من الوطنية إلى الانفصال: عندما يتحول الغضب إلى مواقف انفصالية.
منذ اندلاع النزاع حول الصحراء المغربية، ظل هذا الملف مجالا لتجاذبات إقليمية ودولية معقدة تجاوزت في كثير من الأحيان إرادة أبناء المنطقة أنفسهم. فقد تأسست جبهة البوليساريو سنة 1973 في سياق إقليمي ودولي اتسم بالحرب الباردة والصراعات الإيديولوجية، قبل أن تتحول تدريجيا إلى أداة ضمن حسابات جيوسياسية أكبر من الشعارات التي رفعتها في بداياتها. وخلال هذه المسيرة الطويلة، ظلت المملكة المغربية تواجه مختلف التحديات السياسية والعسكرية والدبلوماسية دفاعا عن وحدتها الترابية، معتمدة على تلاحم مؤسسات الدولة والتفاف مواطنيها حول ثوابتها الوطنية.
لقد شهدت العقود الماضية تحولات عميقة في طبيعة هذا النزاع، حيث انتقل من المواجهة العسكرية المباشرة إلى معركة سياسية وإعلامية ودبلوماسية مفتوحة. وفي الوقت الذي استثمرت فيه الجزائر وحلفاؤها إمكانيات كبيرة لدعم أطروحة الانفصال، اختار المغرب نهج البناء والتنمية وتعزيز حضوره الدولي، إلى أن أصبح مقترح الحكم الذاتي يحظى بدعم متزايد من العديد من القوى الدولية باعتباره أساسا جديا وواقعيا لتسوية هذا النزاع الإقليمي.
وخلال مراحل مختلفة من هذا الملف، عاد آلاف الصحراويين إلى أرض الوطن استجابة لنداء "إن الوطن غفور رحيم"، الذي أطلقه المغفور له الملك الحسن الثاني، رحمه الله. وقد شكلت تلك العودة محطة فارقة كشفت حجم الروابط التاريخية والاجتماعية والإنسانية التي تجمع أبناء الصحراء بوطنهم الأم، كما فتحت المجال أمام الكثيرين للاطلاع على الحقائق بعيدا عن الدعاية والتعبئة التي سادت داخل مخيمات تندوف لعقود طويلة.
وفي المقابل، برزت بين الفينة والأخرى أصوات مغربية من أصول صحراوية اختارت الاصطفاف إلى جانب أطروحة الانفصال بعد أن كانت تعلن انتماءها الكامل للوطن ( بادي عبدربوـ محمد الراضي الليلي ـ باهي بريكة........، وهذه التحولات المفاجئة في المواقف تطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياتها ودوافعها الحقيقية، خاصة عندما تتحول الخلافات الشخصية أو الحسابات الضيقة إلى مواقف سياسية جذرية تناقض التاريخ والهوية والانتماء. فالمغاربة يدركون جيدا أن تغيير المواقف حق مشروع، لكن التنكر للحقائق الثابتة ومحاولة إعادة تقديم الذات كناطق باسم مشروع انفصالي يظل أمراً يصعب إقناع الرأي العام بصدقيته.
لقد بالغ بعض هؤلاء في خصومتهم للمغرب إلى درجة تبني خطاب يتقاطع بشكل كامل مع خطاب خصوم الوحدة الوطنية، متجاهلين أن قوة الدول لا تقاس بضجيج المنصات ولا بحملات التحريض الإعلامي، بل بقدرتها على ترسيخ الشرعية وتعزيز التنمية وكسب المساندة الدولية. وبينما يواصل المغرب تعزيز مكانته الإقليمية والدولية وتوسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي، يظل تأثير هذه الأصوات المعزولة محدودا، لأنها لا تستند إلى مشروع واقعي بقدر ما تستند إلى ردود أفعال ظرفية ومواقف متقلبة.
إن الذين يحاولون اليوم إقناع المغاربة بأنهم اكتشفوا فجأة "حقيقة" ظلت غائبة عن الجميع، يواجهون معضلة أساسية تتمثل في أن سيرهم الذاتية وتاريخهم الشخصي وهويتهم الوطنية معروفة للجميع. فهم في نظر كثيرين ليسوا سوى مغاربة غاضبين اختاروا ارتداء عباءة الانفصال لأسباب ذاتية أو حسابات ظرفية، وقد يخلعونها متى تغيرت الظروف أو تبدلت المصالح. أما المغرب، الدولة العريقة الممتدة في التاريخ والجغرافيا، فإنه يواصل بثبات مساره التنموي والدبلوماسي، مستندا إلى شرعية التاريخ وقوة المؤسسات وإجماع غالبية أبنائه. ولذلك تبقى المواقف العابرة والأصوات المتقلبة مجرد هوامش في مسار وطن يمضي إلى الأمام، بينما يظل الرهان الحقيقي هو خدمة الوطن لا المتاجرة بقضاياه، والبناء لا الارتهان لأوهام أثبت الزمن محدوديتها.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس