الثقافة كدرع مساند للكولونيالية

الثقافة كدرع مساند للكولونيالية
عبد السلام اضريف 06 يوليو 2026

يقول ادوارد سعيد في كتاب "ادوارد سعيد دراسات ومقدمات مختارة "جمع وتقديم محمد شاهين، الصفحة 115

" وحين اندلاع الحرب العالمية الأولى ،كانت أوروبا وأمريكا تخضعان 85% من مساحة الكرة الأرضية للون او آخر من ألوان الاستتباع الكولونيالي. وغني عن القول ان هذا لم يحدثني نزوة طائشة او في معرض طفرة تجارية غافلة…الثقافة لقد لعبت دورا بالغ الأهمية، لم يكن بالإمكان الاستغناء عنه في العملية الاستعمارية. ففي نقطة صميم الثقافة الأوروبية، خلال العقود العديدة للتوسع الاستعماري، كانت تكمن نزعة يمكن تسميتها بنزعة (التمحور الذاتي الأوروبي) المنفلت من عقاله، عمدت إلى مراكمة الخيرات، والأراضي، والشعوب والتواريخ، ودراستها وتصنيفها وتمحيصها، ولكنها عمدت فوق ذلك كله إلى الى إخضاعها جميعا لثقافة أوروبا المسيحية البيضاء. ينبغي النظر إلى هذه العملية الثقافية ان لم يكن بما هي الأصل وعلة العلل، فعلى الأقل على أنها العامل الحيوي والملهم والمحفز الذي واكب الآلية الاقتصادية والسياسية التي بتنا نقر جميعا بانها في صميم الإمبريالية. كذلك تجدر الملاحظة ان تلك الثقافة المتمحورة ذاتيا كانت تجرد وتصنف كل شيء عن العالم غير الأوروبي، او المسمى <الطَّرفي> بطريقة مكثفة ومفصلة إلى درجة أنها لم تعف عن أي مادة، ولم تترددي دراسة اية ثقافة، ولا هي تلكأت في المطالبة بحقها في استتباع شعب، او الاستحواذ على اية ارض. فإذا الشعوب المخضعة يجمع بينها أنها مستتبعة بحكم الطبيعة لأوروبا المتوفقة المتقدمة النامية والناضجة اخلاقيا، يشتما دورها في العالم غير الأوروبي على ان تحكم وتعلم وتشرع وتنمي غير الأوروبيين، وتؤدبهم، عندما تدعو الحاجة، وتشن عليهم الحروب، بل وتنظم في حقهم حملات إبادة الأجناس بين الحين والآخر…"

هذا تشخيص دقيق لرجل خبر جيدا الفكر الغربي في شقه السياسي والاقتصادي ،والغريب في الأمر اننا استثنينا المجال الثقافي الذي يعتبر في الأساس الدرع الذي لا يقل أهمية عن القطاع السياسي والاقتصادي في تثبيت وتمويه الحقائق الصورية لهذا الفكر ، فالثقافة الغربية لعبت دور المساند المواكب للنشاط السياسي والاقتصادي والعسكري في ضرب كل الثقافات المختلفة للعنصر الأبيض المتفوق ،وكاَن هذا الفكر هو الذي تتمحور حوله ودون غيره عملية الإنماء ، التقدم، النضج الأخلاقي ،، إلى درجة الحق في التأديب عندما تدعو الحاجة إلى ذلك

يضيف الأستاذ ادوارد سعيد في نفس السياق "…وإذا كنا لا نزال نتحرج عند ملاحظة ان تلك الشرائح من المجتمع، التي طالما اعتبرناها تقدمية، كانت متساوية في نقوصها فيما يتعلق بالمسالة الكولونيالية ، فينبغي ان نبقى غير هيابين عن الإفصاح عن ذاك .وعندما أتحدث عن -نقوصيين- فاني اعني الكتاب والفنانين المتقدمين ، والطبقة العاملة ، والحركة النسائية،  وجميعها فئات كانت حميتها الاستعمارية تتصاعد ، وحماستها تزداد توقدا للسيطرة على ذلك السواد من ال-نيغرز- ( للسود) و- سكان المستنقعات- و-البابوس- ( للهنود) وال- ووغر- ( للعرب) ، وإخضاعهم دمويا ، كلما ازدادت  المنافسة بين القوى الأوروبية والأمريكية المختلفة توحشا وعبثا في سيطرتها التي كانت تبلغ احيانا مبالغ لانعدام الجدوى." 

هنا لابد وان نتوقف قليلا، بأننا كنا مخطئين حينما كنا نستبعد العنصر الثقافي، ونبرؤه من تهمة المساند الرسمي في الهجمة الشرسة التي يقودها الجانب العسكري والسياسي، في اخضاع الآخر، وخاصة إذا كان هذا الآخر تنعم طبيعته الجغرافية بثروات طبيعية، أهلته اقتصاديا لتولي مركز اقتصادي هام على مستوى الاقتصاد العالمي

نفس السيناريو ما زلنا نعيشه على مستوى المعترك السياسي والاقتصادي والثقافي، على مستوى العقد الثاني من الألفية الثالثة، بل ازداد حِدة مع اشتداد العولمة والرقمنة اللتان تم استغلالهما وبصورة بشعة في تدليل الآخر، وفي إخضاعه علميا، اخلاقيا وأدبيا



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا