو ساحة مشاعة لمشاريع "الظلام الأبدي" المستوردة العواصم الإقليمية.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس