الصحراء المغربية أمام منعطف أممي.. واشنطن تعيد رسم القواعد والبوليساريو يلوّح بالانسحاب من مسار لم يعد يملكه
لم يعد النقاش الدائر في أروقة مجلس الأمن حول الصحراء المغربية مجرد طقس سنوي روتيني لتمديد ولاية بعثة أممية استنفدت مبررات وجودها. ما يجري اليوم في نيويورك هو إعادة تعريف كاملة لقواعد اللعبة.
ففي 20 أكتوبر 2026، تسربت المسودة الأولية الأمريكية التي ستُعرض للتصويت في 31 أكتوبر، لتجديد ولاية المينورسو. والوثيقة، خلافا لكل السوابق، لا تكتفي بتمديد تقني لسنة إضافية. إنها وثيقة قطيعة. تقترح تحويلا جذريا في بنية البعثة، وتثبت مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحدث أساسا وحيدا للمفاوضات، وتصف الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه الحل الوحيد القابل للتطبيق. صياغة بهذا الوضوح تعني انتقال الأمم المتحدة من منطق إدارة النزاع إلى منطق حسمه وفق مرجعية سياسية محددة، وهذا بالضبط ما يفسر حالة الذعر التي دفعت قيادة البوليساريو إلى التلويح بالانسحاب عبر رسالة ممثلها سيدي محمد عمر يوم 23 أكتوبر.
ولكي نفهم حجم التحول، لا بد من العودة إلى القرار 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025. ذلك القرار كان تمهيدا هادئا للمنعطف. فقد مدد ولاية المينورسو إلى 31 أكتوبر 2026، ودعم جهود الأمين العام ومبعوثه ستافان دي ميستورا، لكنه لأول مرة طلب مراجعة استراتيجية شاملة لمستقبل البعثة. لقد قال مجلس الأمن ضمنيا: النموذج الحالي لم يعد قابلا للاستمرار.
المسودة الأمريكية الجديدة تذهب إلى النهاية المنطقية لذلك الاستنتاج. أولا، تغير الاسم نفسه، وهو ليس تفصيلا لغويا. من "بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية" MINURSO إلى "بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية" MINUSO. حذف كلمة "الاستفتاء" هو إعلان وفاة قانوني لمفهوم ظل يسمم المسار لأكثر من ثلاثة عقود. ثانيا، تنهي ولاية حفظ السلام في 30 أبريل 2027، لتحولها اعتبارا من فاتح مايو إلى بعثة سياسية خاصة تنتهي في 31 أكتوبر 2027. ثالثا، تفرض خفضا لا يقل عن 50 في المائة من الأفراد العسكريين النظاميين بحلول 31 يناير 2027، مع توحيد المواقع وإغلاق بعضها.
بعبارة أخرى، واشنطن تقول: بعثة وُلدت لتنظيم استفتاء مستحيل، فشلت قوائمه وتوافقاته منذ اتفاق هيوستن، لا يمكن أن تستمر كجيش مراقبة لوقف إطلاق نار هش. هذا اعتراف عملي بأن نموذج الاستفتاء استنفد جدواه، وأن كلفة الإبقاء عليه أصبحت عبئا على مصداقية الأمم المتحدة نفسها.
في مقابل هذا الفراغ، المغرب لا يدخل المرحلة بمقترح مرتجل. مقترح الحكم الذاتي لسنة 2007 لم يعد مجرد ورقة. النسخة الموسعة والمحدثة التي ترحب بها المسودة صراحة، والتي شكلت أساس المناقشات في الجولات الثلاث المباشرة التي عقدت في واشنطن ومدريد بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، هي اليوم الإطار الوحيد للتفاوض. وهنا تكمن ضربة المعلم الدبلوماسية المغربية.
فالمسودة لا تقول "خذوا الحكم الذاتي بعين الاعتبار ضمن خيارات أخرى". تقول: "على أساسه وحده". هذا التحديد اللغوي يضيق مساحة المناورة إلى الصفر أمام خطاب ظل يردد لعقود شعار "الاستفتاء وتقرير المصير" دون أن يقدم ولو مرة واحدة تصورا عمليا: من يصوت؟ بأي لوائح؟ ما هي ضمانات ما بعد التصويت؟ من يدير المرحلة الانتقالية؟ لا شيء.
الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، كما تطرحه الرباط، ليس تنازلا تكتيكيا، بل عرض سياسي مفصل: برلمان جهوي بصلاحيات تشريعية، حكومة جهوية، قضاء، توزيع للموارد، ضمانات ثقافية ولغوية، وتمثيل في المؤسسات الوطنية. إنه يضع الخصم أمام اختبار حقيقي: هل لديك القدرة على مناقشة الاختصاصات والضمانات، أم أنك تجيد فقط بيانات الرفض؟
ومن هنا نفهم تهديد البوليساريو بالانسحاب. الجبهة اعتبرت في رسالتها أن المسودة تحدد مسبقا إطار المفاوضات ومآلاتها وتتهم واشنطن بالانحياز. لكن هذا التوصيف يكشف جوهر المأزق لا قوة الموقف. التهديد بالانسحاب ليس موقفا تفاوضيا، بل هروب من الامتحان. فإذا كانت الجبهة تدعي تمثيل الصحراويين، لماذا ترفض مناقشة تفاصيل تهم حياتهم اليومية؟ لماذا لا تطرح تعديلات على صلاحيات البرلمان الجهوي، أو آليات توزيع عائدات الفوسفاط والصيد البحري، أو الضمانات الأمنية؟
لأن التفاوض على التفاصيل يفضح غياب المشروع. البوليساريو اعتادت أن تكون طرفا يرفع السقف في غرف مغلقة، لا طرفا يبني مؤسسات. والمسودة الجديدة تسحب منها الامتياز الأخير الذي كانت تملكه: احتكار تمثيل الصحراويين. فالبند 7 من المشروع يطلب من الأمين العام التشاور مع "طيف واسع من مكونات المجتمع الصحراوي والجهات المعنية، بما في ذلك الأطراف الموجودة خارج نطاق الأطراف المشاركة في المفاوضات، سواء داخل الإقليم أو في مخيمات اللاجئين أو في الشتات". للمرة الأولى، الأمم المتحدة تقول علنا: البوليساريو ليست الممثل الوحيد.
أما الجزائر، فلم تعد قادرة على لعب دور الملاحظ القلق من خلف الستار. المسودة تسميها صراحة ضمن الأطراف الأربعة في الجولات المباشرة. وهذا تطور حاسم. فالتسوية الدائمة لا يمكن أن تبنى مع تجاهل من يمول ويسلح ويستضيف ويمنح جوازات السفر الدبلوماسية. الخطاب الجزائري الذي يطالب بحل سياسي ثم يرفض كل تحول في آليات التفاوض يضع نفسه أمام سؤال الشرعية: كيف تطالب بتسوية وأنت ترفض الانخراط في قواعدها الجديدة؟ المرحلة المقبلة ستختبر إن كانت الجزائر تريد فعلا حلا، أم تريد فقط إدارة نزاع يبقي المغرب مستنزفا ويبرر عقيدة عسكرية داخلية.
ويأتي الملف الإنساني ليضع النقاط على الحروف. المسودة تطلب من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين استكمال تسجيل سكان مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي ومعايير المفوضية، ودون تدخل من أي جهة، مع ضمان الوصول وحرية التنقل. هذه ليست فقرة إنسانية عابرة. إنها قنبلة سياسية موقوتة.
لماذا؟ لأن غياب الإحصاء منذ 1975 سمح بتحويل المخيمات إلى ريع إنساني وسياسي. أرقام مضخمة لتبرير المساعدات الدولية، ومنع للتنقل، واحتجاز لعائلات رهينة لرهانات إقليمية. التسجيل الفردي سيكشف الحجم الحقيقي للسكان، وسيفتح الباب أمام الحلول الفردية الطوعية والدائمة التي تتحدث عنها المسودة. أي أن الساكن في تندوف سيصبح لأول مرة مواطنا له حق الاختيار، لا رقما في خطاب سياسي. وهذا ما يخشاه من يدير المخيمات أكثر من أي قرار سياسي آخر.
أخيرا، هناك لغة جديدة لم نعهدها في قرارات الصحراء: المساءلة. المسودة تدين الهجوم الذي وقع في 5 ماي 2026 على مدينة السمارة، وتعرب عن أسفها لإخفاق أحد الأطراف في الانخراط بجدية، وتلوح باتخاذ "تدابير إضافية" إذا أخفقت الأطراف في الانخراط البناء. التلويح ليس عقوبات محددة، لكنه رسالة واضحة: زمن التزام الصمت إزاء تعطيل المسار انتهى. تقييم سلوك الأطراف سيصبح جزءا من متابعة مجلس الأمن.
المكسب المغربي المحتمل إذن واضح وثلاثي: أولا، تثبيت الحكم الذاتي كمرجعية وحيدة ونهائية، وثانيا، تفكيك البنية الرمزية والقانونية لأطروحة الاستفتاء عبر إنهاء المينورسو بصيغتها القديمة، وثالثا، فتح ملف تندوف وفق المعايير الدولية للشفافية.
لكن الحسم النهائي يبقى رهينا بتصويت 31 أكتوبر، ثم بالتنفيذ. وهنا تبدأ مسؤولية الرباط. فالاعتراف الدولي المتنامي بسيادة المغرب، وفتح أكثر من 30 قنصلية في العيون والداخلة، لا يكفي وحده. المطلوب الآن تطوير مقترح الحكم الذاتي إلى دستور مصغر واضح: ما هي الاختصاصات الحصرية للجهة؟ ما هي الاختصاصات المشتركة؟ كيف تضمن تمثيلية حقيقية للمنتخبين الصحراويين؟ كيف تتحول التنمية الهائلة في الأقاليم الجنوبية – من ميناء الداخلة الأطلسي إلى الطريق السريع تزنيت-الداخلة – إلى شرعية سياسية يومية يشعر بها المواطن؟
أما خصوم الوحدة الترابية، فالتحدي لم يعد في إصدار بيان غاضب أو التهديد بالانسحاب من مسار لم يعد يملكون مفاتيحه. التحدي هو في تقديم بديل قابل للحياة. وحتى الآن، لا بديل.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد التصريحات النارية هذا الأسبوع، بل في النص النهائي الذي سيخرج من مجلس الأمن. وحتى ذلك الحين، تقول المسودة شيئا واحدا لا لبس فيه: مقترح الحكم الذاتي يتقدم، نموذج المينورسو القديم يتراجع، والمسؤولية عن تعطيل التسوية لم تعد بلا ثمن.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس