ما الذي يجعل مواطنا يبدو مواطنا؟…… كرة القدم، إسبانيا وسياسة النسب
تروي كل أمة سردية خاصة بها حول مفهوم الانتماء؛ فالبعض يرويها عبر الدساتير، وبعضها الآخر عبر اللغة، بينما تختار أمم أخرى أن تسردها عبر تاريخ الأسلاف. ولطالما ظلت إسبانيا المعاصرة تسرد قصتها مستعينة بهذه الأركان الثلاثة معا.
وفي السياق ذاته، ففي عشية مباراة النصف النهائي لكأس العالم 2026 بين إسبانيا وفرنسا، قدم رئيس الوزراء الإسباني الأسبق ماريانو راخوي ما بدا وقتها أنه مجرد تعليق كروي عادي؛ إذ لاحظ أن فرنسا تمتلك واحدا من أقوى المنتخبات في البطولة. غير أنه سرعان ما أعقبت ذلك جملة طارت في خوافق الأرض ومغاربها في ثوان معدودات. فقد كتب راخوي معلقا أن فرنسا تمتلك فريقا ممتازا " ولكن: بدون لاعبين فرنسيين " .
وأعقبت هذا التعليق ردود فعل فورية وحاسمة، إذ رد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو مؤكدا أن فرنسا لا لون لبشرتها، فيما ذكرت السفارة الفرنسية في مدريد القراء بحلم وصبر أن كل عضو في هذا الفريق هو فرنسي عن جدارة، فمعظمهم ولدوا في فرنسا، والبقية مواطنون فرنسيون بحكم القانون. وفي السياق ذاته، أدان رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، تصريح راخوي ووصفه بالعنصري مختتما تدوينة له على وسائل التواصل الاجتماعي بقوله: "ليفز الفريق الأفضل، ولتهزم العنصرية".
أما الصحف عبر أوروبا فقد تعاملت مع هذا الجدل، ببساطة، باعتباره فصلا آخر ضمن حكاية العنصرية في كرة القدم. وفي ظرف ساعات قلائل، استحال الجدل الكروي إلى أزمة دبلوماسية، ولم تكتسب هذه الضجة أهميتها من صدور تعليقات استفزازية من حين لآخر عن السياسيين في شأن كرة القدم، بل يرجع ذلك إلى أن كلمات راخوي بدت وكأنها تطعن في حقيقة تسلم بها الديمقراطيات الحديثة بداهة.. مؤداها أن المواطنة وحدها كافية لتحديد من ينتمي إلى الوطن.
وواقع الأمر أن "راخوي" لم يكن يشكك في جواز سفر أي منهم، فقد كان يعلم يقينا أن كيليان إمبابي، وعثمان ديمبيلي، وأوريليان تشواميني هم مواطنون فرنسيون حقا، كما لم يكن ليشكك في قدراتهم الكروية إطلاقا، فقد وصلت فرنسا بفضلهم إلى نصف نهائي كأس العالم مرة أخرى. لكن تعليقه كان يشير إلى مفصل آخر، إذ كان يلمح إلى أن المواطنة القانونية قد فشلت في حسم سؤال أكثر غورا. فإذ كان هؤلاء اللاعبون فرنسيون بمقتضى القانون، فما الذي كان ينقصهم بالضبط في نظر راخوي؟ ولعل هذا السؤال يأسر اهتمامي أكثر من تعليق راخوي ذاته.
إنه يستدعينا لنتساءل: لماذا يستمر تاريخ الأنساب في امتلاك هذه السلطة الرمزية في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة المبنية على المواطنة المدنية؟ لماذا تنزلق النقاشات العامة حول المنتخبات الوطنية غالبا بعيدا عن جوازات السفر لتتجه نحو الآباء، وبعيدا عن مساقط الرؤوس لتبحث في الأصول، وبعيدا عن المواطنة لتغوص في النسب والولادة؟
والمؤكد أن ما جعل تعليق "راخوي" ممكنا هو أن كرة القدم تطلب من الأمم أن تفعل شيئا قلما تطلبه أي مؤسسة أخرى؛ إذ تطلب منها أن تتخيل نفسها جسدا واحدا.
في معظم الأوقات، تظل الأمم مجرد مفاهيم مجردة تعيش في جوازات السفر، والإحصاءات السكانية، والدساتير، والخرائط. ولن يتسنى لمواطنيها أبدا أن يعرفوا سوى جزء ضئيل للغاية من أولئك الذين يُفترض أنهم يتشاركون معهم هوية واحدة. ومن ثم، فإن الانتماء الوطني هو في جوهره فعل تخيل، يطلب من ملايين الغرباء أن يعترفوا بأنهم ينتمون إلى السردية الجماعية ذاتها.. غير أن كرة القدم الدولية تحدث تغييرا مؤقتا في هذه العلاقة.
فطوال تسعين دقيقة، تكتسب الأمة ملامح ووجوها مرئية. فملايين المواطنين الذين لم يجمعهم قط لقاء، يتوافقون على أن أحد عشر لاعبا سيمثلونهم ويقفون مقامهم أمام مرأى العالم. هكذا يختزل المنتخب الوطني مجتمعا سياسيا بكامله في عدد معدود من الأجساد.. فتصير الأعلام قمصانا، وتغدو الأناشيد أصواتا تنبض بالحياة، وتتحول اللحظات، نصرا كان أو هزيمة، إلى وجدان جماعي يشتركون فيه جميعا.
ولهذا السبب بالذات، تثير كرة القدم مرارا وتكرارا أسئلة تتجاوز حدود الرياضة بكثير: من يتكلم باسمنا؟ من يمثلنا؟ ومن ينتمي إلينا حقا؟
ونادرا ما تُطرح هذه الأسئلة في غمرة الحياة السياسية المعتادة، ومرجع ذلك أن الديمقراطيات الحديثة تفترض سلفا أنها قد فرغت من الإجابة عنها. فإذا كانت الدساتير تُعرِّف المواطنين بمنطق القانون لا بمنطق النسب، وإذا كانت جوازات السفر توثق عرى العضوية، وإذا كانت الانتخابات تقر المساواة السياسية، فإن الخطاب القانوني للدولة يبدو حينئذ شديد الوضوح وكأنه حسم كل شيء.
بيد أن الخيال الجمعي العام غالبا ما يكون أقل يقينا، فلطالما لاحظ علماء الأنثروبولوجيا أن المجتمعات تتخيل الانتماء بطرق مختلفة، عبر الإقامة، أو الدين، أو اللغة، أو النسب. وفي حين تصر الدولة القومية الحديثة على أن المواطنة القانونية كافية لحسم المسألة، تسارع الأحاديث اليومية غريزيا إلى توظيف معجم آخر، حيث يسأل الناس عن الآباء، والأصول، والتواريخ العائلية، لتتسلل الأنساب في هدوء عند النقطة التي افترضت المواطنة أن النقاش سينتهي عندها.
وتحقيقا لذلك، إنني أنظر إلى هذا الأمر ببالغ الاهتمام بوصفه خيالا جينيالوجيا Genealogical Imagination وأقصد به ذلك الميل الملح إلى التعامل مع سلالة النسب باعتبارها تفصح عن حقيقة أكثر غورا في الانتماء الوطني مما تفصح عنه المواطنة نفسها. فبينما تدير الديمقراطيات الحديثة شؤونها بمنطق المواطنة، تظل في سريرتها تتخيل ذاتها بمنطق النسب.
وهنا تحديدا تبرز أهمية كرة القدم التي تجعل هذا التوتر مرئيا على نحو استثنائي؛ لأن التنافس الدولي يحول العضوية القانونية المجردة إلى تجسيد علني وملموس للأمة. ولم يعد السؤال حينئذ عما إذا كان الشخص مواطنا بحكم الأوراق فحسب، بل تجاوز ذلك ليصبح عما إذا كان يبدو أنه يجسد كيان الأمة نفسها.
وفي هذا السياق، اشتهر بينيديكت أندرسون بوصفه الأمم بأنها "مجتمعات متخيلة" (Imagined Communities لا يعرف معظم أعضائها بعضهم البعض أبدا، ومع ذلك يتخيلون أنفسهم ينتمون إلى كينونة واحدة. ولاحقا، أوضح مايكل بيليغ كيف تواصل النزعة القومية حضورها عبر الطقوس الهادئة للحياة اليومية، كالأعلام المعلقة بغير اكتراث خارج المباني العمومية، وخرائط النشرة الجوية، وعناوين الصحف، والمنافسات الرياضية. غير أن كرة القدم تكثف هذه الطقوس العادية، لتحولها إلى لحظات استثنائية من الحضور الباذخ، فطوال زمن المباراة، يغدو ذلك المجتمع المتخيل مرئيا، ومحفوفا بشحنة وجدانية جياشة. وعندئذ، وفي مثل هذه اللحظات بالذات، يتغير السؤال بهدوء.. ليتخذ وجها آخر، إذ لم يعد مجرد من نكون نحن؟ بل أصبح أين تكمن أصولنا؟
وواقع الحال أن راخوي لم يكن من ابتكر هذا السؤال. بل إن تصريحه كشف فقط عن أنه، وتحت العباءة الدستورية للمواطنة، ثمة لغة أخرى للانتماء لا تزال تتكلم في الخفاء.
ولفهم السبب الذي يجعل سلالات الأنساب تستمر في ممارسة كل هذه السلطة الرمزية في أوروبا المعاصرة، فإنه يتوجب على المرء أن يغادر ملعب كرة القدم، ويسافر عبر الزمن عدة قرون إلى الخلف.
فعلى سبيل المثال، خلال نشأتي في حوض زيز الأوسط بـ "الرشيدية" في أقصى الجنوب الشرقي للمغرب، لم تكن إسبانيا تبدو قط بلدا غريبا تماما، إذ كانت حاضرة في أحاديث القرى والعائلات، وسرديات الهجرة، وبث المباريات الكروية، وفي الجغرافيا اليومية للخيال الجمعي. ففي الضفة الأخرى لمضيق جبل طارق، تقبع دولة كانت في الآن ذاته جارة، وقوة استعمارية سابقة، ووجهة للمهاجرين، وقبل ذلك في أعماق التاريخ: الأرض التي كانت يوما ما هي "الأندلس"؛ إيبيريا ذات الحكم الإسلامي، الذي يظل تاريخها منسوجا بعمق في الذاكرة التاريخية المغربية. ولم تكن المسافة التي تفصلنا تُقاس بالكيلومترات فحسب، بل بقرون طويلة من التاريخ المشترك. ومن هذا المنظور المغربي، كانت النقاشات حول الهوية الإسبانية تصدح دائما بإيقاع مختلف.. كأنها صدى لمحادثات ظلت تعبر البحر الأبيض المتوسط عبر الأجيال.
ففي معظم فترات القرون الوسطى، كان الدين هو اللغة الرئيسية للانتماء في شبه الجزيرة الإيبيرية، حيث شغل المسيحيون والمسلمون واليهود مواقع قانونية وسياسية متباينة، غير أن الحدود التي تفصل بينهم كانت -من حيث المبدأ- قابلة للاختراق. وكان التحول الديني يحمل في طياته الوعد بعبور تلك الحدود؛ فمهما كانت الدوافع أو درجة الإخلاص، كان التعميد قادرا على تغيير الهوية القانونية للفرد. إلا أن سقوط غرناطة عام 1492 قد حوّل ذلك العالم برُمته.
حينها، استعادت الممالك المسيحية السيادة السياسية على شبه الجزيرة، غير أن النصر العسكري أسفر عن مشكلة لم تكن في الحسبان، فمع تحول المسلمين واليهود إلى المسيحية -بعضهم طواعية، وكثير منهم تحت ضغط قاهر- بدأت الحدود الدينية القديمة بالتلاشي. وإذا كان المنتمون الجدد يجهرون بالدين نفسه الذي يجهر به الجميع، فكيف يمكن الاستمرار في التمييز بينهم وبين غيرهم؟
نتيجة لذلك، لم تلبث الإجابة أن تبلورت تدريجيا، سواء في كتب اللاهوت والعقيدة، أو في سلالات النسب وأصول العروق. ومع طمس التحول الديني للحدود الفاصلة القديمة، غدا الأصل العائلي والنسب هو المعيار الحاسم في تحديد الانتماء. فالمعتقد القلبي يمكن الادعاء به، والولاء يمكن إثباته، واللغة يمكن تعلمها، بيد أن النسب ظل راسخا لا يطاله التغيير. وهكذا تحول النسب إلى وثيقة إثبات ناطقة، مما أحدث انقلابا لم يقتصر على الممارسات الإدارية فحسب، بل طال البنية الأنثروبولوجية للانتماء الإنساني برمته.
وقد وجد هذا التحول تجسيده المؤسسي في عقيدة نقاء الدم limpieza de sangre التي وضعت خطا فاصلا بين المسيحيين القدامى والمسيحيين الجدد، ثم انسحب هذا التمييز تصاعديا ليطال أعقابهم وذرياتهم. صحيح أن التحول الديني كان قادرا على تبديل الصفة الإيجابية للعقيدة، لكنه عجز تماما عن محو شجرة النسب. وبذلك أصبح النسيج العائلي رصيدا اجتماعيا وشرطا أساسيا يتحكم في فرص بلوغ الجامعات، ورتب الفرسان، والمؤسسات الدينية، والمناصب الرسمية، وكل مفاصل الإمبراطورية الإسبانية المتسعة.
ولقرون طويلة، كان الدين بمثابة المعيار الأبرز الذي يُستدل به على الاختلاف والتمايز؛ غير أنه بعد سقوط غرناطة، بات النسب يضطلع بهذا الدور تدريجيا. فلم يعد الاعتناق الديني كافيا لحسم المسألة، وإنما أدى فحسب إلى ترحيلها نحو ساحة أخرى؛ إذ صار يقبع خلف كل إعلان بالولاء والإيمان استجواب خفيّ آخر، لا يسائل الاعتقاد في كنهه، بل ينقب في سراديب الأصول والأنساب.
وفي هذا السياق، بين المؤرخون كيف تمدد هذا المنطق النسبي ليتجاوز حدود شبه الجزيرة الإيبيرية بكثير. ففي أرجاء الإمبراطورية الإسبانية الأطلسية، انكب المسؤولون على تمحيص التواريخ العائلية، والتدقيق في السلالات، وطالبوا بإثباتات للنسب من أشخاص لم تكن هويتهم الدينية موضع شك البتة. فلم يعد الانتماء يتأسس حصرا على السلوك العام أو الوضع القانوني، ولكنه غدا يستلزم، وبشكل متزايد، أصلا موروثا.
مع ذلك، إن إسبانيا المعاصرة تتأسس على مبدأ المساواة الدستورية، ولن يزعم أي متتبع موضوعي أن "ماريانو راخوي" قد استدعى عقيدة "نقاء الدم" عن وعي وقصد. فالديمومة التاريخية نادرا ما تشتغل بهذا النحو، إذ قلما تحيا الأفكار وتصمد على هيئة اقتباسات حرفية، بل إنها تستمر وتعيش في هيئة عادات متأصلة.
وهكذا، لا أحد يتساءل اليوم عما إذا كان لاعب كرة القدم ينحدر من عائلة مسيحية قديمة. بل إن ما يطفو على السطح هي أسئلة من طينة أخرى: من أين ينحدر والداه؟ وما هي أصوله الحقيقية؟ لقد تغير المعجم اللغوي، لكن الغريزة التي تدفع للنبش في الأنساب من تحت عباءة المواطنة لم تتغير قيد أنملة.
ولا يزال الخيال العام يتعامل مع سلالة النسب بوصفها تفصح عن حقيقة أعمق مما تفصح عنه المواطنة ذاتها. وهذا، في تقديري، يمثل واحدة من المفارقات المستعصية في المجتمعات الديمقراطية الحديثة، فالمواطنة تحدد من ينتمي بقوة القانون. في حين يستمر منطق النسب في إملاء من يحق له أن يشعر بالانتماء الحقيقي داخل الخيال الجمعي.
وليس القصد هنا القول بأن إسبانيا المعاصرة لا تزال محكومة في الخفاء بعقيدة نقاء الدم؛ فهي قطعا ليست كذلك. إن البعد في حقيقته أكثر انثروبولوجية، فطرائق تخيل المجتمع غالبا ما تعمر طويلا وتتجاوز المؤسسات التي أنجبتها للمرة الأولى، لتغدو جزءا من الحس المشترك العادي، منفكّة عن جذورها التاريخية، غير أنها تواصل بهدوء صياغة الكيفية التي تُطرح بها الأسئلة الجديدة.
ولو حاولنا تقريب الصورة، يمكننا أن نتخيل، للحظة، وضع وثيقتين جنبا إلى جنب على الطاولة: إحداهما شهادة نقاء الدم certificado de limpieza de sangreتعود للقرن السادس عشر، تشهد بأن حاملها ينحدر من مسيحيين قدامى؛ والأخرى جواز سفر إسباني يعود للقرن الحادي والعشرين. فهاتان الوثيقتان تنتميان إلى عالمين سياسيين مختلفين تمام الاختلاف؛ فوثيقة تشهد بالنسَب، والأخرى تشهد بالمواطنة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأسئلة التي ترافق جواز السفر أحيانا قد تبدو مألوفة بشكل غريب: من أين ينحدر والداه؟ وما هي أصوله الحقيقية؟ لقد تغيرت الوثيقة، أما الغريزة التي تدفع لتجاوزها فلم تتغير.
وعليه، لا يكتسي حضور "الموري" أهمية هنا لأن الإسبان المعاصرين ما زالوا يفكرون بمقولات العصور الوسطى، ولا لأن النقاشات الحديثة تكتفي بتكرار ما جرى في الماضي، بل إن "الموري" تحول إلى أحد الشخصيات التاريخية الراسخة التي تعلمت من خلالها إسبانيا كيف تتخيل الأنساب، والآخرية، والانتماء. وعلى مر القرون، اكتسبت هذه الشخصية دلالات جديدة، بيد أن ما صمد واستمر لم يكن الشخصية ذاتها، وإنما عادة التطلع إلى ما وراء المواطنة باتجاه الجذور والأصول.
وهنا بالضبط تصبح علاقة إسبانيا بالمغرب فائقة الدلالة؛ فلم تختفِ شخصية "الموري" من التاريخ الإسباني بعد سقوط غرناطة، ولكن كل ما هنالك أنها عبرت المضيق في أعقاب حرب الاسترداد. ولم يزل المغرب أبدا أقرب الآخرين التاريخيين لإسبانيا. وما تغير عبر القرون الخمسة لم يكن العلاقة في حد ذاتها، وإنما الأشكال والصيغ التي عُمِّرت بها: التعايش، والغزو، والإمبراطورية، والهجرة، وانتهاء بالمواطنة.
وطوال القرون الأربعة التالية، ظل المغرب أحد أشد جيران إسبانيا قربا، وأكثر مرجعياتها التاريخية استمرارا وحضورا. فلم يكن البحر الأبيض المتوسط فاصلا بين عالمين لا علاقة بينهما، قدر ما كان صلة وصل بين مجتمعات أمضت قرونا وهي تشكل بعضها بعضا، فاستمرت التجارة، وتواصلت الدبلوماسية، وتواترت حكايات الأسر، والقرصنة، والهجرة. وكذلك استمر تداول القصص التي استلهمها كل مجتمع ليتخيل بها الآخر.
ففي عام 1912، فرضت إسبانيا حمايتها على شمال المغرب، لتفسح الحدود القروسطية المجال أمام حدود استعمارية جديدة. ولم يعد "الموري" يُنظر إليه في المقام الأول باعتباره المسلم المنهزم في حرب الاسترداد، ولكن بوصفه رعيّة استعمارية لإمبراطورية أوروبية. ومع ذلك، لم تكن تلك النقلة كاملة قط، فالاستعمار لم يمحُ الذكريات القديمة، بل أعاد تشكيلها وظل المغرب هو الحيز الذي واصلت إسبانيا من خلاله تعريف نفسها بأنها أوروبية ومسيحية وحديثة، حتى في الوقت الذي ازدادت فيه المجتمعات تداخلا وتشابكا.
إذ إن للإمبراطوريات مفارقة عجيبة؛ فهي تحاول دائما فرض الفواصل والمسافات، لكنها تنتهي رغما عنها إلى ربط الشعوب التي تريد فصلها عن بعضها. فقد أدار المسؤولون الإسبان شمال المغرب، وعبر العمال المغاربة الحدود إلى الأراضي الإسبانية، وخدم الجنود تحت إمرة ضباط إسبان. وتنقّل التجار بين طنجة، وتطوان، وسبتة، ومليلية، والأندلس. وأقامت العائلات روابط اجتماعية ضربت عرض الحائط بالحدود الدقيقة المرسومة على الخرائط، وظل مضيق جبل طارق ممرا أكثر منه حاجزا، يحمل البشر وتواريخهم في الاتجاهين معا.
وقد بلغت تناقضات هذه العلاقة ذروتها بحيث أصبحت أشد وضوحا وجلاء خلال الحرب الأهلية الإسبانية. فقد أطلق فرانسيسكو فرانكو تمرده العسكري لا من مدريد أو إشبيلية، ولكن من المغرب الإسباني. وعبر "جيش الإفريقية" التابع له -الذي كان يتألف في الغالب من جنود مغاربة إلى جانب ضباط إسبان- المضيق في عام 1936 ليقاتل إلى جانب القوميين. وهكذا أصبح عشرات الآلاف من المغاربة مشاركين لا غنى عنهم في صراع كفيل بتحديد المستقبل السياسي لإسبانيا بأكمله.
غير أن التاريخ يظل عصيا.. إذ نادرا ما يستكين التاريخ لمثل هذه التصنيفات البسيطة والسطحية. فعلى مدار قرون، ظل "الموري" حاضرا في الذاكرة التاريخية لإسبانيا بوصفه فاتحا، ومنافسا دينيا، وآخرَ حضاريا. أما خلال الحرب الأهلية، فقد تحول إلى شيء آخر.. الجندي الذي أثبتت خبرته العسكرية وانضباطه أهميته البالغة لحملة فرانكو. وهكذا ساهمت الشخصية التي طالما حددت الاختلاف التاريخي لإسبانيا في صياغة الدولة الإسبانية الحديثة نفسها.
وهنا تتجلى المفارقة بوضوح مذهل، فالخيال التاريخي ذاته الذي طالما ميز إسبانيا عن المغرب، اعتمد في لحظات حاسمة على أرواح المغاربة.. ولم تنتهِ هذه العلاقة بانتهاء الاستعمار.
فلما استعاد المغرب استقلاله في عام 1956، ظلت الدولتان مرتبطتين بالجغرافيا، والتجارة، والهجرة. وعلى مدار العقود التالية، عبر مئات الآلاف من المغاربة المضيق بحثا عن العمل، والتعليم، والفرص الجديدة. واليوم، يشكلون واحدة من أكبر الجاليات المهاجرة في إسبانيا، فأبناؤهم يرتادون المدارس الإسبانية، ويتحدثون الإسبانية بلهجات محلية، ويشجعون الأندية الكروية الإسبانية ويلعبون لصالحها، كما باتوا يحتلون بمرور الوقت مواقع أكثر بروزا في الحياة العامة الإسبانية.
لقد تغير اتجاه الحركة.. فبينما كانت إسبانيا تنظر قرونا طويلة جنوبا نحو المغرب باعتباره مستعمرة، أو منطقة عسكرية، صار المغرب تدريجيا جزءا من المشهد الاجتماعي لإسبانيا ذاتها. وأصبح الفصل القديم بين "هنا" و"هناك" أكثر صعوبة في الاستمرار. فالصورة التاريخية التي كانت تتكشف في يوم ما عبر المتوسط، باتت تتكشف اليوم داخل المدن، والفصول الدراسية، والملاعب الرياضية الإسبانية. ومن شأن هذا التاريخ الطويل أن يزيد النقاشات المعاصرة حول الانتماء الوطني تعقيدا.
إذ إن الأسئلة المتعلقة بالنسب والأصول لا تنشأ في فراغ تاريخي.. إنها تتشكل عبر قرون من التواصل احتل فيها المغرب مواقع متعددة وغالبا متناقضة داخل الخيال الإسباني: جار ومنافس.. مستعمرة وشريك.. مصدر للعمل ومصدر للقلق.. موضوع لفتنات ومؤشر للاختلاف. ولم يكن "الموري" يوما شخصية تاريخية ثابتة، بل جرى إعادة ابتكاره باستمرار كلما تغير فهم إسبانيا لمفهوم الاختلاف.
نتيجة لكل ما سبق، فإن الشخصية التاريخية التي طالما تخيلوها في صورة "الموري" لم تعد تقف خارج الجماعة التخيلية الإسبانية، فكثيرون ممن أُلصق بهم ذلك الدور في الماضي باتوا اليوم مواطنين إسبان عادين.
وهذه المعالم تتجسد بوضوح في شخصية لامين يامال Lamine Yamal))، إذ يكشف حضوره في صفوف المنتخب الإسباني كيف انتقلت علاقة الأمة التاريخية بالمغرب من التخم إلى العائلة، ومن المستعمرة إلى المواطن، ومن مضيق جبل طارق إلى أرضية الملعب.
وحين يُنظر إليه في ضوء هذا التاريخ الطويل، يصبح لامين يامال أقرب إلى لغز إثنوغرافي منه إلى مجرد لاعب كرة قدم. ولا توجد أدنى شبهة غموض حيال جنسيته؛ فهو مولود في إسبلوغيس دي يوبريغات قرب برشلونة، ونشأ في كتالونيا، والتحق بأكاديمية "لا ماسيا" الشهيرة التابعة لنادي برشلونة منذ طفولته، ليبرز كواحد من أذكى مواهب جيله الكروية. فهو يتحدث لغة البلد الذي نشأ فيه، ويمثل إسبانيا في المنافسات الدولية، وأصبح -وهو لا يزال في سن المراهقة- أحد أبرز وجوه كرة القدم الإسبانية.
دستوريا، وسياسيا، وسيريا، تبدو المسألة محسومة تماما. ومع ذلك، نادرا ما يقف النقاش العام عند هذا الحد. عاجلا أم آجلا تبرز ملاحظة أخرى: والده مغربي. وهذه الملاحظة ليست عنصرية في حد ذاتها، لكنها تكشف بوضوح مدى سرعة انتقال النقاش العام من الجنسية إلى النسب. فالجنسية تحدد الانتماء القانوني والعضوية. بينما يبحث النسب عن الأصالة.
ورغم أن الديمقراطية الحديثة تعدنا بأن الجنسية تكفي وحدها لحسم سؤال الانتماء، إلا أن الخيال العام يظل في كثير من الأحيان باحثا عن إجابة أخرى، متسائلا عما إذا كان النسب يكشف شيئا عاجزا عن إظهاره جواز السفر، وما إذا كانت الأصول الموروثة تفصح عن حقيقة أعمق من العضوية القانونية.
غير أن لامين يامال لا يخلق هذا التوتر، بل يجعله مرئيا للعيان. فعندما سُئل عن الجدل الدائر حول تصريحات راخوي، رفض الإجابة بلغة النسب والأصول، مقدما في المقابل معجما مختلفا تماما: "إذا كانت كرة القدم قادرة على صنع الفارق، فمن خلال الاندماج. فكل من فرنسا ونحن [إسبانيا] مثالان على الاندماج". لقد أعاد رده توجيه دفة النقاش بهدوء بعيدا عن الأصول الموروثة ونحو مستقبل مدني مشترك. وبفعل ذلك، أجاب على الجدل الدائر دون أن يقبل بفرضياته الكامنة.
وفي هذا السياق، باعتمادنا على أعمال ميشيل لامونت حول الحدود الرمزية، يمكننا أن نرى كيف تميز المجتمعات بين أولئك المعترف بانتمائهم الكامل وبين من تظل عضويتهم عرضة للتشكيك، مهما بدا ذلك خافتا. وهذه الحدود نادرا ما تكون ثابتة، فهي تتغير بمرور الزمن استجابة للظروف السياسية، والقلق الاقتصادي، والتحولات الثقافية. وتقدم كرة القدم فضاء واضحا بشكل استثنائي لمراقبة هذه الحدود، لأن المنتخبات الوطنية تحول العضوية الرمزية إلى أداء عام، إذ لا تتعلق المسألة قط بمن يستطيع اللعب فحسب، ولكن بمن يستطيع تجسيد الأمة.
ولا تنفرد إسبانيا بمواجهة هذا المأزق.. فعلى امتداد أوروبا، أصبحت كرة القدم إحدى الساحات الرئيسية التي تُتفاوض من خلالها قضايا الهجرة، والجنسية، والهوية الوطنية. غير أن الحالة الإسبانية تنطوي على عمق تاريخي مميز، لأن لغة النسب ترد صدى قرون سابقة من المحاولات الرامية إلى التمييز بين الانتماء الموروث والعضوية القانونية.
ولهذا السبب تحديدا يكتسب تصريح راخوي هذا الصدى البالغ. فهو لم يكن ينكر جنسية لاعبي المنتخب الفرنسي، بقدر ما كان يمنح الأولوية لعلم الأنساب فحسب. وسواء أكان مدركا لذلك أم لا، فقد ألمح إلى أن الأصل والمنبت يكشفان عما هو جوهري وأعمق من القانون.
في المقابل، ردت فرنسا بلغة المواطنة الجمهورية؛ وفي حين تتبنى إسبانيا رسميا ذات المبدأ المدني، إلا أن تصريحات راخوي تذكرنا بمدى سهولة انزلاق الخطاب العام نحو سجل آخر يفرض فيه النسب بهدوء تلك السلطة التي كان مفترضا أن تحل المواطنة محلها.
وكما أشرنا، فإن طرائق الانتماء القديمة نادرا ما تختفي حين تظهر أخرى جديدة.. بل تظل كامنة تحت السطح، مثل الأساسات القديمة المتبقية تحت مدينة أعيد بناؤها. فالمواطنة الدستورية تغطي أفكار النسب الموروثة دون أن تمحوها تماما. وغالبا ما تظل تلك الأساسات القديمة خفية، غير أن لكرة القدم عادة عجيبة في كشفها.
فطوال تسعين دقيقة، تتراجع لغة الدساتير المجردة لصالح الأجسام والوجوه. وفي تلك اللحظات بالذات، تنبعث الذاكرة التاريخية المتخيلة.
لقرون طويلة، تخيلت إسبانيا "الموريّ" شخصا يقف خارج الحدود، دينا منافسا أول الأمر، ثم لاحقا موضوعا استعماريا، وغالبا باعتباره الشخصية التي تُمتحن وتُعرّف في مواجهتها الهوية الإسبانية. واليوم، يحمل أحد أشهر رياضيي البلاد أصولا مغربية لا باعتبارها علامة على الغرابة، بل بوصفها جزءا عاديا من إسبانيا المعاصرة.
لقد تغيرت الشخصية التاريخية، والأهم من ذلك أن مكانها داخل الخيال الإسباني قد تغير. فلم يعد الشخص التاريخي الذي طالما تخيلوه "موريّا" يقف خارج الأمة مستأذنا في الدخول؛ بل إن الكثير ممن حُصروا في ذلك الدور باتوا اليوم مواطنين إسبان عادين. ولم تعد المسألة تتمثل فيما إذا كان بإمكان إسبانيا استيعابه، ولكن فيما إذا كان الخيال الإسباني للانتماء قد استطاع أن يواكب تاريخ إسبانيا ذاته.
وخلاصة القول، لم تخلق كرة القدم الأسئلة التي طفت على السطح خلال بطولة كأس العالم، وإنما طرحتها علنا لا أكثر.
إذ يذكرنا تاريخ إسبانيا بأن الانتماء لم يُتخيل قط بالطريقة نفسها. فالمفاهيم القديمة للدين والأنساب ما فتئت تشكل أمة باتت تعرف نفسها اليوم من خلال المواطنة الدستورية. ولهذا السبب تتجاوز أهمية شخصية لامين يامال حدود كرة القدم، فهو ليس مهمّا تاريخيا لمجرد أن والده مغربي ووالدته من غينيا الاستوائية؛ فملايين الأوروبيين يحملون تاريخا عائليا تمتد جذوره عبر الحدود، والإمبراطوريات، والهجرات. كما أن وجوده لا يكفي أن يكون دليلا على أن إسبانيا قد فشلت بطريقة ما في التحول إلى ديمقراطية حديثة؛ بل على العكس من ذلك، فإن بزوغه بوصفه أحد ألمع المواهب الرياضية في البلاد يُعد شاهدا على أن المجتمع الإسباني يتصالح تدريجيا وبثقة أكبر مع مفهوم المواطنة المفتوحة على التعدد.
أما الدلالة الأعمق فتكمن في مواضع أخرى، مثل الأسئلة التالية:
- لماذا يرتد النقاش العام بمثل هذه السهولة إلى الأنساب حين تبدو المواطنة قد حسمت الأمر؟
- ولماذا تبدو الأصول العائلية أكثر كشفا للحقائق من مكان الولادة؟
- ولماذا يحتفظ علم الأنساب بمثل هذه السلطة الرمزية في مجتمعات تُعرّف نفسها رسميا عبر مبدأ المواطنة المتساوية؟
إن هذه الأسئلة ليست حكرا على إسبانيا، إنها أسئلة أوروبية تتسع رقعتها باطراد. ومع ذلك، تواجه إسبانيا هذه الأسئلة بحدة تاريخية استثنائية، إذ ما من بلد أوروبي آخر عاش طويلا بمثل هذا التداخل المعقد بين إرث الأندلس، وحروب الاسترداد (الريكونكيستا)، ونقاء الدم، والمغرب الاستعماري، والهجرات المعاصرة عبر مضيق جبل طارق. فالنقاش الذي طفا على السطح خلال بطولة لكرة القدم ينتمي إلى تاريخ يُقاس بالقرون لا بالعقود.
وهناك مفارقة هنا ما كان للتاريخ وحده أن ينسجها. فلقرون طويلة، تخيلت إسبانيا "الموريّ" شخصا قادما من عبر المتوسط. لقد تقمص أدوارا تاريخية شتى، لكنه ظل دائما تقريبا الشخصية التي تُعرّف إسبانيا نفسها في مواجهتها. واليوم، تلاشت هذه الجغرافيا في هدوء، فالطفل يولد في كتالونيا. ويلتحق بـ "لا ماسيا" قبل أن يبلغ الرشد، ويحلم بالإسبانية، والكتالونية، وبالإيقاعات العادية لإسبانيا المعاصرة، ويرتدي القميص الوطني. ثم يغدو، في نظر ملايين المشجعين، مستقبل كرة القدم الإسبانية.
لقد انتقلت الحدود، ولم تعد تقع عند مضيق جبل طارق. لقد باتت تكمن في الحكايات التي تواصل الأمم روايتها لنفسها حول من يملك حق الانتماء. ولعلّ ذلك هو الدرس الأنثروبولوجي الأعمق لكرة القدم، فاللعبة لا تقتصر على إبراز المواهب الرياضية فحسب، إنها تكشف بين حين وآخر عن تلك التصنيفات التي تتخيل المجتمعات من خلالها ذاتها. وأثناء المباراة، تصبح الأمة مرئية.. ليس فقط في اللاعبين الذين يرتدون ألوانها، بل وفي النقاشات أيضا التي يتيحها حضورهم.
إن المثل الإسباني القديم "لا هاي موروس إن لا كوستا" (no hay moros en la costa)، وحرفيا: "ليس هناك موريس على الساحل"، وهو تعبير يُقصد به أن الخطر قد زال، يحتفظ بخريطة أقدم للخيال التاريخي الإسباني. فقد كان الموريّ ينتمي إلى مكان ما خلف الأفق، عبر مضيق جبل طارق. وبعد خمسة قرون، لم تعد تلك الجغرافيا تصف إسبانيا. لقد انتقلت الحدود إلى الداخل. ولم تعد الشخصية التي طالما تُمثلت في صورة الموريّ تقع خارج الأفق، وإنما داخل الأمة نفسها.
لم تثبت كرة القدم أن اللاعبين الفرنسيين الذين شكك راخوي في فرنسيتهم ينتمون إلى فرنسا، كما لم تؤكد مكانة لامين يامال في إسبانيا.. فقانون بلادهم كان قد تكفل بذلك بالفعل، وما تفعله كرة القدم هو أنها تجعل الأمة مرئية. فطوال تسعين دقيقة، يصبح أحد عشر لاعبا الوجه العلني لتلك الأمة، أما الاختبار الأعمق فيأتي بعد صافرة النهاية: فهل ستواصل هذه المجتمعات تعريف الانتماء من خلال الأصول الموروثة، أم ستصغي إلى لاعب كرة قدم إسباني في التاسعة عشرة من عمره يشير إلى إمكانية أخرى.. أمة قائمة لا على النسب، وإنما على مستقبل مدني مشترك؟
*(أنثروبولوجي وأستاذ جامعي بجامعة أريزونا)






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس