أربعة أحداث تبيح التساؤل حول.... هل ما زلنا نثق بجيراننا؟
شهدت المملكة خلال الستة أسابيع الأخيرة أربعة أحداث همت إعادة إطلاق مشروع تجنيس الصحراويين في تندوف، وزيارة بيدرو سانشيز للجزائر، وأزمة الهجرة في سبتة، وطرد صحفيين الإسبان من مدينة الفنيدق.
قد يبدو كل حدث على حدة مجرد خبر عابر، لكن عند ربطها ببعضها، تكشف عن استراتيجية أوسع، تسعى مدريد من خلالها إلى حماية نفسها من تسوية قضية الصحراء الغربية التي من شأنها تعزيز مكانة المغرب بشكل دائم.
بدأت ملامح اللغز الإسباني، الذي كان حتى الآن متناثرًا، تتضح. كانت القطعة المفقودة مخبأة في فندق. ففي يوم السبت الموافق 15 غشت الجاري، طلبت السلطات المغربية من فرق من هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية (TVE) ووكالة الأنباء الإسبانية (EFE) مغادرة مدينة الفنيدق، مستندةً إلى مبدأ المعاملة بالمثل بعد رفضها، قبل أيام، السماح لفريق من القناة الثانية المغربية بالدخول إلى المنطقة الحدودية على الجانب الإسباني. لم يدم هذا الحادث سوى ساعات قليلة. ولكن، مهما بدا الأمر تافهاً، فإن ما حدث في الفنيدق يُلقي الضوء على ستة أسابيع من الأحداث التي كانت متفرقة ويصعب تفسيرها.
عند ترتيب الأحداث ترتيبًا زمنيًا، يبدو تزامن التوقيت غير مقنع. بدأ كل شيء في 30 يونيو، دون ضجة تُذكر. في ذلك اليوم، أعادت لجنة العدل في الكونغرس الإسباني طرح مشروع قانون يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين قبل 11 غشت 1977، وهو التاريخ الذي انتهت فيه المهلة المحددة بموجب مرسوم ملكي إسباني صدر عام 1976 بمنح الجنسية لرعاياه السابقين. وعلى الرغم من تردد حزب العمال الاشتراكي الإسباني (PSOE)، بزعامة بيدرو سانشيز (رئيس الحكومة)، تاريخيًا في دعم هذا المقترح، إلا أنه أيده في نهاية المطاف. ورغم تقديمه على أنه "تعويض تاريخي"، إلا أن هذا الإجراء يستحق دراسة متأنية، لأنه لا يقتصر على الماضي فحسب، بل قد يُنشئ في المستقبل مجتمعًا من المواطنين الإسبان مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالتسوية السياسية لقضية الصحراء المغربية. حيث يعيش بعض المستفيدين المحتملين في مخيمات تندوف، وقد يشمل هذا الإجراء أيضًا أحفادهم. هذه التفاصيل ليست بالهينة. منح هذه الفئة من السكان الجنسية الإسبانية، لن تكتفي مدريد بمراقبة النزاع من الخارج، بل ستُقيم صلة قانونية وسياسية مع بعض المتضررين بشكل مباشر من حله.
ويزداد الأمر غرابةً بالنظر إلى أن إسبانيا كانت قد التزمت بوضوح، في عام 2022، بسيادة المغرب على الصحراء الغربية وبخطة الحكم الذاتي المغربية كأساس وحيد للمفاوضات السياسية. ومع ذلك، وفي الوقت الذي يبدو فيه أن قضية الصحراء تدخل مرحلة حاسمة، مدعومةً بدعم أمريكي قوي، تبدو مدريد عازمة على إعلان نفسها طرفًا فاعلًا في عملية ما بعد النزاع.
لذا، لا يقتصر هذا النص على مجرد استحضار للذاكرة، بل هو وسيلة للقوة الاستعمارية السابقة لإعادة تموضعها في وضع قد يفلت من قبضتها قريباً.
وتؤكد الأحداث التالية هذه الفرضية ضمنياً. فبعد ثلاثة أسابيع، في 20 يوليوز المنتهي، وعلى عكس كل التوقعات، سافر بيدرو سانشيز إلى الجزائر العاصمة، لأول مرة منذ الأزمة الدبلوماسية عام 2022. ولم تستغرق الزيارة أكثر من بضع ساعات. وكان الغاز رسمياً أحد القضايا الرئيسية، لكن الهجرة والصحراء المغربية حضرتا أيضاً في المناقشات الرسمية.
إذا نُظر إلى هذه الزيارة بمعزل عن غيرها، فهي ليست استثنائية. تسعى دولة أوروبية إلى إعادة بناء علاقاتها مع مورد للطاقة وجار استراتيجي، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء وتزايد الضغط على إمدادات الغاز. لكن إذا ما قُرنت باقتراح منح الجنسية الإسبانية للصحراويين في تندوف، فإنها تكتسب بعداً مختلفاً.
وبذلك، تعيد مدريد فتح الباب أمام الجزائر، التي لا تبتعد مصالحها في قضية الصحراء المغربية دائماً عن مصالحها. ثم، في ليلة 30-31 يوليوز الاخير، ظهرت القطعة الثالثة والأكثر فظاعة من أحجية المأساة، حين اجتاحت مدينة سبتة المحتلة موجة هائلة من المهاجرين اثر انتشار شائعات تسربت الى وسائل التواصل الاجتماعي وانتشرت في وقت وجيز كالنار في الهشيم حول فتح المعبر الحدودي، في عملية مُدبّرة ببراعة. لقي خلالها عدد غير محدد لحد الساعة حتفهم.
لا يمكن إنكار فداحة المأساة. بل يجب أولاً النظر إليها على حقيقتها: مأساة إنسانية كشفٌت عن مواطن ضعف اجتماعية وهجرة غير نظامية، يتوجب على المغرب التصدي لها.
لكن سرعان ما غيّر جزء من الطبقة السياسية والإعلامية الإسبانية (بدعم من هامش الصحافة الغربية المعادية للمغرب تقليدياً) موقفه. وعند هذه النقطة، بدأت الصورة تتضح جلياً.
في الخامس عشر من غشت الجاري، وفي منطقة الفنيدق، سقطت الحلقة الأخيرة، حيث طُلب من وسائل الإعلام الإسبانية نفسها التي غطت تداعيات أزمة الهجرة مغادرة المدينة والعودة فورا إلى ديارها.
منذ فاجعة سبتة، تجاوزت شريحة من الصحافة الإسبانية قضية الهجرة وحدها: ففي غضون أيام قليلة، تحولت الفاجعة إلى محاكمة للمغرب، وسياسته المتعلقة بالهجرة، ومؤسساته. هذا الصراع على الروايات، الذي بدأ في سبتة، استمر في الفنيدق.
من بين هذه الأحداث الأربعة، يبرز حدث واحد على وجه الخصوص يتعلق بالتقارب بين مدريد والجزائر. لماذا يحدث هذا الآن؟ يكمن جزء من الإجابة فيما تخشاه العاصمتان مما سيحدث بعد حل قضية الصحراء المغربية. تتزايد مؤشرات الحل. ومعها، يبرز سؤال ملح: ماذا سيفعل المغرب بمجرد تسوية هذا النزاع نهائياً؟ في مدريد، ينصب التركيز حتماً على سبتة ومليلية. إذا حصلت الرباط على اعتراف نهائي بحقوقها في الصحراء المغربية، فقد تعود هاتان المدينتان، اللتان تعتبرهما المغرب محتلتين، إلى الظهور بشكل بارز على أجندة مطالبها. أما في الجزائر العاصمة، فالمخاوف مختلفة، ولكنها لا تقل خطورة: إذ يخشى حكام قصر المرادية أن توجه الرباط حينها أنظارها إلى الصحراء الشرقية، وهي منطقة نتجت أيضاً عن التقسيم الاستعماري الفرنسي، والتي عارض المغرب تاريخياً ضمها إلى الجزائر.
هنا تحديدًا تتلاقى المصالح الإسبانية والجزائرية، فمدريد لا ترغب في التعامل مستقبلًا مع مطالبة المغرب بسبتة ومليلية، وهي قضية لطالما حرصت على ربطها، ضمنيًا، بمطالبتها بالسيادة على جبل طارق. أما الجزائر، من جانبها، فلا ترغب بتاتًا في طي ملف الصحراء المغربية. بحكم ان المغرب الخالي من هذا النزاع سيكون قادرًا على إعادة إحياء مسألة الحدود الموروثة عن الاستعمار، وهي المسألة نفسها التي تؤثر على تندوف وبشار، ومناطق أخرى.
مع ذلك، لا ينبغي تحويل هذا التقارب في المصالح بين مدريد والجزائر إلى تحالف سري أو سيناريو مُعدّ مسبقًا. لكن من الخطأ الاستهانة به. فعندما تتشارك دولتان، غالبًا ما تكون مصالحهما متباينة، نفس الاهتمام، فإن الأمر لا يُعد مجرد تفصيل ثانوي. أربع وقائع، قد تبدو، عند النظر إليها بشكل منفصل، وكأنها تنتمي إلى فئات مختلفة. لكن عند وضعها في سياقها الزمني، تكشف هذه الأحداث عن نمطٍ من غير الحكمة تجاهله باعتباره مجرد سلسلة من المصادفات.
هل ينبغي لنا إذن الحديث عن مؤامرة إسبانية مُدبَّرة سلفًا؟ لا يوجد دليل يدعم هذا الادعاء، والقول بذلك يُعدّ تجاوزًا للحقائق.
لكن هل ينبغي لنا أن نتظاهر برؤية أربعة أحداث مستقلة فقط تتسارع زمنيا وفي ظروف شديدة الحساسية؟ بالطبع لا.
تكمن المشكلة الحقيقية في مكان آخر. من الواضح أن إسبانيا تحاول استخدام عدة أوراق. ورقة مع الرباط، لأنها لا تستطيع الاستغناء عن المغرب في مسائل الأمن والهجرة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي. وورقة مع الجزائر، لأنها تريد تأمين مصالحها في قطاع الطاقة. وورقة ثالثة، تم النظر فيها مؤخرًا في سياق قضية الصحراء المغربية، على الرغم من أن مدريد اختارت، في عام 2022، دعم مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب في 11 ابريل 2007 كمقترح واقعي يهدف الى حل نهائي للنزاع المفتعل في اقاليمه الجنوبية.
لماذا هذه المناورة المزدوجة؟
لأن مدريد تدرك أن حل قضية الصحراء الغربية ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها بكثير. ولأن أي نتيجة إيجابية للمغرب ستثير حتمًا، على المدى البعيد، مسألة الأراضي الأخرى التي تعتبرها الرباط جزءًا من سيادتها، وفي مقدمتها سبتة ومليلية.
أما الجزائر، فلديها سبب آخر للنظر إلى هذا التطور بقلق. فأي تحدٍّ للوضع الراهن للأراضي شرق الحدود المغربية سيؤثر بشكل مباشر على مصالحها الاستراتيجية.
يبدو أن اثنين من جيران المغرب، أحدهما شمالاً والآخر شرقاً، يسعيان إلى تحقيق الهدف نفسه: تجنب الدخول في المرحلة الأخيرة من قضية الصحراء المغربية دون أي نفوذ.
هذا، ومن الواضح أن الامر لا يتعلق بقطع العلاقات مع مدريد. فالمغرب وإسبانيا تربطهما روابط جغرافية واقتصادية وأمنية وهجرة ومصالح مشتركة لا يمكن لأي أزمة أن تمحوها. لكن لا ينبغي أن يتحول هذا التقارب إلى سذاجة. فالدعم الدبلوماسي ليس أمراً مفروغاً منه. يجب الدفاع عن الموقف الدولي وتوطيده وتأكيده. وعندما يبدأ أحد الشركاء في استكشاف مسارات متعددة للخروج من الأزمة، يقع على عاتقنا أن نرى إلى أين ستؤدي.
الى ذلك، باتت القضية الإسبانية مطروحة على الطاولة. في الشق الدبلوماسية، ان الخطر لا يكمن دائماً في الجزء الظاهر، بل أحياناً في الصورة التي تتشكل منها جميع الأجزاء في نهاية المطاف.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس