بوجدور.. حين يصبح نقل وقائع الاقتراع محفوفاً بالخطر.. من يحمي الصحفيين أثناء أداء واجبهم المهني؟
لم يكن يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026 بمدينة بوجدور يوماً عادياً بالنسبة لصحفيين كانا يؤديان واجبهما المهني في تغطية مجريات الانتخابات التشريعية، بعدما تحولت مهمة نقل الوقائع من الميدان إلى لحظة محفوفة بالخطر، إثر تعرضهما، بحسب إفادتهما وما تضمنته الشكاية الموضوعة لدى المصالح الأمنية، لمحاولة دهس بواسطة سيارة رباعية الدفع، بالقرب من ثانوية جابر بن حيان بحي الأمان (1)، بالقطب الحضري ببوجدور.
وكان الصحفيان، العاملان بمجلة صحراء التواصل وجريدة سكوبريس الإلكترونية الصادرتان عن مؤسسة كليم ميديا للصحافة والنشر، في مهمة مهنية لتغطية تفاصيل العملية الانتخابية ونقل ما يجري إلى الرأي العام، قبل أن يفاجآ، بتحرك سيارتي رباعية الدفع في اتجاههما في محاولة لدهسهما، ما أدى إلى تسجيل أضرار مادية بسيارتهما، في واقعة وقعت في سياق انتخابي حساس، وأثناء قيامهما بعملهما الصحفي.
وتزداد خطورة الواقعة، وفق المعطيات المتوفرة، بالنظر إلى أن الأمر لم يتعلق بمجرد مشادة كلامية أو خلاف عابر، وإنما بحادث استُعملت فيه سيارتين بطريقة عرّضت الصحفيين للخطر، وهو ما يجعل تحديد حقيقة ما جرى، وظروفه، والمسؤوليات المرتبطة به، أمراً موكولاً إلى الأبحاث التي باشرتها الجهات المختصة، بعيداً عن أي استنتاج مسبق أو اتهام غير مؤسس.
وبحسب إفادتي الصحفيين، فقد حالت يقظة عناصر من القوات المساعدة كانت قريبة من مكان الواقعة دون تفاقم الوضع، فيما تم وضع شكاية لدى المنطقة الإقليمية للأمن ببوجدور، حيث لقيت الواقعة، وفق المعطيات المتوفرة، تعاملاً سريعاً وجاداً من المصالح الأمنية المختصة، في انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث والتحريات بشأن ملابسات الحادث وتحديد المسؤوليات على أساس الأدلة والمعطيات الموثوقة.
وتكتسي الواقعة حساسية خاصة لكونها حدثت في يوم انتخابي، حيث تكون التغطية الصحفية الميدانية جزءاً من نقل صورة ما يجري إلى المواطنين والرأي العام. فالصحفي حين يوجد في الميدان لا يقوم إلا بممارسة مهنته، ولا يفترض أن تتحول مهمته في رصد الوقائع ونقلها إلى مصدر تهديد أو ضغط أو تضييق.
والاختلاف مع الصحفي أو الاعتراض على مضمون مادة إعلامية يظل أمراً يمكن التعبير عنه بالوسائل المهنية والقانونية المتاحة، من خلال الرد والتوضيح وطلب التصحيح أو اللجوء إلى الجهات والمؤسسات المختصة، دون أن يتحول ذلك إلى سلوك يمس سلامة الصحفي أو يعطل حقه في أداء مهمته.
ومن الناحية القانونية، فإن حماية الممارسة الصحفية تستند، في مقدمتها، إلى الدستور المغربي الذي ينص في الفصل 28 على أن حرية الصحافة مضمونة، ويقر للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بحرية، في حدود ما ينص عليه القانون صراحة. كما يكرس الفصل 27 حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، مع مراعاة القيود التي يحددها القانون لحماية المصالح والحقوق التي نص عليها الدستور.
ولا تقف الحماية عند المقتضى الدستوري، إذ يؤطر قطاع الصحافة والنشر عدد من النصوص القانونية، من بينها القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، والقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحفيين المهنيين، إلى جانب القانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، وهي نصوص تندرج ضمن الإطار القانوني المنظم للممارسة الصحفية بالمغرب.
ويكتسب الجانب المتعلق بالسلامة المهنية أهمية خاصة في هذه الواقعة، إذ ينص ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة المعتمد من المجلس الوطني للصحافة، ضمن باب «الحماية والحقوق»، على أن الصحافي ينبغي أن يتمتع بالحماية أثناء مزاولته لمهامه حفاظاً على سلامته وكرامته، كما يقر له حق الوصول إلى مصادر الأخبار دون أن يتعرض للمضايقة أو الأذى، ويؤكد حقه في ممارسة مهنته في إطار السلامة والحماية اللتين يضمنهما القانون.
كما أن المجلس الوطني للصحافة يضطلع، في إطار اختصاصاته، بأدوار مرتبطة بحماية أخلاقيات المهنة واحترام قواعدها، وقد سبق له أن شدد في تقاريره على ضرورة خلق وتعزيز بيئة مواتية لعمل الصحافيين والصحافيات وتعزيز حمايتهم، خاصة أثناء أدائهم لمهامهم الميدانية.
ومن جهة أخرى، فإن واقعة استعمال سيارتين بطريقة عرّضت أشخاصاً للخطر لا ينبغي اختزالها تلقائياً في إطار الخلاف الصحفي أو المهني، لأن التكييف القانوني للأفعال، وتحديد ما إذا كانت هناك مخالفة أو جريمة والعناصر المكونة لها، يظل من اختصاص الجهات القضائية المختصة، بناءً على نتائج البحث والأدلة والوقائع الثابتة. ولذلك فإن الاحتكام إلى القانون يظل الطريق الطبيعي لتحديد المسؤوليات، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
وتزداد أهمية هذا المعطى عندما يتعلق الأمر بصحفيين مهنيين كانا يمارسان عملهما في فضاء عام وأثناء تغطية استحقاق انتخابي، إذ إن ضمان سلامتهما لا يعني منح حصانة لأي ممارسة صحفية، كما لا يعفي الصحفي من احترام القانون وقواعد المهنة، وإنما يعني أن أي اعتراض على عمله أو على ما ينشره يجب أن يسلك القنوات التي أتاحها القانون، بدل أن يتحول إلى ضغط أو تهديد أو اعتداء.
كما أن الإشارة، في إطار إفادتهما وشكايتهما، إلى أشخاص محسوبين على أحد الأطراف في المشهد الانتخابي، لا تعني بأي حال ثبوت مسؤولية ذلك الطرف أو أي مرشح بعينه، ما لم تثبت الأبحاث ذلك وفق المساطر القانونية المعمول بها. وتظل مسؤولية تحديد هوية المتورطين والوقائع الثابتة والصفة القانونية للأفعال من اختصاص الجهات المكلفة بالبحث والقضاء، بناءً على ما يثبت من معطيات وأدلة.
وقد تم إشعار الجهات المهنية المعنية بالواقعة، بما في ذلك المؤسسات والهيئات التي تضطلع بأدوار مرتبطة بحماية الممارسة الصحفية وأخلاقيات المهنة، بما يطرح مجدداً مسألة حماية الصحفيين أثناء أداء مهامهم الميدانية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتغطية الاستحقاقات الانتخابية التي تتطلب حضوراً إعلامياً مهنياً ومسؤولاً.
إن الصحافة لا تقوم على الاصطفاف، ولا على الدخول في الخصومات، وإنما على نقل الوقائع كما تقع، والتحقق منها، وإتاحة المجال أمام مختلف الأطراف للتعبير عن مواقفها وفق القواعد المهنية والقانونية. ومن ثم، فإن أي خلاف مع مضمون صحفي ينبغي أن يجد طريقه إلى الرد والتوضيح والحوار والوسائل القانونية، لا إلى الشارع أو إلى أساليب قد تمس سلامة الصحفيين.
وفي هذا السياق، تكتسب المتابعة المؤسساتية للواقعة أهمية خاصة، لأن حماية الصحفي أثناء أداء مهامه لا تبدأ بعد وقوع الضرر، وإنما تقتضي أيضاً التعامل الجاد مع كل واقعة من شأنها أن تهدد سلامته أو تعرقل عمله، بما يضمن ألا تتحول الممارسة الصحفية في الميدان إلى مجال مفتوح للضغط أو التخويف. كما أن إنفاذ القانون في مثل هذه الحالات لا يحمي الصحفي وحده، بل يرسخ مبدأ أن الخلافات المرتبطة بالشأن العام والانتخابي تظل محكومة بالقانون، وأن ممارسة الصحافة لا ينبغي أن تُقابل إلا بالوسائل المشروعة التي يكفلها القانون.
فمن يحمي الصحفي أثناء نقله للمعلومة وأدائه لواجبه المهني؟






تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي سكوبريس