تربية الأبناء والتحدي الرقمي
من المسلم به أن القيم والثقافة ترتبط بالبنية الاجتماعية وتتطور تبعا لتطورها.
وقانون التفاعل يحكم مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتربوية وكلها توجه سلوك الإنسان فتحدد خياراته تماشيا مع مواقفه كفرد داخل جماعة.
وتعيش مجتمعاتنا حالة من حالات تطور الذكاء الإنساني يعرف بالعصر الرقمي المعتمد على تطور تكنولوجيا الاتصال والمعلوميات واتساع استعمل الإنترنت وكل ما ثم التوصل اليه من أحدث وسائل التواصل الاجتماعي وتقنياته وتطبيقاته المتنوعة بل تطور هذا الذكاء الى ذكاء اصطناعي تنافس فيه الالة العقل البشري.
أمر أدى إلى عمليات تحول وتغيير مرتبطة بالمعرفة الإنسانية الكونية او ما أضحى يعرف بثقافة العولمة ادت الى سيادة حالة من التجاذب والصراع بين القديم والجديد لتشكل خطوط تماس بين واقعين، فمن جهة نخاف ان نقترب كثيرا من الحداثة ومن جهة تانية الخوف من الابتعاد عن بنيتنا التقليدية أو فيما حدد مفهومه خبراء منظمة اليونسكو ب "التفكك الثقافي العميق".
وتشكل فئة الشباب في مجتمعنا كفئة تستشرف المستقبل بأمل المطلع إلى التغيير ورسم طريق أفضل للحرية بداية التغيير في الواقع الاجتماعي ومنظومة القيم باعتبارهم الأكثر انجذابا وتسارعا لاكتشاف كل ما هو جديد، شباب حضي في عصرنا بمحفزات ووسائل لم تكن متوفرة للأجيال السابقة.
فظهرت حالة من التجاذب والصراع بمختلف أشكاله مع الأسرة والمدرسة والجامعة ومع السلطة، إن أبناءنا وشبابنا بفعل تكنولوجيا التواصل ووسائلها وتطبيقاتها أصبحوا ينشدون التغيير بطموحات بلا حدود.
وما يتير الاهتمام في الآونة الأخيرة هو ما يتلقاه ابناؤنا داخل المدارس من مقررات بإدخال مكونات ثقافية خارجية تسقط عليهم وقد تكون في الكثير منها مبتعدة عن ثقافتهم الوطنية وقيمهم الدينية وكأنها عملية غزو ثقافي مختلف عما سبقه من أشكال، وعما تلقاه جيل السبعينيات والثمانينات وحتى بداية التسعينيات من القرن الماضي انه غزو ثقافي انتقل مع أبناءنا من المدرسة الى المنزل وتأقلم واشتد عوده في الشارع وفي مقاهيه المسماة بالسبير كافي او أماكن الألعاب الإلكترونية.
استيلاب لشخصية ابنائنا وقدرتهم على التعبير والابتكار، استيلاب رقمي سريع الحركة وناشط في مختلف المجالات يضعنا أمام معطيات كمية هائلة وبكل الاتجاهات وعلى مختلف المستويات تمنعنا من القدرة على تتبع ابنائنا وشبابنا حتى أصبحنا جزء من لعبة الكترونية لا نجيد التعامل مع مفاتيحها، فأصبح ابناؤنا عطشى لكل جديد في تكنولوجيا المعلوميات ومتحكمين في تقنياتها غير آبهين لمغرياتها والسرعة في تدفق معطياتها وانفتاحها الواسع.
أمر يصعب تدبيره والسيطرة عليه فيترك أبناؤنا في مهب رياح الاستقطاب والتطرف بأنواعه فتحولت الدعامات الإلكترونية وسيلة للبوز ولو شكل فعلا جرميا وأصبح التواصل مع المنحرفين والمجرمين المحترفين عبر العاب إلكترونية تمجد القتل بدعوى تحقيق النصر فأصبحت لا تقتصر فقط على تتبع مشهد اللعبة بل الى التواصل المباشر مع لاعبيها دون الاكتراث لفارق السن والسلوك والثقافة، مع العلم ان العديد من الدول الغربية منعت هذا النوع من الألعاب، وما عسانا ان نفعل وقد أصبحنا حقلا للتجارب فالبرامج بمساوئها تحمل مجانا.
فإما ان نعتني بأبنائنا وشبابنا ونقوم بتربيتهم، أو نتركهم للآخرين يعتنون بهم عناية تدمرنا جميعا.
إن حالة الصراع بين تربيتنا التقليدية وما اكتسبناه وما نربي عليه أبناءنا وما أصبح يتسلل يوما بعد يوم إلى حواسب ابنائنا من برامج إلكترونية وافكار هدامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتقنياته وسهولة تحميلها، أوجدت ردة فعل اجتماعية وثقافية وبأشكال متنوعة بمواقفها، أما بالانفتاح الإيجابي او بالانغلاق السلبي اختيارات ستكون لها آثار مباشرة على ابنائنا وشبابنا لأنهم الحلقة الأساس في هذه المعادلة.
فما نشاهده اليوم من مظاهر الانحراف والعنف والجريمة والتي يرتكبها القاصرون الأحداث أو شباب حديث العهد بسن المسؤولية الجنائية امر نسائل فيه جميعا عن التربية وعن المدرسة، عن ضرورة إعادة النظر في منظومتنا التعليمية، وأن ندق معه ناقوس الخطر.
(1) باحث في الإعلام والهجرة وحقوق الإنسان







تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس