الإحصاء الإسباني لسنة 1974: بين الاختلالات التاريخية ووظائف الضبط في أفق الحكم الذاتي

الإحصاء الإسباني لسنة 1974: بين الاختلالات التاريخية ووظائف الضبط في أفق الحكم الذاتي
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 05 مايو 2026

يعد الإحصاء الإسباني لسنة 1974 من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف الصحراء المغربية، ليس فقط بسبب نتائجه، بل أساسا بسبب السياق الذي أنجز فيه. فقد جاء هذا الإحصاء في مرحلة انتقالية حساسة كانت فيها إسبانيا تستعد لمغادرة الإقليم، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مدى حياده وموضوعيته، وحول الأهداف السياسية التي قد تكون وجهت منهجيته ونتائجه.

لقد أنجز الإحصاء في ظرف استثنائي كانت فيه البنية الاجتماعية للساكنة الصحراوية قائمة على الترحال والتنقل المستمر، سواء بحثا عن الكلأ والماء أو لأغراض التجارة وصلة الرحم. وهذا النمط المعيشي يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، حصر مختلف الحواضن الاجتماعية في لحظة زمنية محددة، خصوصا في غياب وسائل لوجستيكية وتقنية متطورة آنذاك.

كما أن جزءا مهما من ساكنة الصحراء كانت خارج الإقليم لأسباب متعددة، منها الطرد أو التضييق من طرف الإدارة الاستعمارية الاسبانية، أو الاستقرار المؤقت في مناطق أخرى داخل المملكة المغربية أو في بلدان الجوار. وهو ما يعني أن الإحصاء لم يشمل كل المكونات البشرية المرتبطة تاريخيا واجتماعيا بالإقليم، مما أثر بشكل مباشر على مصداقية نتائجه.

وفي هذا السياق، ورغم كل الملاحظات، يمكن النظر إلى هذا الإحصاء من زاوية وظيفية محددة، إذ يمكن أن يشكل قاعدة مرجعية تستثمر بشكل إيجابي إذا أحسن توظيفها، خاصة في إطار أي تصور مستقبلي للحكم الذاتي. فاعتماده كأحد المحددات المرجعية قد يساهم في ضبط معايير المشاركة، ويحد من محاولات التسلل والانتهازية السياسية، كما يمكن أن يستأنس به كمعيار من بين معايير أخرى لتنظيم مسألة العودة والاندماج، بما يعزز الثقة ويمنع أي توظيف غير مشروع لهذا الملف الحساس.

إضافة إلى ذلك، اعتمدت السلطات الإسبانية في تصنيفها للسكان على مقاربة انتقائية، حيث ركزت على قبائل محددة وأدرجت أخرى ضمن تسميات عامة وغير دقيقة. هذا الأسلوب في التصنيف لا يعكس التركيبة القبلية الحقيقية للمنطقة، بل يفرغها من تنوعها وتعقيدها التاريخي، ويطرح علامات استفهام حول المعايير المعتمدة في إدراج أو إقصاء بعض المكونات.

ومن الناحية العددية، فإن الرقم الذي خلص إليه الإحصاء، والذي لم يتجاوز بضعة عشرات الآلاف، يبدو محدودا إذا ما قورن بالامتداد الجغرافي الواسع للإقليم وبالحركية الديمغرافية للقبائل الصحراوية. هذا التفاوت يعزز فرضية أن الإحصاء لم يكن شاملا، بل اقتصر على فئات معينة كانت متواجدة لحظة إنجازه.

كما أن اعتماد هذا الإحصاء لاحقا كأساس لأي عملية سياسية، خاصة تلك المرتبطة بتحديد الهيئة الناخبة، يثير إشكالا جوهريا، لأن أي عملية من هذا النوع تستوجب قاعدة بيانات دقيقة وشاملة تعكس الواقع السكاني بكل مكوناته، وهو ما لا يتوفر في حالة إحصاء 1974.

بعد مرور ما يقارب خمسين سنة على الإحصاء الإسباني لسنة 1974، يتضح بشكل جلي أن هذا المعطى الديمغرافي أصبح متجاوزا وغير قادر على عكس الواقع الحالي للساكنة الصحراوية. فوفق تقديرات مبنية على معطيات ديمغرافية، فإن الغالبية الساحقة ممن شملهم الإحصاء قد توفوا، ولم يتبق على قيد الحياة سوى حوالي 34500 شخص من أصل 73479، أي حوالي النصف فقط من العدد الأصلي.

وتتركز هذه الفئة المتبقية أساسا ضمن الفئة العمرية ما بين 51 و65 سنة، مع وجود أعداد أقل ضمن الفئات الأكبر سنا، وهو ما يؤكد أن القاعدة البشرية التي بني عليها ذلك الإحصاء أصبحت في طور الاندثار التدريجي. وهذا المعطى يكرس الطابع المتقادم لهذا الإحصاء، ويعزز الطرح القائل بعدم صلاحيته كمرجع حصري لتحديد أي مسار سياسي أو تمثيلي في الصحراء المغربية اليوم.

وقد حاولت المملكة المغربية في مراحل لاحقة تدارك هذا النقص من خلال تقديم معطيات إضافية وتحيين اللوائح، غير أن الإشكال ظل قائما بسبب صعوبة التوفيق بين معايير تاريخية واجتماعية معقدة وبين مقاربة تقنية تعتمد على وثائق وإثباتات قد لا تكون متوفرة لدى جميع الفئات.

في المقابل، لا يمكن إنكار أن لهذا الإحصاء قيمة مرجعية محدودة، باعتباره وثيقة تاريخية تعكس مرحلة معينة من تاريخ الإقليم، ويمكن الاستفادة منه كأداة مقارنة أو كنقطة انطلاق، لكن دون اعتباره مرجعا نهائيا أو حاسما في قضايا تتعلق بالمستقبل السياسي للمنطقة.

إن أي مقاربة واقعية وعادلة لهذا الملف تقتضي تجاوز الاختزال والاعتراف بتعقيد البنية الاجتماعية والتاريخية للساكنة الصحراوية، والعمل على بناء تصور يعتمد على معطيات ميدانية حديثة تأخذ بعين الاعتبار التحولات الديمغرافية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية، بما يضمن مشاركة منصفة ويعزز الاستقرار.

 

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا