سؤال يتكرر... وسؤال لا يطرح

سؤال يتكرر... وسؤال لا يطرح
بقلم: ذ. المصطفى شقرون 02 يونيو 2026

يتكرر في النقاشات العامة، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المجالس الخاصة والعامة، سؤال يكاد يصبح لازمة عند كل مناسبة يرتبط فيها الرأي العام بملف من الملفات القضائية أو السياسية، وهو: لماذا لم يشمل العفو الملكي بعض المعتقلين؟

غير أن الملاحظ أن كثيرا من الذين يطرحون هذا السؤال يغفلون سؤالا آخر لا يقل أهمية عنه، بل قد يكون سابقا له منطقا وقانونا. وهو:

هل تقدم المعنيون بالأمر أصلا بطلب العفو؟

إن تناول موضوع العفو الملكي يقتضي الابتعاد عن الانطباعات والأحكام الجاهزة، والرجوع إلى طبيعة هذه المؤسسة الدستورية وإلى المساطر التي تؤطرها.

هل العفو الملكي قرار تلقائي يصدر دون إجراءات أو طلبات؟

أم أنه مؤسسة دستورية وقانونية تخضع لمساطر محددة؟

وهل يمكن مناقشة عدم استفادة شخص من العفو قبل التأكد من استيفاء الشروط والإجراءات المرتبطة به؟

يعتبر العفو الملكي من الاختصاصات الدستورية الممنوحة لجلالة الملك باعتباره رئيس الدولة وأمير المؤمنين وضامن استمرارية الدولة ومؤسساتها.

والعفو الملكي ليس حكما قضائيا جديدا، ولا إعادة لمحاكمة الشخص المعني، بل هو إجراء ذو طبيعة خاصة تمارسه المؤسسة الملكية وفق ما يخوله الدستور والقوانين المنظمة.

ولهذا فإن العفو يظل من مظاهر الرحمة والرأفة التي تمارس في إطار الشرعية والمؤسسات.

فمن حق أي مواطن أن يتساءل عن أسباب استفادة أشخاص من العفو وعدم استفادة آخرين.

لكن من واجب الباحث عن الحقيقة أن يطرح جميع الأسئلة المرتبطة بالموضوع، لا سؤالا واحدا فقط.

فإذا سألنا:

"لماذا لم يستفد فلان من العفو؟"

فينبغي كذلك أن نسأل:

هل تقدم بطلب العفو؟

هل استوفى الشروط المطلوبة؟

هل تم عرض ملفه على الجهات المختصة؟

هل توجد اعتبارات قانونية أو إنسانية أو إجرائية مرتبطة بملفه؟

من الناحية العملية، فإن طلب العفو يشكل في العديد من الحالات إحدى الوسائل التي تتيح دراسة الملف من قبل الجهات المختصة.

فلا يمكن افتراض أن جميع الأشخاص يرغبون في الاستفادة من العفو أو يتقدمون بطلبات بهذا الشأن.

وقد توجد حالات يعتبر فيها المعني بالأمر نفسه بريئا، أو يفضل سلوك مساطر أخرى للطعن أو المراجعة أو إعادة النظر.

لذلك فإن مجرد عدم صدور العفو لفائدة شخص معين لا يكفي وحده لاستنتاج الأسباب الحقيقية لذلك.

كثيرا ما يقع الخلط بين نوعين مختلفين:

العفو الملكي الخاص، الذي يهم أشخاصا محددين ويترتب عنه إسقاط العقوبة كلها أو بعضها أو استبدالها.

والعفو الشامل الذي يرتبط بطبيعة قانونية مختلفة ويترتب عليه آثار أوسع نطاقا.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين المفاهيم القانونية قبل إصدار الأحكام أو تبني المواقف.

 

إن الدولة الحديثة تقوم على المؤسسات والمساطر والقوانين.

وعندما يتعلق الأمر بمؤسسة دستورية كبرى بحجم مؤسسة العفو الملكي، فإن المقاربة القانونية تظل أكثر فائدة من المقاربة العاطفية أو الانفعالية.

فالقانون يبدأ بالسؤال الصحيح، ثم بالبحث عن المعطيات، ثم بتحليل الوقائع، قبل الوصول إلى أي استنتاج.

إن السؤال: "لماذا لم يشمل العفو الملكي بعض المعتقلين؟" سؤال مشروع في إطار النقاش العمومي.

غير أن اكتمال الصورة يقتضي طرح سؤال آخر لا يقل أهمية: "هل تم التقدم بطلب العفو واستيفاء المساطر المرتبطة به؟"

فبين السؤال الأول والسؤال الثاني تتضح أهمية المعرفة القانونية، ويتحول النقاش من مجرد انطباعات وآراء متفرقة إلى فهم أعمق لمؤسسة دستورية تقوم على الشرعية والإجراءات واحترام القانون.

إن البحث عن الحقيقة لا يبدأ بالإجابة، بل يبدأ دائما بالسؤال الصحيح.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا