ارث ثقيل : ولاية محفوفة بكل المخاطر تنتظر الحكومة المقبلة
سترث الحكومة المقبلة معادلة اقتصادية دقيقة. فمن جهة، تراجعت وتيرة التضخم بشكل واضح، ومن جهة أخرى، ما يزال الإحساس بغلاء المعيشة حاضراً بقوة لدى شريحة واسعة من المغاربة.
وهنا تكمن إحدى مفارقات المرحلة.
فالتضخم لا يقيس مستوى الأسعار، وإنما يقيس وتيرة ارتفاعها. فإذا ارتفعت الأسعار بنسبة 10 في المائة، ثم بنسبة 3 في المائة، ثم بنسبة 1 في المائة، فإن ذلك يعني أن التضخم يتراجع، لكنه لا يعني أن الأسعار عادت إلى ما كانت عليه قبل ذلك. وبالنسبة إلى الأسرة التي تواجه مصاريفها بشكل يومي، فإن الفرق كبير.
وهذا ربما يفسر جانباً من الفجوة بين الأرقام والإحساس اليومي للمواطن.
مؤشر أسعار الاستهلاك، الذي تصدره المندوبية السامية للتخطيط، هو المؤشر المعتمد لقياس تطور أسعار السلع والخدمات التي تستهلكها الأسر. ويستند إلى سلة تضم 546 مادة و1391 صنفاً من المنتجات. لكنه، مثل أي مؤشر وطني، يعكس متوسطاً عاماً ولا يمكنه بالضرورة أن يعكس الوضعية المالية لكل أسرة أو وزن كل نفقة في ميزانيتها.
وتكشف الأرقام الأخيرة هذا التباين. ففي غشت 2026، تراجع مؤشر أسعار الاستهلاك بنسبة 0.3 في المائة على أساس سنوي. وفي المقابل، ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة 9.8 في المائة خلال شهر واحد، فيما ارتفع مؤشر أسعار النقل بنسبة 7.3 في المائة على أساس سنوي. أما التضخم الأساسي، الذي يستثني المنتجات ذات الأسعار المتقلبة والمنتجات الخاضعة لتعريفات محددة، فلم يتجاوز 0.1 في المائة على أساس سنوي.
المعنى واضح: تراجع التضخم لا يعني تراجع الأسعار. إنه يعني فقط أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.
وهذه نقطة أساسية في فهم شعور المغاربة بغلاء المعيشة.
فالمواطن لا يقارن فقط ثمن كيلوغرام من اللحم أو لتر من الزيت أو كلفة التنقل بما كان عليه الشهر الماضي. بل يقارنه أيضاً بما كان يدفعه قبل سنتين أو ثلاث سنوات. والأسعار التي ارتفعت بقوة لا تعود، في العادة، إلى مستوياتها السابقة لمجرد أن التضخم تباطأ.
ثم تأتي مسألة الدخل.
فعندما تستحوذ النفقات الأساسية، من الغذاء والسكن والنقل إلى الصحة والتعليم، على جزء كبير من دخل الأسرة، فإن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية. فقد تتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار، فيما يظل مستوى الأسعار نفسه مرتفعاً مقارنة بالدخل.
ويزيد وضع سوق الشغل من صعوبة المعادلة. ففي سنة 2025، بلغ معدل البطالة 13 في المائة على المستوى الوطني، وارتفع إلى 37.2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة. كما ارتفع معدل الشغل الناقص من 10.1 إلى 10.9 في المائة.
لهذا سيكون على الحكومة المقبلة أن تتعامل بحذر مع مسألة التواصل الاقتصادي. فالقول إن التضخم تحت السيطرة صحيح من الناحية الإحصائية، لكن تقديم ذلك باعتباره دليلاً كافياً على تحسن القدرة الشرائية قد لا يجد الصدى نفسه لدى الأسر.
الحكومة تنظر إلى المؤشرات الماكرو اقتصادية. المواطن ينظر إلى فاتورة الكهرباء، وسلة المشتريات، وكلفة التنقل، ومصاريف المدرسة، وما يتبقى من دخله في نهاية الشهر.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في طريقة قراءة الأرقام. فالفجوة بين المؤشر الاقتصادي والتجربة اليومية يمكن أن تتحول، مع الوقت، إلى فجوة في الثقة.
وفي بلد لم تتجاوز فيه نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية الأخيرة 38.08 في المائة، تصبح هذه المسألة أكثر حساسية. فالتحدي أمام الحكومة المقبلة لن يكون فقط تحسين المؤشرات الاقتصادية، وإنما جعل هذا التحسن محسوساً في حياة الناس.
بعبارة أخرى، لن يكون السؤال فقط: هل تراجع التضخم؟
بل أيضاً: هل يشعر المغاربة بأن كلفة معيشتهم قد انخفضت؟






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس