لماذا يتحول الاختلاف في الدين إلى عداوة؟!
قد يختلف إنسانان في السياسة، أو الفلسفة، أو الأدب، أو العلم، ثم يظل أحدهما صديقًا للآخر، ويجلسان إلى مائدة واحدة، ويتبادلان الرأي، وقد يشتد بينهما النقاش دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، فلماذا حين يصل الاختلاف إلى الدين يصبح الأمر عند بعض الناس مختلفًا، فيتحول الاعتقاد إلى حاجز، والحوار إلى خصومة، والمخالف في الرأي إلى عدو؟
إن الله واحد، وهذه حقيقة إيمانية كبرى عند المؤمنين بالله، ولكن البشر متعددو الأفهام والثقافات والتجارب والطرق التي ينظرون بها إلى الوجود، ولو أراد الله أن يجعل الناس جميعًا على صورة واحدة لجعلهم كذلك، لكنه جعل في خلقه اختلافًا وتنوعًا، وجعل الناس شعوبًا وقبائل، وقال سبحانه: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾. فالتنوع في ذاته يمكن أن يكون بابًا إلى المعرفة والتواصل، دون تناحر.
والقرآن حين يرد الإنسان إلى أصله لا يبدأ بسؤاله عن دينه أو قومه أو لونه أو لغته، فهو يخاطب الناس جميعًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ثم يقول: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾. وفي هذا التذكير أصل عظيم: أن اختلاف البشر في انتماءاتهم لا يلغي وحدة أصلهم الإنساني، وقد تناول المفسرون هذه الآية على معنى أن الناس يرجعون إلى أصل واحد، وأن التفاضل لا يكون بالأنساب والأشكال، فالتفاضل بالتقوى والعمل الصالح.
ومن هنا أقول: إذا اختلفنا في الدين، فلماذا لا نختلف في الدين فقط؟
أنا مسلم وأنت يهودي، أو نصراني، أو بوذي، أو تعتنق عقيدة أخرى؛ لي معتقدي ولك معتقدك، أستطيع أن أشرح لك لماذا أؤمن بما أؤمن به، وتستطيع أن تشرح لي لماذا تؤمن بما تؤمن به، وقد أقتنع ببعض حججك ولا أقتنع ببعضها، وقد لا أغير شيئًا من اعتقادي، وكذلك أنت، ولكن لماذا يجب أن يؤدي ذلك كله إلى العداء؟
إن الحوار لا يشترط أن ينتهي باتفاق، فقد يكون أعظم ما يحققه الحوار أن يفهم كل طرف موقف الآخر، وأن يتعلم كيف يختلف معه دون أن يحتقره أو يكرهه. فالإنسان لا يصبح عدوًا لمجرد أنه يفكر بطريقة مختلفة.
والقرآن يقرر مبدأً بالغ الدلالة في قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾، كما يقرر: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. فالإيمان الذي يُفرض بالقوة يفقد معنى الاختيار، والاعتقاد الذي لا يقوم إلا على الإكراه لا يستطيع أن يصنع إنسانًا مؤمنًا من الداخل.
ثم إن القرآن لا يجعل الاختلاف في الشرائع سببًا لتعطيل الخير المشترك، فكما هو في سياق الحديث عن اختلاف الشرائع والمناهج: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾. وهنا تبرز فكرة جديرة بالتأمل: بدل أن نجعل اختلافنا سباقًا إلى الخصومة، لماذا لا نجعله سباقًا إلى الخير؟
قد يقول المسلم: أنا أؤمن بأن الإسلام هو الحق، وهذا حقه في الاعتقاد، كما أن لليهودي أن يؤمن بدينه، وللنصراني أن يؤمن بعقيدته، ولغيرهما أن يؤمن بما يراه حقًا، وليس احترام حرية الآخر في الاعتقاد معناه أن يتخلى الإنسان عن عقيدته أو أن يقول إن جميع المعتقدات واحدة في مضمونها؛ وإنما معناه أن يميز بين الإيمان بما أراه حقًا وبين فرض ما أراه حقًا على الآخرين.
وهنا يظهر الفرق بين الدعوة والحِرابة، وبين الحوار والإكراه، وبين الحجة والقوة، قد تستطيع أن تدعوني إلى ما تؤمن به، وأستطيع أن أناقشك، لكن لا يحق لأحد منا أن يحوّل اختلافه مع الآخر إلى مبرر لإيذائه أو إذلاله أو سلبه حقه في الحياة والكرامة.
إن المشكلة ليست في وجود الأديان، ولا في تعدد المذاهب، ولا في اختلاف البشر في فهمهم للوجود؛ انه المشكلة حين تتحول العقيدة من قناعة شخصية ومسؤولية أمام الله إلى وسيلة للحكم على الناس وإقصائهم واستعدائهم.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس