بين باماكو والجزائر.. انعطافة حادة بوقع "إعادة ختان" سياسية

بين باماكو والجزائر.. انعطافة حادة بوقع
بقلم: الدكتور عبد القادر الحافظ بريهما 20 أبريل 2026

يُفهم قرار سحب دولة مالي اعترافها بجبهة البوليساريو في سياق إقليمي متوتر، يتجاوز مجرد موقف دبلوماسي عابر، ليحمل رسائل سياسية عميقة، موجهة بالدرجة الأولى إلى الجزائر قبل أن تصل إلى إبراهيم غالي. فالعلاقات بين باماكو والجزائر لم تعد كما كانت، بل شهدت خلال السنوات الأخيرة توترات متصاعدة، خاصة على خلفية ملفات أمنية وسيادية في منطقة الساحل.

هذا القرار لا يمكن عزله عن التراكمات السابقة بين البلدين، حيث عبرت مالي مرارا عن امتعاضها من ما تعتبره تدخلا غير مباشر في شؤونها الداخلية، خصوصا فيما يتعلق بإدارة النزاعات في شمال البلاد. ومع صعود خطاب سيادي جديد داخل باماكو، أصبحت إعادة ترتيب التحالفات ضرورة ملحة، وهو ما انعكس في مواقفها من قضايا إقليمية، من بينها ملف الصحراء المغربية.

في خضم هذا التحول، سارعت قيادات البوليساريو وعدد من ناشطيها على وسائط التواصل الاجتماعي إلى التقليل من أهمية القرار، معتبرين أن مالي ليست دولة مؤثرة وأن سحب الاعتراف لا يغير من واقع القضية شيئا. غير أن هذا الخطاب الدفاعي يعكس، في عمقه، محاولة لاحتواء وقع الصدمة أكثر مما يعكس قراءة موضوعية لحجم التحول الحاصل.

فالحقيقة التي يصعب تجاهلها هي أن قرار سحب الاعتراف، رغم التقليل من شأنه، يحمل دلالة سياسية قوية، وينظر إليه من طرف كثيرين كضربة موجعة، بل ويشبه في الخطاب السياسي الحاد بما يشبه "إعادة الختان" للجزائر، في إشارة إلى الألم الرمزي الكبير الذي خلفه القرار، وإلى كونه يعيد خلط الأوراق بشكل مؤلم وغير متوقع.

هذه الاستعارة القاسية تعكس حجم التحول الذي وقع، إذ لم يعد الأمر مجرد اختلاف في المواقف، بل أصبح مساسا بصورة النفوذ والتأثير داخل القارة الإفريقية. فالجزائر، التي ظلت تعتبر بعض مواقف الدعم ثابتة، تجد نفسها اليوم أمام تآكل تدريجي لهذا الرصيد، وهو ما يفرض مراجعة عميقة للسياسات المتبعة.

أما البوليساريو، فإن تأثير القرار عليها يتجاوز البعد الرمزي، ليطال جوهر حضورها الدبلوماسي. فكل دولة تسحب اعترافها تضعف من شرعيتها الدولية، وتحد من قدرتها على الترويج لأطروحتها، خاصة في ظل تزايد الدول التي تعيد تقييم مواقفها وفق مصالحها الخاصة.

ومن جهة أخرى، يعكس هذا التطور بروز مقاربة جديدة داخل إفريقيا، تقوم على إعادة ترتيب الأولويات بعيدا عن الاصطفافات التقليدية. وبالتالي فدولة مالي، من خلال هذا القرار، تبدو وكأنها تؤكد استقلالية قرارها السيادي، حتى وإن كان ذلك على حساب علاقات سابقة أو مواقف راسخة.

كما أن التوتر المتصاعد بين مالي والجزائر لعب دورا مباشرا في هذا التحول، حيث لم يعد بالإمكان الفصل بين الخلافات الثنائية والقرارات الإقليمية. فالمشهد الحالي يؤكد أن أي خلل في العلاقات ينعكس سريعا على التحالفات، ويعيد تشكيلها وفق معادلات جديدة.

في النهاية، ورغم محاولات التقليل من أهمية القرار، فإن وقعه السياسي يظل كبيرا، واستعارة "إعادة الختان" تختزل هذا الإحساس بالألم والتحول القاسي، في لحظة تعيد فيها المنطقة رسم ملامح توازناتها، وتؤكد أن لا شيء أصبح ثابتا في عالم تحكمه المصالح المتغيرة.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا