الوجه الآخر لأحداث سبتة

الوجه الآخر لأحداث سبتة
بقلم : الدكتور هشام الضاوي 12 أغسطس 2026

أحداث سبتة كشفت لنا مجددا وجهاً قبيحاً من واقعنا: الفقر، والجهل، والهشاشة الاجتماعية، لكنها أعادت في الوقت نفسه إلى الواجهة سؤالاً أعمق يتعلق بالأهداف السامية للأمة المغربية: استكمال وحدتها الترابية، واستعادة الثغور المحتلة، واستحضار الذاكرة التاريخية للإمبراطورية المغربية الشريفة ومجالها الحضاري. غير أننا نؤمن بأن للمغرب رب يحميه، وأن للأحداث سنناً تتجاوز ظاهرها؛ فقد يكون في بعض ما نراه شراً في ظاهره، رحمةٌ ودرسا في باطنه، وقد يكون الألم نفسه سبباً في إيقاظ وعيٍ كان غائباً أو مغيبا. وسورة الكهف حيث لقاء مجمع البحرين بين العلم الجلي عند نبي الله موسى عليه السلام وعلم الله الخفي الذي يصبو إليه العارف بالله العبد الصالح سيدنا الخضر تقدم لنا نموذجاً بليغاً لذلك حيث أحداث تبدو في ظاهرها شر، ثم تنكشف حكمتها فيما بعد. فليس كل ما نراه بأعيننا هو كل الحقيقة، وليس كل ما يبدو خسارة يكون كذلك في ميزان الزمن الطويل.

    أرجو أن تتأملوا معي قدسية المكان الذي أراد الله بسننه الكونية أن تقع قربه أكبر صفعة لضميرنا الجماعي في العصر الحديث. ففي جميع الثقافات بدءا من الإغريق الموقع هو أعمدة هرقل، كما أن في ثقافتنا الإسلامية حسب روايات جل فقهاء الأندلس وعدوة المغرب فإن جبل موسى بطنجة هو موقع مجمع البحرين والذي ارتبط أيضا في الذاكرة القديمة كونه العمود الجنوبي، في مواجهة جبل طارق، العمود الشمالي الذي يوجد اليوم تحت السيادة البريطانية. وفي المقابل، حاولت إسبانيا زورا عبر رشوة المجتمع العلمي بملايين الأورو تقديم Monte Hacho في سبتة باعتباره العمود الجنوبي، لكون أعمدة هرقل من عناصر شعارها الوطني الذي يتوسط الراية الإسبانية. وهنا يمكن قراءة الإصرار الإسباني على الاحتفاظ بسبتة والخروج المتخبط بدافع الخوف لأصوات اليمين المتطرف الإسباني. إلى جانب الاعتبارات الجيوسياسية، الأثرية والتاريخية وحتى الدينية حيث بنوا كنيسة سان أنطونيو فوق جبل هاتشو، تريد دوائر مدريد الحفاظ على رمزية السيادة الإسبانية عبر سبتة وعدم التنازل عن أحد الرموز التي رسختها الرواية القومية الإسبانية. والمفارقة أن الجغرافيا علم دقيق لا يعترف بالسرديات، فالمضيق ظل شاهداً على تعاقب الإمبراطوريات المغربية، قبل أن تصبح حدوده السياسية على ما هي عليه اليوم.

  إن بعض المغاربة الجاهلين لأهمية الزمان (عيد العرش) وقدسية المكان (مجمع البحرين) ممن عبروا إلى سبتة لم يكونوا جاحدين على بلدهم، بقدر ما كانوا يبحثون عن فرصة لم يجدوها في أرضهم، أو عن حلم الهجرة الذي أصبح جزءاً من مخيلة أجيال كاملة. وحتى الهجرة في تاريخنا الإسلامي ليست عيباً ولا خيانة للوطن؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام هاجر إلى المدينة، لكن مكة بقيت مركز وجدانه وقبلته. وكذلك المغربي الذي يهاجر كما هاجر قبله ابن بطوطة قد تتغير جغرافيته، لكن بوصلته الروحية لا تستقيم إلا بالعودة إلى وطنه الذي يتمنى له الأفضل. والمغاربة بطبيعتهم محبون للسفر والاكتشاف، وما يطلبه كثير منهم ليس بالضرورة مغادرة المغرب، وإنما امتلاك حرية السفر والاختيار، وهو ما تعكسه كثافة طلبات التأشيرات السياحية وأعداد المغاربة الذين يقضون عطلهم في أوروبا. والمفارقة أن كثيراً منهم يعودون أكثر تعلقاً بالمغرب، وأكثر فرحاً بكل إنجاز وتطور يتحقق فيه، وهي إنجازات لا ينكرها إلا جاحد.

  لذلك ربما حان الوقت لأن نعيد النظر في معنى "الهجرة" و"السفر". لماذا لا نفتح للمغاربة أبواب العالم، وفي الوقت نفسه نفتح لهم أبواب تاريخهم؟ لماذا لا يصبح بإمكان المغربي أن يزور سبتة ومليلية وغرناطة وإشبيلية وقرطبة وأن يرى آثار أجداده، ويقرأ تاريخ الضفتين، ثم يعود إلى وطنه حاملاً سؤال المستقبل؟ فالأمة التي كانت بالأمس إحدى أبرز القوى الحضارية في تاريخ المتوسط، لا ينبغي أن يكون طموح أبنائها مجرد عبور السياج بحثاً عن فرصة. الطموح الحقيقي هو أن تصبح الفرصة موجودة هنا أيضاً. لكن ذلك لن يكون ممكناً دون دولة قوية بقوانينها وًمؤسساتها واقتصاد يوفر الكرامة، وعدالة اجتماعية حقيقية، وحدود مؤمّنة بشكل كامل، وخاصة على الواجهة الإفريقية، حتى يصبح الانفتاح على العالم اختياراً حراً لا هروباً من الواقع. عندها فقط يمكن أن تتحول سخرية القدر إلى حكمة تاريخية: أن يبحث المغربي عن مستقبله في العالم، دون أن يضطر إلى البحث عن نفسه بعيداً عن المغرب.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا