الجغرافيا والاقتصاد والمصالح الاستراتيجية تجبر المغرب واسبانيا على السعي الدؤوب نحو حلول وسط

الجغرافيا والاقتصاد والمصالح الاستراتيجية تجبر المغرب واسبانيا على السعي الدؤوب نحو حلول وسط
محمد صالح اكليم 22 سبتمبر 2026

شبّه الكاتب الفرنسي المغربي طاهر بن جلون في مقال رأي نُشر في صحيفة "إل باييس"، العلاقة بين المغرب وإسبانيا بعلاقة زوجين مُسنين: قد تصل الخلافات بينهما إلى حد العنف، لكن الانفصال يبقى شبه مستحيل. وبعيدًا عن الصورة الأدبية، تُجبر الجغرافيا والاقتصاد والمصالح الاستراتيجية المملكتين على السعي الدؤوب نحو حلول وسط.

لا يفصل أفريقيا عن أوروبا سوى 14 كيلومترًا عند أضيق نقطة في مضيق جبل طارق. هذا القرب يُحوّل كل أزمة إلى خطر مشترك. الهجرة غير النظامية، الإرهاب، الاتجار بالبشر، الأمن البحري، أو الحرائق، ولا يُمكن لمدريد إدارة أي من هذه التحديات بشكل مستدام دون تعاون مع الرباط. في المقابل، تُمثّل إسبانيا بوابة حيوية للاتحاد الأوروبي بالنسبة للمغرب. كما أن الترابط الاقتصادي يجعل أي مواجهة بنهما انتحارية. فإسبانيا هي الشريك التجاري الرئيسي للمغرب، حيث يتجاوز حجم التبادل التجاري 22.5 مليار يورو سنويًا، حيث تُصدّر أكثر من 6000 شركة إسبانية بانتظام إلى المغرب، ولدى مئات منها وجود طويل الأمد بالمملكة. وحدوث أي اضطراب في هذه العلاقة سيؤدي إلى التأثير على الموانئ وشركات النقل والزراعة وصناعة السيارات وآلاف الوظائف على جانبي البحر الأبيض المتوسط. هذا، فضلا عن الروابط الإنسانية، فالجالية المغربية هي أكبر جالية أجنبية في إسبانيا، وتضم نحو 335 ألف مشترك في نظام الضمان الاجتماعي الإسباني. وتُشكّل العائلات والعمال الموسميون والطلاب وحاملو الجنسية المزدوجة جسراً إنسانياً متيناً لا يمكن لأي توتر دبلوماسي أن يقطعه.

لذا، تبدو الحرب غير منطقية سياسياً وكارثية اقتصادياً. علاوة على ذلك، ستضع مدريد، العضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، في مواجهة أزمة كبرى مع شريك غربي رئيسي في أفريقيا. في المقابل، تتطلب بطولة كأس العالم 2030، التي تستضيفها البرتغال بالاشتراك مع إسبانيا، سنوات من التنسيق في مجالات النقل والأمن والبنية التحتية.

ها، ويبقى مشروع خط السكة الحديد الثابت المزمع إنشاؤه تحت مضيق جبل طارق أبرز رمز لهذا المصير المشترك. إنه جسراً لمشروع مستقبلي، ونفق لا يزال قيد الدراسة، ويهدف إلى الربط المادي بين القارتين. ومن المؤكد أن سبتة ومليلية والصحراء المغربية والهجرة ستستمر في إحداث اضطرابات. لكن لا يمكن للرباط ومدريد أن تسمحا بتحويل خلافاتهما إلى عداء دائم، فالسلام بينهما ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل هو ضرورة جغرافية والتزام استراتيجي.

 



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا