أخلاقيات المهنة تذوب وسط ركام الوثائق.. واللجنة المؤقتة تقضي بـ«الإعدام المهني» على جرائد عريقة وأخرى تمثل الأقاليم الجنوبية

أخلاقيات المهنة تذوب وسط ركام الوثائق.. واللجنة المؤقتة تقضي بـ«الإعدام المهني» على جرائد عريقة وأخرى تمثل الأقاليم الجنوبية
محمد صالح اكليم 09 سبتمبر 2026

لم يعد الخلاف بين اللجنة المؤقتة المكلفة بممارسة مهام المجلس الوطني للصحافة والفيدرالية المغربية لناشري الصحف مجرد نزاع إداري حول وثيقة ناقصة أو شهادة لم توضع في مكانها داخل ملف، بل أصبح امتحانًا حقيقيًا لفلسفة التنظيم الذاتي، ولمدى قدرة المجلس المقبل على أن يعكس تعددية الصحافة المغربية وتنوعها المهني والجغرافي، بدل أن تتحول عملية التمثيل إلى سباق لعبور متاهة الوثائق والآجال والشروط المالية والعددية.

فبحسب الفيدرالية، تم إيداع 74 ملفًا لناشرين منضوين تحت لوائها، لكن خمس ملفات فقط اعتُبرت مستوفية للشروط، مقابل استبعاد 69 ملفًا، بينها، وفق ما أعلنته الفيدرالية، مؤسسات صحفية عريقة ومعروفة مثل «العلم» و«لوبينيون» و«البيان» و«بيان اليوم» و«الحركة» و«الأيام» و«الأيام 24» و«اليوم 24» و«المنتخب» و«لوديسك» و«يا بلادي» و«النهار»، إضافة إلى صحف جهوية ومنابر تمثل الأقاليم الجنوبية.

لا أحد يطالب بأن تكون الصحيفة العريقة فوق القانون، ولا بأن يمنح التاريخ المهني حصانة من الشروط، لكن رفض 69 ملفًا من أصل 74 يفرض سؤالًا أكبر من الحالات الفردية: هل نحن فعلًا أمام عشرات المؤسسات التي تفتقد الشروط القانونية الجوهرية، أم أمام مؤسسات قائمة ومستوفية لها في الواقع، لكن ملفاتها افتقدت بعض الوثائق المثبتة لها أو لم تقدم بالشكل أو داخل الأجل الذي اعتمدته اللجنة؟

وثائق ضرورية.. لكن هل غاب الشرط أم غابت ورقته؟

القرار التنظيمي رقم 02/2026 يفرض على الناشرين حزمة واسعة من الوثائق، من بينها النظام الأساسي للشركة، وتصريح إصدار المنبر، والسجل التجاري، وشهادة الوضعية الجبائية، ووثائق الضمان الاجتماعي، والحساب الختامي ورقم المعاملات، وإثبات نشر القوائم التركيبية، والانتماء إلى المنظمة المهنية، والتصريح بعدم الخضوع للتصفية القضائية، فضلًا عن الوثائق المتعلقة بالصحافيين المهنيين الدائمين وبطاقاتهم.

ولا يمكن القول إن هذه الوثائق عديمة القيمة؛ فبعضها يثبت الوجود القانوني والمالي والاجتماعي للمقاولة. لكن السؤال الذي لا يمكن تجاوزه هو: هل يعقل أن جريدة يومية أو أسبوعية عريقة، تصدر منذ سنوات أو عقود، ولها شركة ومقر وإدارة ومحاسبة ومدير نشر وصحافيون ومستخدمون، وتتعامل باستمرار مع مؤسسات الدولة، تفتقد أصلًا سجلًا تجاريًا أو تصريحًا بالإصدار أو وضعية جبائية أو وثائق محاسبية واجتماعية؟

من هنا يصبح ضروريًا التمييز بين غياب الشرط القانوني نفسه وبين وجود الشرط وغياب الوثيقة التي تثبته داخل الملف. فالذي لا يتوفر أصلًا على الوضعية المطلوبة ليس كمن يتوفر عليها لكنه لم يدل بشهادة حديثة، والذي لا يشغل العدد القانوني من الصحافيين ليس كمن يشغلهم ووقع خلاف حول وثيقة أحدهم.

وهذا ما ينبغي توضيحه ملفًا بملف.

هل يستعصي على جريدة عريقة إحضار وثيقة؟

إذا كانت مؤسسة صحفية تشتغل منذ عقود، وتتعامل مع الضرائب والضمان الاجتماعي والإدارة، وتمسك حساباتها وتوظف موارد بشرية، فهل يعقل أن يستعصي عليها استخراج شهادة أو وثيقة إدارية إذا تم إشعارها بوضوح بأنها ناقصة؟

إن كانت لا تستوفي الشرط أصلًا، فرفضها مفهوم شريطة التعليل. أما إذا كان الشرط قائمًا والوثيقة قابلة للإحضار خلال ساعات أو يومين، فلماذا لا تمنح مهلة استدراكية موحدة لجميع الناشرين الموجودين في الوضعية نفسها؟

فالمساواة لا تعني فقط تطبيق الرفض على الجميع؛ المساواة يمكن أن تعني أيضًا منح الفرصة نفسها والأجل نفسه للجميع لتدارك النقص القابل للإصلاح.

صحافيو المؤسسة حاضرون.. لكن ناشرها يغيب؟

القرار يشترط، إلى جانب مدير النشر، أعدادًا محددة من الصحافيين المهنيين الدائمين بحسب طبيعة المنبر؛ 12 بالنسبة للمطبوع اليومي، وستة للأسبوعي، وأربعة بالنسبة لعدد من الأصناف الأخرى.

وهنا تظهر مفارقة تحتاج إلى تفسير دقيق: فإذا كان صحافيون داخل مؤسسة رُفض ملف ناشرها يحملون بطاقات الصحافة المهنية، ومسجلين في الهيئة الناخبة، ويحق لهم التصويت، بل وقد يكون بعضهم مستوفيًا لشروط الترشح للمقاعد السبعة المخصصة للصحافيين، فكيف يتم التعامل معهم عند فحص ملف ناشر المؤسسة نفسها.

نعلم أن شروط الصحافي تختلف قانونيًا عن شروط الناشر، ولذلك لا يوجد تناقض آلي بين قبول الأول ورفض الثاني، لكن إذا كان سبب رفض الناشر مرتبطًا تحديدًا بعدد الصحافيين أو إثبات وضعيتهم المهنية والدائمة، فإن من حق المهنيين أن يفهموا كيف يُعترف بالصحافي ناخبًا أو مترشحًا ثم يصبح وجوده أو ارتباطه بالمؤسسة محل إشكال عند احتساب ملف ناشرها.

أخلاقيات المهنة وسط ركام الأوراق

ووسط هذا النقاش الطويل حول السجل التجاري والضرائب والضمان الاجتماعي والحسابات ورقم المعاملات وعدد المستخدمين، أين موقع أخلاقيات المهنة، واستقلال التحرير، وجودة المنتوج الصحفي، ومحاربة التشهير والابتزاز والأخبار الزائفة، والدفاع عن حقوق الصحافيين؟

قد تستوفي مقاولة جميع الشهادات المطلوبة وتنتج صحافة رديئة تسيء إلى أخلاقيات المهنة، وقد تكون هناك مؤسسة جادة ذات تاريخ تحريري محترم لكنها أخطأت في وثيقة قابلة للاستكمال.

فالمجلس الوطني للصحافة ليس مصلحة للضرائب ولا فرعًا للضمان الاجتماعي، وإن كان ملزمًا بالتحقق من الشروط القانونية، وإنما يفترض أن تكون غايته الأسمى تنظيم المهنة وصيانة أخلاقياتها وحماية حقوق الصحافيين والناشرين وخدمة صحافة مسؤولة.

الدعم العمومي.. اعتراف لا يمكن تجاهله

تؤكد اللجنة أن الاستفادة من الدعم العمومي لا تعني تلقائيًا استيفاء شروط الانتداب، وهو منطق قانوني مفهوم لأن لكل مسطرة شروطها. لكن الفيدرالية تقول إن الأغلبية الساحقة من المؤسسات المستبعدة تستفيد من الدعم العمومي.

وهنا يبرز سؤال مشروع: المؤسسة المستفيدة من المال العام ليست مجهولة لدى الإدارة، فهي تقدم ملفات ووثائق وبيانات مرتبطة بنشاطها ومواردها البشرية ووضعيتها القانونية والمالية.

كما أن عددًا من المؤسسات الصحفية عاش سنوات قاسية خلال جائحة كورونا، واضطرت الدولة إلى التدخل بالدعم لإنقاذ النسيج الإعلامي والمحافظة على المقاولات ومناصب الشغل.

فإذا كانت هذه المؤسسات معروفة ومعترفًا بها عندما يتعلق الأمر بالدعم واستمرارية القطاع، فلماذا لا تُمنح، عندما يتعلق الأمر بالتمثيل المهني، فرصة معقولة لاستكمال وثيقة إذا كان الشرط الذي تثبته قائمًا أصلًا؟

 عشرات الملفات ليست مجرد أوراق.. إنها موازين تمثيلية

الأخطر أن إلغاء 69 ملفًا لا يظل إجراءً إداريًا يخص أصحابها وحدهم، لأن احتساب قوة كل هيئة من هيئات الناشرين يرتبط بالملفات المقبولة وبالحصص التمثيلية الناتجة عنها.

وبالتالي، فإن إسقاط عدد كبير من الملفات التابعة لهيئة مهنية واحدة يمكن أن يضعف رصيدها التمثيلي مقارنة بهيئات أخرى، ويقلص حظوظها في الحصول على مقعد أو أكثر من المقاعد السبعة، وربما يجعل وزنها بعد الاحتساب غير كاف للحصول على التمثيلية التي كانت ستنالها لو قُبل ناشروها.

وهنا لا يعود السؤال: لماذا رُفض هذا الملف أو ذاك؟ بل يصبح:

هل يمكن لقرارات إدارية مرتبطة بقبول الوثائق أو رفضها أن تعيد في النهاية تشكيل موازين القوى بين هيئات الناشرين، وتحدد من يدخل المجلس ومن يبقى خارجه؟

لهذا فإن الـ69 ملفًا ليست 69 ورقة ناقصة، وإنما رقم قد تكون له نتائج مباشرة في بنية المجلس المقبل وتعدديته.

الأقاليم الجنوبية والصحافة الجهوية ليستا هامشًا

وتزداد المسألة حساسية حين يشمل الاستبعاد منابر من الأقاليم الجنوبية وصحفًا جهوية، لأن التعددية ليست سياسية أو تحريرية فقط، بل هي أيضًا تعددية جغرافية.

والصحافة الجهوية ومنابر الأقاليم الجنوبية تؤدي أدوارًا مهمة في نقل القضايا المحلية والدفاع عن القضايا الوطنية ومواجهة التضليل وتقريب الإعلام من المواطن، لذلك فإن تراجع حضورها في مؤسسة التنظيم الذاتي لا ينبغي أن يمر باعتباره مجرد نتيجة حسابية.

وهل المجلس للأكبر ماليًا وعدديًا؟

ثم تطرح شروط انتداب الناشرين سؤالًا آخر لا يقل أهمية: ما مكان المقاولات الإعلامية الصغرى والحديثة والناشئة، والصحافة الجادة التي لا تتوفر على إمكانات مالية ضخمة؟

إن ربط الوزن التمثيلي بالحجم المالي والعددي قد يؤدي عمليًا إلى منح الأفضلية للمؤسسات الكبرى على حساب الصغرى، مع أن المجلس الوطني للصحافة لا ينتظر من مدير نشر المؤسسة الكبرى أن يموله من ميزانية شركته، ولا أن يضع مقراته أو تجهيزاته أو موارده البشرية تحت تصرفه.

 

ما يحتاجه المجلس من مدير النشر هو الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والخبرة والقدرة على الترافع والدفاع عن أخلاقيات المهنة وحقوق الصحافيين والناشرين.

فما الذي يجعل مدير نشر مقاولة كبرى، لمجرد أن رقم معاملاتها أكبر وعدد مستخدميها أكثر، أقدر بالضرورة على أداء هذه المهمة من مدير نشر مقاولة صغيرة أو ناشئة راكم تجربة مهنية ويحمل مشروعًا إعلاميًا جادًا؟

إن قيمة ممثل الناشرين يجب ألا تقاس بحجم الشركة التي يديرها، بل بحجم كفاءته ومصداقيته وقوة موقفه وقدرته على خدمة المهنة.

لا تجعلوا القانون مقصلة للتعددية

لسنا ضد القانون، ولا نطالب بإعفاء المؤسسات العريقة من شروطه، ولا نعتبر الدعم العمومي بطاقة عبور إلى المجلس؛ لكننا نرفض أن تصبح الوثيقة أقوى من الواقع المهني، أو أن يتحول النقص القابل للاستكمال إلى «حكم بالإعدام المهني» على مؤسسة قائمة.

إذا كان الشرط غير موجود، فليُرفض الملف ويُعلل القرار. أما إذا كان الشرط موجودًا والوثيقة وحدها هي الناقصة، فمن الإنصاف منح فرصة متساوية ومعقولة لاستكمالها.

مجلس الصحافة يحتاج إلى الثقة قبل المقاعد

قبل توزيع المقاعد السبعة، ينبغي الإجابة عن السؤال الأكبر:

هل نريد مجلسًا ينجح فقط في استكمال المسطرة، أم مجلسًا يولد وهو يحظى بثقة مختلف مكونات المهنة؛ من الصحف العريقة إلى المقاولات الناشئة، ومن المؤسسات الكبرى إلى الصغرى، ومن الصحافة الوطنية إلى الجهوية ومنابر الأقاليم الجنوبية؟

فالصحافة لا تعيش بالوثائق وحدها، ولا تُقاس قيمة مدير النشر برقم معاملات شركته، ولا تُبنى شرعية التنظيم الذاتي بإقصاء الأصوات المختلفة.

المجلس الحقيقي هو الذي يجمع الكفاءة والتعددية والإنصاف وأخلاقيات المهنة تحت سقف القانون؛ لا الذي يجعل ركام الأوراق والحجم المالي والعددي أقوى من الصحافة نفسها.



تعليقات الزوّار

الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس

اترك تعليقا

إقرأ أيضا