الملكية المغربية... عقدة النظام الجزائري
من يتابع سلوك النظام الجزائري تجاه المملكة المغربية خلال العقود الأخيرة، يلاحظ أن جوهر الأزمة ليس حدودًا ولا مصالح ظرفية ولا حتى خلافات دبلوماسية عابرة، بل هو شيء أعمق بكثير: عقدة مزمنة اسمها الملكية المغربية. فالنظام القائم في الجزائر لم يستطع، منذ استقلال بلاده، أن يتصالح مع وجود دولة جارة مستقرة، ذات شرعية تاريخية متجذرة، ومؤسسات عريقة، وقيادة ملكية استطاعت أن تحافظ على استمرارية الدولة وتماسك المجتمع في محيط إقليمي مضطرب.
في المغرب نعيش، كما تعيش سائر دول العالم، مخاضات اجتماعية واقتصادية وسياسية متعددة، لكننا تعلمنا كيف ندير اختلافاتنا تحت سقف الوطن، وكيف نحوّل الأزمات إلى فرص للإصلاح، ونحافظ في الآن نفسه على استقرار البلاد وأمنها. نعم، نعاني من اختلالات مرتبطة بالصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية، ونعترف بأن قصور بعض الحكومات في تلبية انتظارات المواطنين يولد غضبًا مشروعًا واحتجاجًا طبيعيًا. نعم، قد ننتقد، ونحتج، ونرفع مطالب التغيير، وقد نطالب برحيل حكومة أو بمحاسبة مسؤولين أو حتى بإعادة ترتيب المشهد المؤسساتي، لكن كل ذلك يتم من داخل البيت المغربي، ووفق منطق وطني واضح لا يقبل الوصاية ولا التلاعب الخارجي. فالمغاربة حين يغضبون لا يفرطون في وطنهم، وحين يختلفون لا يمسون ثوابتهم، وحين يحتجون يزدادون تشبثًا ببلدهم وعرشهم. نحن شعب يعرف كيف يوازن بين حق المطالبة بالإصلاح وواجب الدفاع عن الدولة. ولذلك لن نقبل أبدًا أن يتسلل أجنبي أو خائن أو متربص إلى مساراتنا النضالية ليستثمرها ضد المملكة أو ضد رمزها الأول (الملك محمد السادس)، و(الملكية بصفة عامة).
وفي المقابل، يبدو المشهد مختلفًا لدى بعض الأنظمة الهشة التي ترتعب من مجرد صوت شعبي يطالب بحقه، فتسارع إلى تخوين شعبها، واتهام المعارضين بالعمالة، وافتعال أزمات خارجية، وإعلان حالات استنفار وهمية، فقط لتحويل النقاش عن الفشل الداخلي، وتهميش الأولويات الحقيقية، والتخلص من الأصوات الحرة المطالبة بالكرامة والإنصاف. هنا يكمن الفرق بين دولة واثقة من شعبها، ونظام خائف من شعبه.
المغرب ليس مجرد بلد جار بالنسبة لصناع القرار في الجزائر، يفرض تمتين الروابط وتعزيز العلاقات لما فيه مصالح الشعبين المغربي والجزائري. بل هو في نظرهم، نموذج مزعج لهم؛ نموذج يُظهر أن الشرعية التاريخية والارتباط بين العرش والشعب قادران على صناعة الاستقرار، بينما تعجز الأنظمة المبنية على الانقلابات والصراعات الداخلية عن إنتاج الطمأنينة السياسية والتنمية المستدامة. ولهذا تحوّل الهجوم على المغرب، وعلى مؤسساته، وعلى ملكيته، إلى سياسة شبه رسمية تُستعمل كلما اشتدت الأزمات الداخلية أو ارتفعت أصوات الجزائريين المطالبين بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
لقد أدرك المغاربة منذ زمن بعيد أن سر قوة بلدهم لا يكمن فقط في الجغرافيا أو الاقتصاد أو التحالفات الدولية، بل في ذلك الرابط التاريخي المتين بين الشعب والعرش. فالملكية المغربية لم تكن يومًا مؤسسة شكلية، بل كانت عبر القرون صمام أمان الأمة، وحصن الوحدة الترابية، ومرجعية الإصلاح والتحديث. من مقاومة الاستعمار إلى بناء الدولة الحديثة، ومن استرجاع الأقاليم الجنوبية إلى إطلاق المشاريع الكبرى، ظل العرش المغربي في قلب كل التحولات الوطنية الكبرى.
وهذا بالضبط ما يزعج النظام الجزائري. لأنه كلما حاول تسويق خطاب العداء للمغرب، اصطدم بحقيقة أن المملكة تتقدم، وتُصلح، وتبني، وتُراكم الإنجازات. وكلما حاول التشويش على صورة المغرب، وجد العالم أمامه دولة مستقرة، بقيادة تحظى بالاحترام، وشعب متشبث بمقدساته الوطنية، ومؤسسات تتحرك بثبات في زمن الاضطراب.
في الوقت الذي أُغلقت فيه الحدود، وعُطلت فرص التكامل المغاربي، وأُهدرت سنوات من التنمية المشتركة، اختار المغرب أن يتجه إلى المستقبل. طور بنياته التحتية، أطلق مشاريع كبرى في الصناعة والطاقة والفلاحة والموانئ، رسخ حضوره الإفريقي والدولي، وواصل تحديث مؤسساته السياسية والاجتماعية. بينما ظلت الجزائر أسيرة خطاب المؤامرة، وتصدير الأزمات، وصناعة خصم خارجي لتبرير اختلالاتها الداخلية.
المفارقة المؤلمة أن الشعب الجزائري الشقيق لا يحمل في وجدانه ما تحمله بعض دوائر القرار من عداء للمغرب. فالشعبان بينهما روابط الدم والدين والتاريخ والجغرافيا والمصير المشترك. آلاف الأسر موزعة بين الضفتين، والذاكرة الشعبية مليئة بقصص الأخوة والتعاون والمقاومة المشتركة للاستعمار. لكن النظام هناك اختار أن يجعل من المغرب شماعة يعلق عليها فشله السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
كلما اهتز الداخل الجزائري، ارتفع منسوب التوتر المصطنع مع المغرب. كلما تفاقمت البطالة، أو تصاعدت مطالب الحريات، أو طُرحت أسئلة توزيع الثروة، جرى استدعاء (الخطر المغربي) لتوجيه الأنظار بعيدًا عن جوهر الأزمة. إنها وصفة مستهلكة ورديئة لم تعد تقنع أحدًا، لا في الداخل الجزائري ولا خارجه.
أما قضية الصحراء المغربية، فقد أصبحت بدورها أداة في يد هذا النظام، ينفق عليها من أموال الشعب الجزائري ما كان أولى أن يُصرف على التنمية والصحة والتعليم والتشغيل. ومع ذلك، فإن الواقع الدولي يتغير كليا لصالح المغرب، وبعد أن توسعت الاعترافات، وزاد الدعم لمقترح الحكم الذاتي. وتعزز بتزايد عدد القنصليات في الأقاليم الجنوبية، كانت نهاية سنة 2026، هي نهاية هذا النزاع المفتعل. بصدور القرار الأممي رقم 2797، والذي أقر بسيادة المغرب على صحراءه. وأنه لا مفاوضات خارج مقترح الحكم الذاتي المغربي.
إن قوة المغرب في هذا الملف لا تعود فقط إلى عدالة قضيته، بل أيضًا إلى حكمة الملك محمد السادس، وحسن قيادته وثبات مؤسساته. فالملك جعل من الدبلوماسية الهادئة والناعمة والواقعية منهجًا ثابتًا، وربط الدفاع عن الوحدة الترابية بالتنمية الميدانية، وببناء نموذج تنموي جديد في الأقاليم الجنوبية، وبإشراك الساكنة في القرار والتمثيل. وهذا ما جعل العالم ينظر إلى المغرب باعتباره طرفًا جادًا ومسؤولًا، لا دولة تبحث عن افتعال الأزمات.
من حق المغاربة أن يفتخروا بملكيتهم، لأنها لم تكن عبئًا على الدولة، بل كانت رافعة لها. ملكية حافظت على وحدة البلاد، وواكبت التحولات، وأطلقت الإصلاحات، واحتضنت التعدد الثقافي، ورسخت الأمن والاستقرار. وفي زمن سقطت فيه جمهوريات كثيرة في الفوضى والانقسام والحروب الأهلية، بقي المغرب واقفًا، متوازنًا، متماسكًا.
ومن حق الجزائريين كذلك أن يتساءلوا: لماذا تحولت المملكة المغربية إلى هاجس دائم لدى حكامهم؟ لماذا تُهدر الطاقات في صناعة العداء بدل بناء التعاون؟ لماذا يُنظر إلى نجاح الجار كتهديد، بدل اعتباره فرصة لشراكة مغاربية قوية؟
إن المستقبل لا يُبنى بالكراهية، ولا بالحدود المغلقة، ولا بتغذية الأحقاد. المستقبل يُبنى بالتكامل والاحترام المتبادل وحسن الجوار. والمغرب، بقيادته وشعبه، أثبت مرارًا أنه يمد اليد للأخوة، ويُفضل البناء على الصدام، والتنمية على الخصومة.
أما الذين جعلوا من الملكية المغربية عقدة سياسية ونفسية، فعليهم أن يدركوا أن ما يزعجهم ليس وجود ملكية في حد ذاته، بل نجاحها. وما يربكهم ليس المغرب، بل عجزهم عن بناء نموذج يحظى بثقة شعوبهم.
سيظل المغرب مملكة ضاربة الجذور، متجددة الرؤية، قوية بوحدتها، واثقة في مؤسساتها، معتزة بقيادتها، ومنفتحة على المستقبل. وسيبقى الشعب المغربي ملتفًا حول عرشه، لأن العلاقة بينهما ليست ترتيبات سلطة، بل تاريخ وهوية ووفاء ومصير مشترك.
وحين ينتصر منطق الحكمة يومًا ما، سيدرك الجميع أن المغرب لم يكن يومًا مشكلة لأحد، بل كان دائمًا فرصة ضيّعها من لم يحسن قراءة التاريخ.






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس