الندوة، المضمون والشكل: حين يصبح الهندام والجاهزية جزءا من الرسالة العلمية
تشكل الندوات العلمية والفكرية والإعلامية فضاءات للحوار وتبادل المعرفة والخبرات، وهي مناسبة يلتقي فيها الباحثون والمفكرون والإعلاميون والجمهور لمناقشة قضايا تهم المجتمع والإنسان. غير أن نجاح أي ندوة لا يتوقف فقط على قيمة الموضوع المطروح، بل يرتبط كذلك بطريقة تقديمه، وبمدى جاهزية المؤطرين والمسيرين، وبالصورة العامة التي تعكسها الندوة أمام الحضور.
وقد تابعت مؤخرا إحدى الندوات التي تناولت موضوعا مهما، إلا أن بعض الملاحظات الشكلية والمنهجية أثارت الانتباه، وجعلتني أتساءل عن مدى استعداد بعض المؤطرين قبل صعودهم إلى المنصة، وعن الدور الذي يلعبه الهندام وطريقة الجلوس ولغة الجسد في إيصال الرسالة الفكرية والعلمية.
الندوة ليست ارتجالا
المؤطر أو المتدخل الذي يقبل المشاركة في ندوة علمية أو إعلامية يفترض فيه أن يكون قد أعد مادته مسبقا، وراجع مراجعها، ورتب أفكاره ومحاور تدخله. لذلك فإن لجوء بعض المتدخلين إلى البحث في الحاسوب أو الهاتف أمام الجمهور عن معلومات أساسية يفترض أنهم جاؤوا من أجل عرضها، يترك انطباعا بأن التحضير لم يكن بالمستوى المطلوب.
لا أحد يعترض على استعمال التكنولوجيا كوسيلة مساعدة، لكن الفرق كبير بين استخدامها لعرض وثيقة أو إحصائية أو صورة داعمة، وبين استخدامها للبحث عن أجوبة أثناء النقاش وكأن المتدخل يكتشف الموضوع مع الحاضرين.
فالجمهور يأتي ليستمع إلى خبرة ومعرفة جاهزة للنقاش، لا إلى عملية بحث مباشر كان من المفترض أن تتم قبل الندوة.
لغة الجسد والهندام جزء من الخطاب
و في كثير من القنوات الأجنبية، وخاصة الفرنسية والبريطانية والكندية، يتم الاهتمام بشكل كبير بصورة المتدخل. فالهندام الأنيق لا يعكس الترف أو المظاهر، بل يعبر عن احترام الجمهور والمناسبة.
كما أن طريقة الجلوس، وحركات اليدين، والنظر إلى الحضور، والتحكم في نبرة الصوت، كلها عناصر تدخل ضمن ما يسمى بالتواصل غير اللفظي.
فالمتدخل الذي يجلس بثقة وهدوء واحترام، وينظر إلى الحاضرين أثناء حديثه، ويستمع إلى الأسئلة باهتمام، يكون أكثر قدرة على التأثير من شخص ينشغل بالحاسوب أو ينظر باستمرار إلى شاشة هاتفه.
إن صورة المتحدث هي أول رسالة يتلقاها الجمهور قبل أن يسمع كلماته.
يعتقد البعض أن دور مسير الندوة يقتصر على إعطاء الكلمة للمتدخلين وتنظيم الوقت، بينما الواقع يبين أن المسير هو العقل المدبر للنقاش.
فالمسير الناجح:
- يحيط بموضوع الندوة قبل انعقادها.
- يقرأ أعمال المؤطرين وسيرهم العلمية.
- يوجه النقاش نحو الأهداف المحددة.
- يتدخل عند الحاجة لتوضيح فكرة أو إعادة توجيه الحوار.
- يحترم وقت الحضور والمتدخلين.
أما حين يتحول المسير إلى باحث عن المعلومات أثناء الندوة، أو يظهر غير ملم بالموضوع، فإن ذلك ينعكس سلبا على جودة النقاش.
من حق أي متدخل ألا يعرف كل شيء، لكن من واجبه أن يتعامل مع الأسئلة بوضوح وشفافية.
فحين يطرح سؤال محرج أو معقد، فإن الجواب المهني ليس التهرب أو تغيير الموضوع، وإنما الاعتراف بالحاجة إلى مزيد من البحث إذا اقتضى الأمر، أو تقديم رأي علمي مؤسس على معطيات واضحة.
الجمهور يحترم الصدق العلمي أكثر مما يحترم الأجوبة المرتجلة أو المراوغة.
إن الندوة الناجحة لا تصنعها القاعة الفخمة ولا عدد الحاضرين فقط، بل تصنعها الجاهزية العلمية، واحترام الجمهور، وجودة التأطير، وحسن التسيير، وأناقة العرض شكلا ومضمونا.
فالمعرفة الحقيقية تظهر في قدرة المتدخل على تقديم أفكاره بثقة ووضوح، وفي استعداده للإجابة عن الأسئلة دون ارتباك أو بحث متأخر عن المعلومات. كما أن احترام قواعد المهنة يقتضي التمييز بين الصحفي والإعلامي، وبين من يمارس الصحافة وفق ضوابطها.
وعندما نجمع بين الكفاءة العلمية، والهندام اللائق، ولغة الجسد المتوازنة، والاحترام العميق للجمهور، تتحول الندوة من مجرد لقاء عابر إلى حدث فكري يترك أثرا حقيقيا في الذاكرة.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس