القانون 14.25 ليس مجرد تعديل جبائي… بل بداية إعادة توزيع السلطة المالية داخل الجماعات الترابية

القانون 14.25 ليس مجرد تعديل جبائي… بل بداية إعادة توزيع السلطة المالية داخل الجماعات الترابية
بقلم: د - ادريس الفينة 17 أبريل 2026

حين نتحدث عن العدالة المجالية في المغرب، فإننا لا نتحدث فقط عن الطرق والمستشفيات والمدارس، بل نتحدث أيضًا عن سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن لجماعة ترابية أن تموّل تنميتها إذا كانت أصلًا لا تتوفر على نفس الإمكانات الجبائية التي تتوفر عليها جماعات أخرى؟ هنا يبرز مفهوم المردودية الجبائية الترابية باعتباره أداة لفهم قدرة كل مجال ترابي على إنتاج الموارد الجبائية وتعبئتها، انطلاقًا من نشاطه الاقتصادي ووعائه العقاري وموارده الخاصة وفعالية التحصيل فيه.

هذا المفهوم لا يعني فقط حجم الضرائب التي تدخل إلى ميزانية الجماعة، بل يعني أيضًا مقارنة تلك الحصيلة بما يملكه المجال من إمكانات حقيقية. فهناك جماعات تتوفر على استثمارات ومقاولات وعقارات وأنشطة تجارية وسياحية ومعادن تجعلها قادرة على تحصيل موارد مهمة، بينما توجد جماعات أخرى، خاصة في العالم القروي أو المناطق الجبلية أو البعيدة عن مراكز القرار والاستثمار، تعاني ضعفًا بنيويًا في الوعاء الجبائي نفسه. لذلك فإن الحديث عن المردودية الجبائية هو، في العمق، حديث عن الفوارق المجالية بين مغرب قوي اقتصاديًا ومغرب آخر ما زال ينتظر نصيبه من التنمية.

من هنا تظهر أهمية هذا المؤشر في النقاش العمومي. فهو لا يُستعمل فقط لمعرفة من يجمع أكثر، بل لكشف سبب هذا التفاوت: هل لأن بعض الجماعات تحسن التدبير والتحصيل؟ أم لأن بعضها الآخر حُرم تاريخيًا من شروط التنمية والاستثمار والبنيات الأساسية؟ والجواب في الحالة المغربية واضح: جزء مهم من ضعف الموارد المحلية لا يرتبط فقط بالتدبير، بل كذلك بضعف القاعدة الاقتصادية، وهشاشة البنيات، وغياب العدالة في توزيع الثروة والاستثمار بين المجالات.

لهذا السبب، لا ينبغي أن يُفهم ضعف المردودية الجبائية في بعض المناطق على أنه فشل محلي فقط، بل يجب قراءته كأثر من آثار التهميش الترابي المتراكم. فالمجالات المهمشة ليست ضعيفة لأنها لا تريد التنمية، بل لأنها كثيرًا ما انطلقت من نقطة غير عادلة أصلًا. وعندما تكون البداية غير متكافئة، فإن مطالبة الجميع بالنتائج نفسها تصبح شكلًا آخر من أشكال الظلم.

في المغرب، ما تزال الجبايات المحلية تعرف اختلالات واضحة، سواء من حيث توزيع الوعاء الضريبي أو من حيث فعالية التحصيل أو من حيث التوازن بين الموارد الذاتية والتحويلات القادمة من الدولة. وهذا يعني أن الجماعات الترابية لا تقف كلها على خط انطلاق واحد. بعض الجماعات تستفيد من محيط اقتصادي غني، بينما تجد جماعات أخرى نفسها مطالبة بتوفير الخدمات نفسها تقريبًا، لكن بوسائل أضعف بكثير. وهنا بالضبط يصبح مؤشر المردودية الجبائية الترابية ضروريًا، ليس لمعاقبة المجالات الضعيفة، بل من أجل إعادة إنصافها.

إن القيمة الحقيقية لهذا المؤشر لا تكمن في ترتيب الجماعات من الأقوى إلى الأضعف، بل في استعماله كوسيلة لتوجيه الدعم العمومي والاستثمار والتضامن المالي نحو المناطق التي تحتاجه فعلًا. فالجماعة ذات المردودية الضعيفة قد لا تكون مقصّرة، بل قد تكون ضحية هشاشة تاريخية ومجالية. لذلك فإن العدالة المجالية الحقيقية تقتضي أن ننتقل من منطق الأرقام المجردة إلى منطق الإنصاف، وأن نفهم أن ضعف الموارد في بعض المناطق ليس مجرد خلل مالي، بل قضية تنموية واجتماعية وسياسية أيضًا.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى رؤية جديدة للجباية الترابية، رؤية لا تختزلها في التحصيل فقط، بل تجعلها أداة لتقليص الفوارق بين الجهات والجماعات. فالمردودية الجبائية يجب أن تكون وسيلة للتشخيص، أما الغاية فهي بناء توازن مجالي حقيقي، يضمن لكل منطقة نصيبًا عادلًا من التنمية والتمويل والفرص. فلا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة أو تنمية منصفة ما دامت بعض المجالات تعيش بفائض الموارد، بينما تكافح مجالات أخرى فقط من أجل الحد الأدنى.

لهذا، فإن إعادة إنصاف المجالات المهمشة تبدأ أولًا بالاعتراف بأن الفوارق الجبائية بين المجالات ليست مجرد أرقام محاسباتية، بل تعبير صريح عن تفاوتات أعمق في توزيع الثروة والفرص والاستثمار. ومتى استُعملت المردودية الجبائية الترابية بهذا الوعي، فإنها قد تتحول من مجرد مؤشر مالي إلى أداة حقيقية للعدالة المجالية وبناء مغرب أكثر توازنًا وإنصافًا.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا