حين تختزل الديمقراطية في العدد: دفاع عن حكم الكفاءة والفضيلة
عندما تكون صناديق الاقتراع معيار الشرعية الأوحد، يبرز سؤال مقلق: هل يكفي العدد لصناعة القرار؟ وهل تمثل الأغلبية دائما صوت الحكمة؟ إن الإيمان بالديمقراطية كقيمة إنسانية لا يمنع من مساءلتها كآلية، خاصة حين تتحول إلى مجرد أرقام تفرز ممثلين لا يمتلكون من أدوات الفكر والسياسة إلا ما يسمح به الصدفة أو المال أو التأثير الظرفي. من هنا تنبع هذه الرؤية النقدية، التي قد تبدو للبعض صادمة، لكنها تنطلق من قناعة راسخة بأن السياسة ليست مهنة من لا مهنة له، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية كبرى.
فإلى أي حد يمكن اعتبار حكم الأغلبية ضمانا للحكمة السياسية؟ وهل من المشروع إعادة التفكير في آليات التمثيل الديمقراطي لصالح نموذج يقوم على الكفاءة والمعرفة والفضيلة بدل العدد والانتشار؟
إن الديمقراطية، في أصلها الفلسفي، جاءت كبديل عن الاستبداد، وكوسيلة لضمان مشاركة المواطنين في تدبير الشأن العام. غير أن هذا المبدأ النبيل، حين يفرغ من مضمونه المعرفي والأخلاقي، يتحول إلى آلية عددية صماء، تفرز أحيانا من لا يملك القدرة على التشريع أو الفهم العميق لمتطلبات الدولة والمجتمع.
لقد نبه الفيلسوف أفلاطون منذ قرون إلى خطورة ترك الحكم لعامة الناس دون تأهيل، حين شبه الدولة بالسفينة التي لا ينبغي أن يقودها إلا من يتقن فن الملاحة. فهل يعقل أن نسلم مصير أمة لمن لا يملك أدوات التحليل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي؟ وهل يكفي أن يكون المرشح معروفا أو ثريا أو محبوبا ليوكل إليه التشريع والتدبير؟
إن التجربة الواقعية تظهر أن العديد من الاستحقاقات تفرز ممثلين لا علاقة لهم بالسياسة، ولا يمتلكون رؤية استراتيجية، بل قد تحكمهم اعتبارات ضيقة أو مصالح شخصية. وهنا تبرز إشكالية ربط السياسة بالأخلاق: فالمعرفة ليست فقط تراكما للمعلومات، بل هي وعي بالمسؤولية، والفضيلة ليست مجرد شعار، بل سلوك يترجم في القرار والممارسة.
إن الدعوة إلى تمثيلية قائمة على الكفاءة لا تعني إقصاء فئات المجتمع، بل تعني تأهيلها. فكما لا يسمح لأي شخص بممارسة الطب أو القضاء دون تكوين، فلماذا يسمح لأي كان بممارسة التشريع؟ إن السياسة، في جوهرها، علم وفن وأخلاق، تتطلب تكوينا عميقا في الاقتصاد، علم الاجتماع، القانون، والفلسفة.
وفي هذا السياق، يمكن تصور نموذج بديل أو مكمل، يقوم على:
- اشتراط مستوى معين من التكوين أو الخبرة للترشح؛
- تعزيز دور النخب الفكرية والعلمية في المؤسسات التشريعية؛
- إرساء آليات تقييم مستمرة لأداء المنتخبين؛
- ربط المسؤولية بالمحاسبة على أساس الكفاءة لا الانتماء.
إن هذا الطرح لا ينكر قيمة الإرادة الشعبية، بل يسعى إلى ترشيدها، حتى لا تتحول الديمقراطية إلى وسيلة لإنتاج الرداءة بدل التميز.
ليست المشكلة في الديمقراطية كفكرة، بل في ممارستها حين تختزل في منطق العدد وتغفل معيار الجودة. وبين حكم الأغلبية وحكم النخبة، يظل التحدي الحقيقي هو بناء نموذج يزاوج بين الشرعية الشعبية والكفاءة الفكرية، حيث لا يُقصى المواطن، ولا يهمش العقل، بل يصان القرار العام من العبث، ويرفع إلى مستوى المسؤولية التي تليق بمصير الأوطان.
*صحفي مهني مدير نشر صحيفة الحكمة بريس






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس