رئيسة الحكومة المنصوري أمام امتحان: استووا واعتدلوا وتراصوا خارج المساجد

رئيسة الحكومة المنصوري أمام امتحان: استووا واعتدلوا وتراصوا خارج المساجد
بقلم: بوشعيب حمراوي 01 أكتوبر 2026

دخل المغرب يوم 29 شتنبر 2026 محطة غير مسبوقة في تاريخه السياسي، بتعيين الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات التشريعية بـ97 مقعدًا.

 وأصبحت بذلك أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة المغربية.

حدث يستحق أن يُقرأ في رمزيته كاملة، لكن دون أن نحبسه داخلها. فالمرأة المغربية لم تصل إلى رئاسة الحكومة لكي نقضي السنوات المقبلة نتحدث عن كونها امرأة، بل لكي تُسأل، مثل أي رئيس حكومة، عن قدرتها على القيادة، والتفاوض، والتدبير، والإنجاز، وتحمل المسؤولية.

التاريخ كتب للمنصوري السطر الأول، أما باقي الصفحة فلم تُكتب بعد.

أول امتحان… ليس الوزارة بل الأغلبية

قبل الوزراء والحقائب، وقبل البرامج التفصيلية، يوجد امتحان أول وحاسم: مع من ستحكم المنصوري؟ وكيف ستبني أغلبيتها؟

حزبها يملك 97 مقعدًا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ 66 مقعدًا والاستقلال بـ 65، فيما حصل العدالة والتنمية على 54 مقعدًا.

لكن السياسة ليست تمرينًا في الجمع.

يمكن جمع المقاعد بسرعة، أما جمع الإرادات فمسألة أخرى.

والمغرب لا يحتاج فقط إلى تحالف يوفر أغلبية مريحة داخل البرلمان، وإنما إلى تحالف بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ تحالف يتفاوض حول ما سيفعله قبل أن يتفاوض حول من سيجلس في أي وزارة، ويتفق على الأولويات قبل توزيع المواقع، ويؤسس لتضامن سياسي يجعل الحكومة فريقًا واحدًا لا تجمعًا لأحزاب تقيم مؤقتًا تحت سقف واحد.

المطلوب أغلبية قادرة على العمل بأريحية داخل البرلمان، نعم، لكن الأهم أن تكون قادرة على الاشتغال بانسجام خارجه أيضًا.

لا نريد أغلبية تجمعها الحسابات وتفرقها المواقف

لقد عرف المغاربة في تجارب سابقة كيف يمكن لحزب أن يكون داخل الحكومة ويتصرف أحيانًا كما لو كان في المعارضة، وكيف يمكن لوزير أن يدافع عن قرار بينما ينتقده حزبه، أو أن تتحول اختلافات الأغلبية إلى سجالات إعلامية يومية. وهذا بالضبط ما ينبغي لأي حكومة جديدة أن تتفاداه.

لا نحتاج إلى «أسرة حكومية» بالمعنى العاطفي، وإنما إلى فريق سياسي يعرف لماذا اجتمع، وأين يتفق، وأين يختلف، وكيف يدبر اختلافه دون أن يحول المواطن إلى متفرج على خصوماته. وكيف يمكن الخروج ببرنامج ينصف المغاربة انطلاقا من برامج تلك الأحزاب التي يتشكل الحكومة مستقبلا. والتي سوقتها في حملاتها الانتخابية الأخيرة 

الحكومة ليست فندقًا للأحزاب. ومن يدخلها ينبغي أن يدخلها لتحمل المسؤولية. اختلفوا قبل التحالف كما تشاؤون، لكن إذا تحالفتم فليكن الاتفاق حقيقيًا، وليعرف المواطن من يحكم ومن يتحمل المسؤولية.

وبينما ننتظر البرنامج… انشغل البعض بصف الصلاة

والغريب أن جزءًا من الجدل حول احتمال وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة بدأ حتى قبل تعيينها، عندما طُرح سؤال حول الكيفية التي ستؤدي بها الصلاة إلى جانب الملك في المناسبات الدينية الرسمية إذا أصبحت رئيسة للحكومة. وانتقل السؤال من مواقع التواصل إلى النقاش الإعلامي.

وكأن أكبر مشكلة ستواجه المغرب مع أول امرأة تقود الحكومة هي: أين ستقف أثناء الصلاة؟

جدل أراه أصغر كثيرًا من اللحظة السياسية التي يعيشها المغرب.

فالدستور يحدد بوضوح أن الملك هو أمير المؤمنين وحامي حمى الملة والدين والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية، كما يحدد في الفصل 47 كيفية تعيين رئيس الحكومة. ولا يجعل الدستور من رئاسة الحكومة وظيفة دينية مرتبطة بمكان معين في صف الصلاة.

وشعار المملكة يبدأ بـالله ثم الوطن ثم الملك. والملك، بصفته أمير المؤمنين، أدرى بمقتضيات الشأن الديني وبالفصل بين ما يدخل في إمارة المؤمنين وما يدخل في ممارسة المؤسسات لاختصاصاتها.

فلماذا نخلق مشكلة قبل أن توجد؟

دعوا للصلاة أحكامها، وللبروتوكول ترتيباته، وللمؤسسات مسؤولياتها.

والأولى أن نسأل: أين ستقف رئيسة الحكومة أمام البطالة والغلاء والتعليم والصحة والفساد والريع والفوارق الاجتماعية؟

ذلك هو موضعها الذي يعني المواطن.

"استووا واعتدلوا وتراصوا"… لكن خارج المساجد أيضًا

ولعل ذلك الجدل يقودنا إلى معنى أكبر.

ندخل المساجد، فتأتينا الدعوة إلى تسوية الصفوف:

استووا… اعتدلوا… تراصوا.

ثم نصلي ونخرج.

لكن ماذا لو حملنا هذه الكلمات معنا إلى الخارج؟

ما أحوج السياسة إلى أن تستوي.

أن يستوي المواطنون أمام القانون، وألا يكون للنفوذ قانون وللبسطاء قانون آخر، وأن تستوي الجهات في حقها في التنمية، والمدن والقرى في نصيبها من المدرسة والمستشفى والطريق والماء وفرص الشغل.

وما أحوج السلطة إلى أن تعتدل.

لا إفراط في الوعود ولا تفريط في المسؤولية، ولا استقواء بالأغلبية لإسكات المعارضة، ولا معارضة ترفض كل شيء لمجرد أنه صادر عن الحكومة.

وما أحوج الحكومة نفسها إلى أن تتراص.

ليس التراص إلغاءً للاختلاف ولا ذوبانًا للأحزاب، بل قدرة على الاتفاق حول الصالح العام، وعلى جعل الاختلاف وسيلة لتحسين القرار لا لتعطيله.

فإذا كانت صفوف الصلاة تستقيم قبل أن يبدأ الإمام، فمن حق المغاربة أن ينتظروا من صف الحكومة أن يستقيم قبل أن تبدأ ولايتها.

لا تسألوا فقط كم امرأة ستصبح وزيرة

وتعيين امرأة على رأس الحكومة سيعيد حتمًا سؤال تمثيل النساء داخل الحكومة المقبلة.

لكنني لا أريد أن يتحول الأمر إلى مسابقة أرقام.

لا يكفي أن نسأل: كم عدد النساء؟

بل يجب أن نسأل أيضًا: أين هن؟ وما مسؤولياتهن؟ وعلى أي أساس تم اختيارهن؟

فالمناصفة الحقيقية ليست صورة جماعية تضم عددًا أكبر من النساء فقط، وإنما وصول الكفاءة النسائية إلى مراكز القرار والقطاعات الاقتصادية والاستراتيجية، كما تصل إلى القطاعات الاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن تصبح رئيسة الحكومة مطالبة بإثبات نجاح جنس بأكمله.

إذا نجحت المنصوري فذلك نجاح سياسي لحكومة ورئيستها، وإذا أخفقت في ملف ما، فالمساءلة يجب أن تتعلق بالسياسة والقرار والأداء، لا بكونها امرأة.

ذلك هو الإنصاف الحقيقي.

"حكومة المونديال" يجب أن تكون أولًا حكومة المواطن

وستقود الحكومة المقبلة مرحلة حاسمة من استعدادات المغرب لكأس العالم 2030، بما تحمله من مشاريع ضخمة في الملاعب والطرق والسكك والمطارات والبنيات الأساسية.

لكن الاختبار لن يكون فقط: هل سيكون المغرب جاهزًا لاستقبال العالم؟

بل: هل سيكون المغربي أفضل حالًا عندما يصل العالم؟

هل يجد الشاب عملًا؟  هل يجد المريض علاجًا؟

هل يجد التلميذ مدرسة عمومية جيدة؟

هل تستطيع الأسرة مواجهة الأسعار؟

هل تستفيد المدن الصغيرة والقرى من سرعة الأوراش نفسها التي ستعرفها المدن الكبرى؟

إن كأس العالم فرصة للمغرب، لكنه ليس غاية المغرب.

والحكومة التي تنجح في تجهيز البلاد للمونديال ولا تنجح في تحسين حياة الناس ستترك وراءها منشآت كبيرة وأسئلة أكبر.

وصف الوطن أولى بأن يستقيم

لهذا لا أريد أن أعرف اليوم أين ستقف فاطمة الزهراء المنصوري في صف الصلاة. داخل قاعة الذكور او داخل قاعة الاناث.

ذلك شأن سيجد ترتيبه الطبيعي دون أن تهتز الدولة ولا الدين ولا البروتوكول.

ما أريد معرفته هو أين ستقف حكومتها في صف الوطن.

هل ستنجح في جمع أغلبية مريحة دون أن تتحول إلى بازار سياسي؟

هل ستخلق تحالفًا متماسكًا بدل مجرد تحالف عددي؟

هل سيدخل وزراؤها الحكومة ليعملوا فريقًا واحدًا؟

هل سيختلفون داخل المؤسسات ويخرجون بقرار واحد؟

وهل يستطيعون أن يضعوا مصلحة المواطن فوق مصلحة الحزب والموقع والانتخابات المقبلة؟

في المساجد نقول: استووا… اعتدلوا… تراصوا.

فلنحاول هذه المرة أن نطبقها أيضًا خارج المساجد.

لتستوي المسؤوليات، ويعتدل تدبير السلطة، وتتراص الحكومة حول الصالح العام.

أما صف الصلاة، فسيستقيم بأحكامه.

وصف الوطن أولى اليوم بأن يستقيم.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا